كيف فقد الإنسان زمنه الخاص تحت وطأة التحولات الاجتماعية والاقتصادية؟

كيف فقد الإنسان زمنه الخاص تحت وطأة التحولات الاجتماعية والاقتصادية؟

كيف فقد الإنسان زمنه الخاص تحت وطأة التحولات الاجتماعية والاقتصادية؟


03/11/2025

في عالم اليوم حيث يشعر الإنسان بأنّه مُستلب، وعليه أن يعمل طوال الوقت ليكفي حاجاته الأساسية، مُلتزم أمام من يعول وأمام الفواتير والأقساط والمواصلات التي لا تنتهي، يرهن وقته لعمل لا يحبه لكنّه يضمن له بعضًا من الأمان المادي، في عالم تهددنا فيه كل يوم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بوظائفنا، فلا يكتفي بوقت العمل فقط، ولكن عليه بالتطوير المهني الدائم لنفسه حتى لا يجد نفسه بين عشية وضحاها منبوذًا بسبب التطور السريع في الكفايات المطلوبة لشغل الوظائف، لذا يبحث عن "كورسات" تجعله أقدر في ميزة التنافسية من غيره، ويبحث في التخصصات القريبة من تخصصه أو حتى البعيدة عنه، بحيث لو سقط تخصصه من الطلب عليه، أو حلَّت التكنولوجيا محل دوره، وجد لديه المرونة والحصيلة العلمية والمعرفة المُعدّة مُسبقًا لتكفيه لتغيير مهنته كلها. 

التحولات الاجتماعية الحديثة جعلت الإنسان يعيش بين تناقض المهنة التي تطعم جسده وتقيم عوده وبين مهنة أو هواية تُغذي روحه وتسمو بوجوده

يحتل مصطلح "شيفت كارير" مكانة بارزة على ألسنة الشباب اليوم الذين ينطلقون في عالم الحياة العملية، ينطلقون في الميدان وهم على وضع الاستعداد للتنقل بين عدة مهن، على عكس جيل الأجداد والآباء الذين كانوا يعيشون حياتهم كاملة داخل مهنة واحدة، بل إنَّ عائلات كاملة كانت معروفة بعيشها داخل مهنة واحدة توارثتها آباء عن أجداد، أمّا الآن فكلّ شيء وقتي جدًّا.

هيمنة زمن المؤسسة

إنّ التحولات الاجتماعية الحديثة جعلت الإنسان يعيش بين تناقض المهنة التي تطعم جسده وتقيم عوده وبين مهنة أو هواية تُغذي روحه وتسمو بوجوده، لكنّها لا تُذكر في السير الذاتية، وليس لها عوائد مادية تمكنه من الاستغناء بها والعيش المُخلص لها، ومع هذا فإنّ هذه المهنة أو الهواية هي التي تُعمّق إحساس الإنسان بوجوده وتخلق رضاه عن عالمه الصعب. يعيش الإنسان زمن المؤسسة أكثر ممّا يعيش زمنه الخاص، فمن منّا لا يشعر بأنّه ترس في آلة ضخمة، لا ينتهي من العمل حتى يعود إليه، بحيث يصبح العمل هو الحياة نفسها، والحياة الشخصية حاشية هامشية أمام الوظيفة التي احتلت حتى مساحة ما بعد العمل، فبعد أن يستهلك العمل طاقتك ويستهلك شباب اليوم وقوته يتركك مُنهكًا غير قادر على القيام ببقية أدوارك، هذا إن لم يطلب منك مديرك تأدية بعض الأعمال من المنزل، وهكذا تتمدد الحياة العملية في عالم الإنسان حتى تصبح هي المتن.

مهن الروح عديدة: الرسم، والغناء، والعزف، والكتابة، والزراعة...، إلى آخره من تلك المهن التي تتصل بالفعل الروحي أكثر ممّا تتصل بالإنتاجية والوفرة، وهي ضرورية ليس للإنسان المبُدع وحده ولكن لذلك المُتلقي أيضًا، فهي عملية عطاء من الوجود الشخصي للوجود الإنساني كافة، وهي تعبير لا يشمل ذاتًا مفردةً وإنّما يضم في فعله وقصده الذات الإنسانية الكبيرة، لا يهدف للجمال والتسامي وتعميق الحياة الشخصية والجماعية فقط، وإنّما هو عملية استشفائية للروح التي يتمخض عنها الفعل الإبداعي الذي تتذوقه أيضًا.

