كيف حوّل العثمانيون ملّاك الأرض إلى "عبيد" في مصر؟

كيف حوّل العثمانيون ملّاك الأرض إلى "عبيد" في مصر؟

كيف حوّل العثمانيون ملّاك الأرض إلى "عبيد" في مصر؟


23/07/2020

بين المركز والأطراف، أرسى الاحتلال العثماني قاعدة مركزية لممارسة التمييز العرقي، وضع فيها الولايات المحتلة في خدمة الدولة المركزية في الأستانة، وعمد إلى إفقار وتجهيل الولايات الخاضعة بقوة السيف، وبفعل التغييب المعرفي، وتحت وطأة انهيار المنظومة الصحية، وتداخل كل عوامل الإبعاد الحضاري، جرى ضبط التاريخ على وضع الإيقاف طويلاً.

نظر العثمانيون إلى أرض مصر على أنّها أرض عنوة أخِذت بحدّ السيف ويملكها السلطان بلا منازع

وبصفة خاصة، عانى الفلاحون في ربوع مصر شظفاً غير مسبوق في العيش، في ظل حكم لم يتورّع عن استنزاف مقدراتهم، والحصول على قوة العمل بأبخس ثمن، أو بالسخرة في أحيان كثيرة، حيث كرّس الاحتلال التركي أنماطاً متعددة ممّا يُعرف بــ "رق الأرض"، وقد أصبحت؛ أي الأرض، ومن يقومون على فلاحتها ملكاً للسلطان ورجاله، ورهناً لإشارتهم.

الاستيلاء على الأرض نهج عثماني قديم

نظر العثمانيون إلى أرض مصر على أنّها أرض عنوة، أخِذت بحدّ السيف، يملكها السلطان بلا منازع، إلّا أنّ ذلك الأمر اصطدم بمقولات فقهية أخرى، باعتبارها أرضاً أسلم أهلها وهم عليها، ولا يجوز تجريدهم منها، ما جعل سليمان القانوني يلجأ إلى حيلة أخرى في العام 1525م، بإصداره "قانون نامة"، وفيه كان مطلوباً من كل فلاح إثبات ملكية الأرض التي يزرعها، بحجة مكتوبة ومعتمدة من الدولة، وهو أمر لم يكن معتاداً في العصر المملوكي، حيث كانت الأمور تسير وفق قاعدة قانونية اعتبرت الحيازة سنداً للملكية. وعليه، تمّ تجريد عدد هائل من الفلاحين من أراضيهم، ما اضطرهم إلى العمل فيها بالأجر، نظير لقمة العيش.

اقرأ أيضاً: محاولة عربيّة للاستقلال عن الحكم العثمانيّ... كيف انتهت إمارة فخر الدين المعنيّ؟

من جهة أخرى، أقرّ العثمانيون نظاماً تراتبياً لإدارة شؤون الريف المصري، جاء على رأس السلطة فيه الملتزم، وهو الشخص الذي يختص بدفع الضرائب للدولة سنوياً، ثم يجمعها أضعافاً مضاعفة من الفلاحين، يساعده على ذلك كتيبة من الرجال هم: الصراف، المباشر المشد، الروزلنجي، المسؤول عن جباية الأموال، والخفير، وهؤلاء جميعاً أذاقوا الفلاح المصري أشكالاً من المهانة، وحوّلوا حياته إلى جحيم، وقد حفلت الأدبيات الشعبية بصور متعددة من هذه المعاناة اليومية. 

بعد تجريد الفلاحين من ملكية الأرض بسبب العجز عن دفع الضرائب، تؤول ملكيتها إلى الملتزم أو السيد الإقطاعي

كما فرضت الإدارة العثمانية مجموعة من الضرائب التعسفية على الفلاحين، والمثير للدهشة أنّهم فرضوا ضريبة على الضريبة! حيث فُرضت ضريبة "المضاف" على ضريبة "الميري"، وكان تقديرها جزافياً بيد الملتزم، وكانت ضريبة "البراني" من أكثر الضرائب إثارة للسخرية، حيث فرضها العثمانيون على روث الحيوانات، باعتباره مصدراً للوقود! كما فُرضت ضريبة "قراء الأسنان" على الطعام، بالإضافة إلى ضرائب خدمة العسكر، وغيرها من الرسوم الهزلية.

"الوسيّة" شكل مستحدث من قنانة الأرض

درج العثمانيون على استحداث أشكال من عبودية الأرض، زعموا أنّها لا تتناقض مع تعاليم الإسلام، فإذا كان نظام رق الأرض يتعارض مع أحكام الشريعة فيما يتعلق بالزرّاع المسلمين، فلا ضير من استدعاء نموذج القنانة القروسطي تحت اسم الأوسية، أو الوسيّة، حيث انتشر هذا النوع من الحيازات في كل أنحاء مصر، من الدلتا وحتى الصعيد.

اقرأ أيضاً: فلسطين ونهاية العهد العثماني: كيف ضاعت البلاد؟

وإذا كانت القنانة، بوصفها ذلك الوضع الاجتماعي/ الاقتصادي، الذي وضع ملكية الأرض والبشر القائمين عليها في يد طبقة معينة، يمكنها استغلالها وتوريثها، سار نظام الوسيّة، كعبودية معدّلة، على النهج نفسه، فبعد تجريد الفلاحين من ملكية الأرض، بسبب العجز عن دفع الضرائب، تؤول ملكيتها إلى الملتزم أو السيد الإقطاعي، ويتحوّل الملاك الأصليون إلى أجراء بالسخرة، في أرضهم المسلوبة، ولم يقتصر العمل في الوسيّة على الزراعة فقط، وإنما تعدّاها إلى العمل في كل ما يتصل بخدمة السيد مغتصب الأرض، وكان عبيد الأرض الجدد يورثون وتنتقل ملكيتهم من سيد إلى آخر.

