كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟

كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟

مشاهدة

26/06/2019

ليست هناك مبالغة في القول بأنّ مدرسة "الإصلاح" الإسلامي كانت بمثابة رد فعل على التدخل الاستعماري في العالم الإسلامي، ومنذ إرهاصاتها الأولى واجهت تلك المدرسة مأساة تخلّف العالم الإسلامي قياساً على الغرب؛ ولأنّ إنكار هذا التخلّف كان مستحيلاً اعترفت به، إلا أنّها رفضت بشكل قاطع ربطه بالإسلام، وإن كان هذا مفهوماً بحكم انطلاقها من أرضية إسلامية أصلاً، إلا أنّ رد الفعل بمجمله ترتب عليه نتائج إشكالية للغاية.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟

بُنيت الفكرة الإصلاحية برمّتها على فرضيّتين متلازمتين: الأولى أنّ هناك فارقاً جذرياً بين الإسلام (كمفهوم معياري) وبين الإسلام المعاصر (كواقع قائم)؛ وبالتالي كانت مهمتها الأساسية ردم هذه الفجوة بين الواقع والمثال، والثانية صلاحية الإسلام كصيغة حضارية للوجود في العصر الحديث (وهذا أيضاً يمكن تفهمه وإلا كان أعلام الإصلاح مطالبين بالتسليم باللاجدوى التاريخية لما اعتُبر أساس وجود الأمة).

الإسلام الصحيح والمعاصر

إذن، وضع مفكرو الإصلاح حداً فاصلاً بين الإسلام من حيث هو جوهر متعالٍ، وبين المسلمين كورثة غير جديرين لحمل هذه الرسالة العظيمة، وبناءً على هذا الفصل تم تفسير وضع اللاجدارة الذي عليه المسلمون؛ فـ"بابتعادهم عن الله ابتعدت عنهم الأمجاد والانتصارات في الدنيا" (نص على ذلك محمد عبده في كتابه: الإسلام دين المدنية والعلم)؛ و"لم يكن الله هو من تخلى عن أمته وتخاذل عن تمكينها ونصرتها بل كانت الأمة هي من تخلت عن الوعد الإلهي وخذلته" (كما يقول جمال الدين الأفغاني في إحدى خاطراته).

مدرسة الإصلاح الإسلامي كانت بمثابة رد فعل على التدخل الاستعماري في العالم الإسلامي

لكن بأي وسيلة يمكن فصل الإسلام الصحيح عن الإسلام المعاصر؟ سيتساوى في الإجابة عن هذا السؤال كلٌّ من الأصولية الوهابية وأصولية الإصلاح، فكلاهما رأتا في مفهوم "البدع" آلية حاسمة في الفصل بين الإسلامين؛ فالشوائب التي ألصقت بالإسلام ولم تكن فيه من الأصل عبر تراكم تاريخي طويل هي التي أفسدت نقاءه، بالنسبة إلى الوهابية، حتى أصبح هو والكفر سواء، وهي التي حرّفت مساره في تقدم المسلمين ورِفعتهم، بالنسبة إلى "الإصلاح"، وبالتالي هي السبب الحقيقي في تخلف المسلمين وهزيمتهم.
بالوصول إلى هنا يمكن فهم المعضلة الإصلاحية على النحو التالي: كانت سيادة الأمة الإسلامية على باقي الأمم قاطبة أحد الأسس المركزية للوعي المسلم منذ انطلاق أول جيش للفتح في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وحتى ظهور أعراض الضعف على الخلاقة العثمانية في القرن الثامن الميلادي؛ فلما تحدى "الغرب" هذه السيادة وسحقها وفرض على الجسد الجغرافي الإسلامي سيادته هو، لم يكن هناك مفر من التمييز بين إسلام واقعي ويومي وزائف ومهزوم وبين إسلام مفارق ونقي وأصلي وصحيح لم يُهزم ولم يُخضع بل لا يزال صالحاً، عند استدعائه بجدية، للنصر والتمكين.

 جمال الدين الأفغاني
هكذا زرعت مدرسة "الإصلاح" بذور أصولية من نوعٍ جديد؛ تفترض وجود إسلام "أصلي" و"صحيح" يجب استدعاؤه كي تعود للأمة سيادتها على واقعها وتمارس "أستاذيتها" على العالم، ويتم لها التقدم. أما مكونات هذا الإسلام المثالي فهي: القرآن الكريم، السنة النبوية، السلف الصالح (الذي جسد هذا الإسلام الحقيقي تجسيداً مثالياً دون شوائب، كما يعتقد المصلح الأصولي).

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
وعلى هذا النحو لا بد من تمييز الفارق بين الأصوليات السابقة (الوهابية) وأصولية "الإصلاح"، وهو فارق يتعلق بالأساس بالهدف من استدعاء "الإسلام الصحيح" إلى العالم، فبالنسبة إلى الأولى كان الاستدعاء قائماً على أسس عقائدية بحتة تتعلق بتطهير الدين من الأدران التي علقت به كي يتم للناس إيمانهم، أما الأخيرة فالمسألة مرتبطة بمهمة الإسلام في العصر الحديث: توحيد المسلمين في مواجهة الآخر الاستعماري، وتحقيق النهضة وهو ما يستوجب تطهيره.
تطهير الإسلام إذن كان مجرد وسيلة كي يتمكن من تنفيذ مهمته في العالم، لذا حُدّدت أهداف التطهير بدقة: استئصال الصوفية، بعد تحميلها مسؤولية القضاء على الفاعلية التاريخية للإسلام بتكريسها للإيمان السلبي والانسحاب من العالم والعزوف عن الدخول في معترك الحياة وخوض معارك التقدم والحضارة. سيكون هذا النوع من التطهير من العلامات المميزة للإسلام الحركي، لاحقاً، في سعيه الدؤوب نحو تفكيك بنية "التدين الشعبي" وفي هذا لا يمكن العثور على أي فارق يُذكر بين جمال الدين الأفغاني وبين حسن البنا، كما لا يمكن التفريق بين موقف محمد عبده الرائي في الصوفية خطراً على "الإسلام الصحيح" وموقف رشيد رضا تجاهها.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
ومفهوم "الإسلام الصحيح" كما عبرت عنه مدرسة الإصلاح كان سابقة تاريخية في حد ذاته؛ فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها النظر إلى الإسلام كما لو كان كياناً واحداً يتجاوز اختلافات الفرق والمذاهب عن طريق العودة إلى ما اعتُبر أصلاً أولاً، كما كانت هذه أول صياغة فكرية للأصولية الإسلامية بشكلها المعروف حالياً، من حيث القفز على التاريخ المتشعب للإسلام وتعددية الحاضر نحو توحيد المسلمين في مواجهة الآخر والتأخر، كما استنتج شريف يونس في كتابه "البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر" 2014.
أما عن الكيفية التي تمكنت بها الأصولية (الإصلاح، الإسلام الحركي) من القفز على تاريخ الإسلام المتشعب، فقد كانت عبر الانتقائية حصراً: انتقت مدرسة الإصلاح مسيرة السلف الصالح من بين كل العصور والتفت حول ما نُسب إليهم من قول أو عمل، وانتقى الإسلام السياسي "الشريعة" من بين كل التراث الباذخ الثراء للحضارة الإسلامية.
"البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر"

أوجه متباينة للإصلاح
مع ذلك، يمكن القول إنّه على الرغم من أنّ أعلام مدرسة الإصلاح اتفقوا على الخطوط العريضة للرؤية الإصلاحية إلا أنّه كانت هناك فروق مهمة، بها تميز محمد عبده عن أستاذه جمال الدين الأفغاني وتلميذه رشيد رضا؛ فمثل الأفغاني وضع عبده التراث الإسلامي "بين قوسين" لينتقي منه ما يناسب خطته للإصلاح، ومثله وضع علامات استفهام كبرى حول الدور الذي بإمكان علماء الدين أن يلعبوه في معركة النهضة؛ في ظل تجاهلهم لمصادر الإسلام الأساسية واستعاضتهم عنها بالحواشي والشروح، إلا أنّه وبحكم تكوينه الأزهري واطلاعه على الثقافة الحديثة في آن، كان مدركاً للمشكلات البنيوية للفقه في ظل الأوضاع المعاصرة؛ وبالتالي كان أكثرهم تأهيلاً لتقديم رؤية تجديدية.

وضع مفكرو الإصلاح حداً فاصلاً بين الإسلام والمسلمين كورثة غير جديرين لحمل رسالته العظيمة

مثل أستاذه وتلميذه لم يكف عبده عن التأكيد على مركزية الأسس الثلاثة للإصلاح الإسلامي: القرآن الكريم، السنّة النبوية، السلف الصالح، إلا أنه رفض مقتضيات هذا التأكيد؛ وأصر على عدم قبوله بأي مقيد للعقل والاجتهاد سوى القرآن الكريم والسنّة النبوية، وبالتالي أطاح عملياً بالأهمية الحاسمة لإجماع السلف الصالح (على عكس أي أصولي مسلم في العصر الحديث) ولم يكتف بذلك بل حاول حصر سلطة السنّة في الأحاديث القطعية الدلالة والثبوت مع التشكك في صحة الكثير من أحاديث الآحاد، بل وتمادى في توسيع نطاق الاجتهاد وحرية العقل حتى مع وجود نصوص قرآنية، ويمكن تفسير اتجاهاته التأويلية ذات الطابع العقلاني على ضوء مساعيه هذه.
في المقابل، لم يكن الاجتهاد عند الأفغاني يعني أكثر من "الاهتداء بهدي القرآن وصحيح الحديث" (كما يقول أحمد صلاح الملا في كتابه: جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة.. رشيد رضا ومجلة المنار 1898 - 1935).
على النقيض من الأفغاني ارتبط الإصلاح الذي رمى إليه محمد عبده بالدعوة إلى الانفتاح على الحداثة