وصف نجيب محفوظ الحياة الوظيفية بالنظام الضار الذي أخذ أكثر من نصف يومه مدة (37) عامًا، لكنّ هذه الوظيفة نفسها هي التي وفرت له الكثير من النماذج الإنسانية التي ظهرت في كتاباته

وقد وجد تاريخ الإبداع نماذج كثيرة لمبدعين أرهقتهم مُتطلبات الحياة الوظيفية ومهن الضرورة البقائية، لكنّهم وجدوا الوقت الصغير المسروق من الاستلاب الكبير ليُعبّروا فيه عن أرواحهم، كما نرى في نجيب محفوظ وتوني موريسون وكافكا وتشيخوف وعبد الرحمن منيف... وكثيرين غيرهم.  

كلّ هؤلاء كانوا مثالًا لبشر لهم حياتان وعملان كلاهما ضروري، وقد وصف تشيخوف ذلك بقوله: "الطبّ زوجتي، والأدب عشيقتي"، ووصف نجيب محفوظ الحياة الوظيفية بالنظام الضار الذي أخذ أكثر من نصف يومه مدة (37) عامًا، لكنّ هذه الوظيفة نفسها هي التي وفرت له الكثير من النماذج الإنسانية التي ظهرت في كتاباته، فلم تكن كتابات محفوظ لتظهر بهذه الحياة لو أنّ كاتبها كان معزولًا عن الحياة، حتى فان جوخ الذي عاش فترة طويلة بين عمّال الفحم الفقراء الذين اسودت أيديهم لم يكن ليرسم كل هذه اللوحات المُشمسة لو لم يرشح سواد الفحم على قلبه فترة ما، ولم تكن لتوني موريسون أن تصور لنا مأساة "محبوبة" لو لم تكن عاشتها بشق من حياتها، ولم يكن لكافكا أن يصور لنا رائعته "التحول" لو لم يُعانِ من الملل في الوظيفة الصباحية الروتينة، ووجد في الكتابة الليلية طريقته للحياة التي يريدها،  "وظيفتي تقتلني، لكنّ الكتابة تُبقيني على قيد الحياة".

الرعاية الروحية للذات

هكذا نرى أنّه لو لم تمضغ الحياة هؤلاء المُبدعين وتكسرهم من الداخل، لما كنّا رأينا هذا الإبداع وهذا القدر من الجمال الذي كانت الحياة الروتينية إحدى مكوناته.

الاعتبار هنا في أنّ هؤلاء استطاعوا أن يجدوا الوقت ليكوّنوا أنفسهم، أن يتوقفوا ولو قليلًا عن العمل لصالح آلة الإنتاج والعمل لصالح الإبداع، وخصّصوا وقتًا لأرواحهم. سرّ النجاة في عالم اليوم ليس في الهرب من الأعمال التي تطعم الجسد ولكن هو أن نُفسح وقتًا، ولو صغيرًا، للمهن التي تُحيي الروح. يجب أن نُحافظ وسط الضغوط على ذلك الركن الذي نحمي فيه شغفنا.

كلّ يوم عليّ أن أستيقظ باكرًا لألحق الحياة من بدايتها، أسمع صوت المنبّه قبل صوتي الداخلي، يُطاردني البريد الإلكتروني قبل قهوة الصباح، عليّ أن أحلّ مشاكل الطلاب الصباحية قبل أن أتخلص من غبش النوم تمامًا، المواعيد تطاردني حتى في أيام العُطل، المهام غير المُنجزة والكشاكيل غير المُصححة والدرجات غير المرصودة تُخايلني أثناء الشرح، عليّ أن أتعامل مع مفاجآت اليوم وصراخ الأطفال وخدوش أجسادهم وعُثر تعلمهم وفوضاهم ومطالبهم وعنادهم، أن أعطي طاقات حب ودفء في مهنة تطلب طوال الوقت إنسانية حاضرة، لكن حين أعود إلى البيت أشعر بأنّي قد انتهيت تمامّا، وأنّ الوصول إلى السرير مع فنجان القهوة هو ألطف شيء حدث في اليوم، يتضايق الجسد المُنهك من الانثناء الخفيف للملاءة من تحته، في أيام أخرى لم أكن أشعر بذلك، لكنّه الجسد الذي لا يريد أيّ خطأ بسيط يزيد إرهاقه، أبحث عن ورقة فارغة من بقايا أوراق الملحوظات المدرسية وأفكر في خاطرة ما أو مقال ما، لأتحدث عن الرعاية الروحية للذات في عالم غير مُراعٍ.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية