كيف حوّل الإرهاب في أفريقيا جائحة كورونا إلى مدد إلهي؟

كيف حوّل الإرهاب في أفريقيا جائحة كورونا إلى مدد إلهي؟

مشاهدة

02/08/2021

يشبه النشاط الإرهابي المنسوب إلى الجماعات المسلحة الإسلاموية وسادة مملوءة بالماء، إذا تعرضت للضغط من طرف، تستوعبه عبر ارتفاع الطرف الآخر، لتحافظ على كتلتها تحت أيّ ضغط، دون أن يعني ذلك أنّ النشاط الإرهابي كتلة واحدة ثابتة، بل المقصد هو استيعاب الضغوط، وذلك ما واجهه النشاط الإرهابي خلال مراحل زمنية متتالية؛ فالبداية في أفغانستان؛ حيث اكتسب النشاط الجهادي المُصنف إرهابياً طابعاً دولياً، ثم انتقل إلى العراق بعد الحرب الأمريكية الدولية على طالبان عام 2001.

ومن العراق إلى سوريا، عقب عام 2011، ثم مع سقوط تنظيم داعش بشكل كبير، انتقل ثقل التنظيم إلى قارة أفريقيا، بدايةً من ليبيا التي هُزم فيها التنظيم عسكرياً، وانتقالاً إلى بيئات حاضنة جديدة في دول الساحل الأفريقي، غرب القارة، ونيجيريا والكونغو، وشرقاً بشكل كبير في موزمبيق إلى جانب الوجود الكبير القديم لحركة الشباب الصومالية في القرن الأفريقي.

كورونا والإرهاب

وفرضت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول العالم لمواجهة انتشار جائحة فيروس كورونا تبعات كبيرة على حركة التنقل والسفر دولياً، ما حدا بعدد من الباحثين إلى إيجاد صلة بين هذه القيود وتراجع النشاط الإرهابي في أوروبا، التي شهدت خلال الأعوام التي سبقت الجائحة موجات إرهابية متعددة، في أكثر من بلد أوروبي.

عناصر تنظيم داعش في شرق الكونغو

وذكر تقرير لجنة خبراء أممية؛ أنّ عمليات الإغلاق وإغلاق الحدود، في أوروبا وغيرها من المناطق غير الخاضعة للنزاعات، أدّت إلى إبطاء حركة الناس، ما أدّى إلى ضعف النشاط الإرهابي، وحذّر التقرير من مخاوف عودة النشاط الإرهابي مع تخفيف قيود الحركة والتنقل.

ولفت تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، في نهاية حزيران (يونيو) الماضي، إلى أنّه، على الرغم من التقدم الكبير في مكافحة الإرهاب، فإنّه وسط تهديدات جديدة وأكثر تنوعاً، أدّى "كوفيد 19" إلى زيادة النشاط الإرهابي في العديد من البلدان، ولم يبرهن المكتب على فرضيته المبنية على تزامن توسّع النشاط الإرهابي في شرق وغرب أفريقيا خلال عام ونصف من عمر الجائحة.

تحدثت التقارير الأممية عن منطقتين جغرافيتين، كان للجائحة تأثير مختلف على كلتيهما؛ أوروبا وإفريقيا، وبالنسبة إلى الأولى انخفض النشاط الإرهابي، بينما زاد في الثانية

وتحدثت التقارير الأممية عن منطقتين جغرافيتين، كان للجائحة تأثير مختلف على كلتيهما؛ الأولى هي أوروبا، والثانية أفريقيا، وبالنسبة إلى الأولى فقد انخفض النشاط الإرهابي، بينما زاد في الثانية، وذلك منذ انتشار الجائحة عالمياً، وليس من اليسير تبرير تأرجح واختلاف هذا النشاط بعامل كورونا فقط؛ إذ إنّ تراجع الإرهاب في أوروبا يعود إلى أشهر طويلة سبقت الجائحة، وفي أفريقيا يعود التنامي إلى فترات سابقة عن الجائحة، ولا يعني ذلك نفي أيّ تأثير لها.

ويحلّل الكاتب والباحث في شؤون الحركات الإسلامية، مصطفى زهران، هذه العلاقة بقوله؛ لم يتأثر تنظيم داعش سلباً فقط بالجائحة، بل كان له طرح تمثّل في دعوة أنصاره ومؤيديه إلى عدم الانتقال إلى مناطق الوباء، ولهذا فلا يمكن القول إنّ الفاعلية الأمنية هي من حققت خمول نشاط داعش، بل معتقدات التنظيم.

وتساءل زهران، في حديثه لـ "حفريات": هل دخلت التنظيمات الجهادية مرحلة ثانية لاختراق أوروبا في زمن الجائحة؟ وهل بمقدورها ذلك؟ ويمكن القول إنّ القيود التي فرضتها دول أوروبا لمواجهة الجائحة كانت عامل تعجيز أمام النشاط الجهادي، لكن يبقى الأساس هو موقف التنظيمات الجهادية من تجنّب مناطق الوباء، لذلك لم نختبر فعلياً مدى تأثير الإجراءات.