كانت الإدارة العثمانية للريف المصري انعكاساً للطغيان السياسي، حيث انحدر الوضع العام إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والمرض

كانت الإدارة العثمانية للريف المصري انعكاساً حقيقياً للطغيان السياسي، حيث انحدر الوضع العام إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والمرض، وقد حصدت الأوبئة أرواح الآلاف، إضافة إلى المعاناة اليومية، في ظل تعديات الموظفين وإهمالهم، وفي وجود سلطة مركزية غاشمة، إلى جانب تسلط الحاميات العسكرية، وتواصل عمليات النهب، تحت غطاء بيروقراطي متواطئ، ما أدى في نهاية الأمر إلى إصابة القطاع الزراعي بالضعف والعجز.

بعد وقت قصير من الاحتلال التركي، أصبحت الأراضي الزراعية في مصر مقسمة إلى ثلاثة أنواع هي: أملاك السلطان، الإقطاعيات، أراضي الجيش، وفيها جميعاً عمل الفلاحون بأبخس الأجور، أو بالسخرة نظير المأكل والمسكن، وفي ظروف إنسانية أقل ما توصف به أنّها كانت مزرية، ولا تتناسب مع الحد الأدنى من احتياجات البشر.

اقرأ أيضاً: هكذا كان العرب ضحايا الجيش العثماني في 1914

ومع استقرار الحامية العثمانية في مواقعها، وامتلاك الجيش العثماني لعدد كبير من الأراضي، التي سَخَّر فيها الفلاحين، فرضت القوات العثمانية إتاوة تُسمّى "الطُلبة"، كانت الحامية تجبيها بالقوة من الفلاحين، بدعوى حمايتهم، ونتيجة لضخامة هذه الأموال، جرى صراع، بين بعض تلك القوات مع بعضها الآخر، على مناطق تقسيم الإتاوة وتحصليها.

وعليه، عاثت الميليشيا العثمانية، بمسمياتها الإنكشارية والجركسية فساداً في البلاد، كما ظهرت كتائب الدلاة أو المجانين، وهو اسم أطلقه المصريون على فرقة عثمانية، نظراً لعمليات السلب والنهب الواسعة التي اقترفتها في ربوع مصر.

من المقاومة الصامتة إلى التمرّد

كان الوجود العثماني في الريف المصري ثقيلاً، ورغم عسف المماليك وظلمهم السابق، إلا أنّ الإدارة المملوكية للقطاع الزراعي تحت الحكم العثماني كانت أكثر وطأة، إضافة إلى احتقار الأتراك للمصريين، وعدم مراعاتهم عادات الريف وحرمة البيوت، وتعدّد حوادث خطف الجنود للنساء، واستفزازهم الدائم للمصريين، كلّ هذا حرّك المقاومة الصامتة، وحوّلها إلى حركات تمرّد وثورات، أزعجت الوالي في قصره، فعمد إلى قمعها بالسيف حيناً، وبالحيلة في أحيان أخرى.

حرّك الاستبداد العثماني المقاومة الصامتة وحوّلها إلى حركات تمرّد وثورات أزعجت الوالي في قصره

ففي الشرقية، خرج الشيخ عبد الدايم عن طاعة الوالي، وقاد تمرّداً قضى فيه على الحامية العثمانية، وبعض المماليك العملاء، وسيطر لوقت طويل على المقاطعة، حتى تمكّن الوالي مصطفى باشا من قمع العصيان بالقوة المسلحة.

وكانت ثورة، إينال السيفي، كاشف البهنسا والفيوم، حدثاً كاد يهدّد الوجود العثماني في مصر، بانضمام قبائل المنطقة الشرقية وآلاف الفلاحين إلى الثورة، ونجاح السيفي في قتل أبرز عملاء العثمانيين في مصر، الزيني بركات، ما اضطرّ الوالي العثماني إلى استدعاء قوات إضافية من السلطنة للقضاء على الثورة.

اقرأ أيضاً: العثمانية الجديدة.. أجندة أردوغان أم دعاية سوداء

لم يخلُ الحكم العثماني لمصر من حركات ثورية عديدة، جاءت ردّ فعل لما آلت إليه الأمور، وظلت معاناة الفلاح المصري بقعة سوداء على ثوب الخلافة العثمانية، ضمن بقع كثيرة، بعضها بلون الدم، باعتبارها الحقبة الأكثر سوداوية في تاريخ مصر والعالم العربي، فهؤلاء الغزاة القادمون من منطقة الهامش الجغرافي، على تخوم حضارات أرقى وأعرق، مارسوا كل أشكال الاستبداد والعنف والسطو على الحاضر والتاريخ، وبحيث تصبح كل محاولات الاستدعاء القائمة الآن لهذا الماضي الاستعماري البغيض، محض متخيل لا يقف أصحابه على أرض التاريخ بشكل حقيقي، ولا يمكنهم استشراف المستقبل المظلم، في حال عادت الحامية العثمانية من جديد، لاستعمار الأرض واستغلال البشر، حتى وإن كانت في ثوب حداثي، لا يخفي أبداً قبحه الداخلي.

الصفحة الرئيسية