انقلاب الإمام على الأستاذ
كيف يمكن تفسير هذا الاختلاف بين الأستاذ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده؟ للإجابة على هذا يمكن النظر على استراتيجية الأفغاني في الإصلاح والتي كانت بمثابة رد فعل سياسي مباشر وواضح على التهديد الغربي، على عكس استراتيجية عبده التي، وإن كانت بمثابة صدى للتهديد الغربي، تمحورت حول إعادة بناء المجتمع المسلم على أسس جديدة، وبالتالي كانت مواجهته للتهديد الغربي حضارية بالأساس وعلى المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
في مواجهة الاختراق الغربي للتشكيلة الاجتماعية الإسلامية شرع الأفغاني في الدعوة إلى "الانغلاق" و"التقوقع" و"الاكتفاء الذاتي"؛ إذ اعتقد أنّ فتح الأبواب أمام الثقافة الغربية من شأنه تقليد المتعلمين المسلمين للأوروبيين والاستكانة لحكمهم والرضا بسلطانهم؛ لذا هاجم بقسوة، غير مبررة، "الأفندية" الذين حصلوا على تعليم غربي، واعتبرهم طلائع الاختراق الغربي لـ "دار الإسلام" وبديلاً عن التعليم طرح الأفغاني حلاً بسيطاً: العودة إلى الأصول. على مضضٍ سمح باقتباس أدوات القوة العسكرية والتقنية من الغرب (وستكون هذه الرؤيا بمثابة المدماك الأول في مشروع حسن البنا لتأسيس جماعة دينية/سياسية تواجه التغريب).

سؤال فصل الإسلام الصحيح عن المعاصر يتساوى في الإجابة عنه كلّ من الأصولية الوهابية والإصلاحية

وعلى المستوى السياسي تبنّى الأفغاني فكرة الجامعة الإسلامية التي يمكن بواسطتها مقاومة الأطماع الأوروبية من خلال الانضواء تحت راية الخلافة العظمى، ومن هنا كانت السياسة هي المهماز الذي يحرِّك الأفغاني في جميع القضايا، و"لم يكن لوعيه أن يولد إلا في ظل أوضاع يبدو فيها المسلمون في حال من الذل والهوان بإزاء قوة أجنبية غالبة ومهيمنة" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988.
بعد مسيرة سياسية ذات طابع ثوري قصير النفس، كان فيها خاضعاً لتأثير الأفغاني، انقلب محمد عبده على أستاذه ورأى أنّ الصراع مع الغرب ليس له الأولوية العاجلة، وأنّ مشكلات مصر والعالم الإسلامي لا تكمن في الوجود الغربي، بل في البناء الفكري الإسلامي نفسه، وهو ما يتطلب وضع مشروعٍ للإصلاح التدريجي البطيء.

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وعلى النقيض من الأفغاني، ارتبط الإصلاح الذي رمى إليه محمد عبده بالدعوة إلى الانفتاح على الحداثة؛ لذا طالب المسلم بالكف عن الاستعلاء لمجرد كونه مسلماً، ودعاه إلى إثبات جدارته في الحياة بالاشتباك مع الواقع والمشاركة في الحضارة.
في المحصلة، انتهى الإصلاح الذي بدأ كشكل من أشكال المقاومة للوجود الاستعماري الغربي عبر توحيد المسلمين في مواجهته عند محمد عبده إلى موقف يائس كلياً وسلبي بالكامل، (كما يقول ألبرت حوراني في كتابه: الفكر العربي في عصر النهضة) 1961، بعد إقراره بأنّه ما دامت مصر عاجزة عن طرد الإنجليز فلتحاول الاستفادة من وجودهم، إلى درجة أنّ اللورد كرومر، عميد الإدارة الاستعمارية في مصر، رأى في محمد عبده "حليفاً موضوعياً"، فلم يكن من قبيل الصدفة أنّ القطيعة بين الأستاذ والإمام بدأت في هذه المرحلة بالذات.

الصفحة الرئيسية