الباحث المصري في الحركات الإسلامية، مصطفى زهران

وكان تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب قد حذّر من زيادة "خطر التطرف عبر الإنترنت" بسبب اللجوء إلى الإنترنت، خاصة منصات التواصل الاجتماعي، كبديل لحظر معظم الأنشطة في المجتمعات بسبب الجائحة.

التوسع في أفريقيا

ومقابل الانكفاء الأوروبي تزايد النشاط الإرهابي في عدة دول أفريقية، شرق القارة وغربها، وأشار التقرير الأممي السابق إلى أنّ أحد الأحداث الأكثر إثارة للقلق في أوائل عام 2021 اقتحام فرع تنظيم داعش المحلّي واحتجازه لفترة وجيزة لميناء موزمبيق الإستراتيجي في موسيمبوا دا برايا، في مقاطعة كابو ديلجادو بالقرب من الحدود مع تنزانيا قبل الانسحاب مع الغنائم.

وإلى جانب ذلك، تزايد النشاط الإرهابي في شمال بوركينا فاسو، متسبّباً في موجات نزوح داخلي وخارجي، وكذلك في شرق الكونغو، ومنطقة الساحل بشكل عام.

الباحث مصطفى زهران لـ "حفريات": تبنّت التنظيمات الجهادية رؤية مفادها أنّ الجائحة ما هي إلا داعم لمسيرتها الجهادية، ومدد ودعم إلهي لمسيرتهم في مواجهة الخصوم

وللوقوف على تأثير الجائحة في هذا التزايد، يتناول الباحث مصطفى زهران بالتحليل تعامل التنظيمات الجهادية، المصنفة إرهابياً مع الجائحة، ويقسمه إلى مرحلتين متوازيتين؛ الأولى التعامل الفقهي والنظري معها باعتبارها عقاباً من الله أو أمراً فرضته طبيعة الأزمنة، ثم المرحلة الثانية وهي تطويع الجائحة لصالحها، بتحقيق مكاسب على الأرض، بعد تبنّي رؤية مفادها أنّ الجائحة ما هي إلا داعم لمسيرتها الجهادية (التي أهملها المسلمون في زماننا هذا، من وجهة نظرهم)، وهي بمثابة مدد ودعم إلهي لمسيرتهم في مواجهة الخصوم أياً كانت معتقداتهم وأجناسهم.

وأضاف زهران: وظّفت التنظيمات الجهادية ما حسبته مؤازرة إلهية بوضع رؤية إستراتيجية على مستويات فكرية واجتماعية وعسكرية واقتصادية لمواجهة الخصوم، بالتالي، كانت الجائحة عاملاً مهماً في صعود هذه التنظيمات على المستوى النظري، وهو أمر لا يستهان به، ولا يقلّ أهميةً عن التطبيق، فهو المحفز والداعم الرئيس لنشاط هذه التنظيمات.

تسبّبت الهجمات الإرهابية في موجات نزوح واسعة في أفريقيا

وأكّد زهران أنّ التنظيمات الجهادية تفاعلت مع الجائحة كمحاولة لإعادة التموضع بشكل آخر، حتى أنّ تنظيم القاعدة، الذي كان في طريقه إلى الأفول استغلّ الجائحة كمحاولة للصعود وملء مساحات جديدة مرة أخرى، ولهذا أقول "قدمت التنظيمات الجهادية رؤية مغايرة داخل زمن الجائحة تستدعي المقارنة ووضعها تحت المجهر البحثي للتنبؤ بنتائج ذلك".

انكشاف الأنظمة الأفريقية

ومقارنة بالإجراءات الاحترازية الأوروبية التي وُصفت بأنّها تحدٍّ أمام النشاط الإرهابي، نجد على الجانب الآخر مواجهة الأنظمة الحاكمة في أفريقيا تصبّ في صالح انتشار التنظيمات الإرهابية.

وتوضيحاً لذلك، يرى زهران، أنّ الأنظمة الأفريقية بشكل عام هزيلة وضعيفة، ينخرها الفساد في كافة المؤسسات، ومنها النظام الصحي الذي يتلقى دعماً غربياً، ولهذا عرّت الجائحة ضعف هذه الأنظمة وهشاشتها وفسادها وقلة مواردها، وهو ما استفادت التنظيمات الجهادية في أفريقيا منه.

 وينحو زهران نحو التعامل مع الجائحة على أنّها محفز رئيس وداعم بشكل أساسي في تطور نشاط التنظيمات الجهادية في القارة السمراء.

وفي سياق معالجة الإرهاب وكورونا، يشدّد زهران على قضية الهامش والمتن لتوزيع التنظيمات الجهادية، والتي تؤثر على تفاعلها في محيطها تحت أيّ ظرف؛ فالهامش لهذه التنظيمات هو أوروبا، بينما المتن هو أفريقيا، ولهذا فجهود مكافحة كورونا في أوروبا ليست عاملاً أساسياً في مكافحة النشاط الجهادي، كونه يتمركز في محيط مغاير.

الصفحة الرئيسية