كيف تستعير الحرب أدواتها من مطبخ الأسرة؟

كيف تستعير الحرب أدواتها من مطبخ الأسرة؟

مشاهدة

10/10/2021

إنّ كلّ ما نشعر أو نفكر به، وأيّ عملٍ نزاوله، يرتبط ارتباطاً واضحاً أو خفياً بمعتقداتنا وقيمنا، وفي الأغلب الأعمّ نحن لا ندرك أو نعي حقيقةَ أنّ قيمنا هي من تشكّل قراراتنا، وقراراتنا هي من تشكّل الواقع. وهذا ما يجعل من الفرديّة حقلاً اجتماعياً وثقافياً، تمت زراعته مسبقاً، وأنها لا يمكن بأي حالٍ أن تنتج شيئاً مختلفاً، ومع ذلك نحن نتفاجأ حين نحصد الثمار المؤلمة نفسها، فإعادة النظر بالقيم هي في الوقت نفسه إعادة النظر بالتركيبة الاجتماعيّة كاملةً، فالقيم التي نحرسها تكرّس في أغلبها التفاوت وعدم المساواة بين الأفراد، خاصةً إذا ما نظرنا إليها من داخل التحليل الجندري.

اقرأ أيضاً: كيف يتحول الاختلاف في الرؤى إلى صراع أجيال؟

ما يزال مفهوم الجندر يثير حفيظة الكثيرين في مجتمعاتنا، ومنهم من يرى فيه موضة العصر أو دخيلاً طارئاً على بيئاتنا، وآخرون يتناولونه كموضوع للسخرية والتهكم، فهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء فهم أنّ التمييز القائم على النوع الاجتماعي، هو في الأصل عدم مساواةٍ لا تقتصر على ثنائيّة رجل/مرأة، بل تتعداها إلى النوع الاجتماعي الواحد، حيث نرى هذه اللامساواة تمارس بين الذكور أنفسهم، أيّ في البنية العميقة لكل المجتمعات التي تقوم على تراتبيات وأفضليات تؤسس لسلطة بنيوية تشمل كافة البنى الاجتماعيّة والثقافيّة، إن أهميّة الالتفات لهذا المفهوم وتحليل سياقاته، تتأصل في الكشف عن الخلل البنيوي العام الذي يحمل مسؤولية كل ما يحدث، ابتداءً بتلاشي العدالة والمساواة، وانتهاءً بالحرب.

كلّ ما نشعر أو نفكر به، وأيّ عملٍ نزاوله يرتبط ارتباطاً واضحاً أو خفياً بمعتقداتنا وقيمنا

 فالحرب كما تراها الباحثة والناشطة النسوية "كارول كوهن" في كتابها "المرأة والحرب"، "لا تبدأ مع الرصاصة الأولى ولا تنتهي بتوقيع اتفاقيّة سلام"، فبدايات الحرب تكمن في طرقنا اليوميّة لحلّ المشكلات، ومن أنماط تعاملنا مع الوقائع، أو ما تسميه "كوهن" النمط الصلب أو الرجولي، الذي لا يعطي اعتباراً إلّا للقوة، والذي يفترض ثنائية هيمنة/خضوع، وبهذا فإنّ الحرب وبأي شكلٍ كانت تُعتبر المنتَج النهائي للسلوك الجندري الذي تنتهجه المجتمعات باختلاف أنواعها، من ألف باء التواصل بين أفرادها إلى الشبكات الاجتماعية الأكثر تعقيداً، حيث تشير "كوهن" إلى أنّ السلوك الاجتماعي الذي يضمن الفوارق والتفاصيل، قد صُمّم على أساس هويات مجندرة، تشكّل فيما بعد بنى اجتماعيّة مجندرة، ضمن معانٍ رمزيّة مجندرة، وهي الجوانب المكوّنة للجندر الذي يشكل علاقات سلطة هرميّة ستكون المسؤولة عن إنتاج الحرب دائماً.

اقرأ أيضاً: هل التربية الإسبارطية ما تزال تحرس أبوابنا؟

رغم تماسك وصلابة الهويّات المجندرة، ومقاومتها للتغير، على اعتبارها تتأسس في الأنساق الثابتة لهرمية وتراتبيّة السلطة، إلّا أنّ "كوهن"، ترى هذه الهويّة عرضةً للميوعة والتجزئة لأنها تُنتَج باستمرار وفق البيئات والبنى الاجتماعية المتعددة التي نعيش فيها، وفي الوقت ذاته فإنّ أفعالنا تنتِج تلك البنى الاجتماعية وتعيد إنتاجها بل وتغيرها أحياناً، ولكن هذا التغيير وإن حصل، إلّا أنّه يحافظ على تماسك الامتيازات الذكورية، مع قابليّة تغيير الأدوار دون تغيير الوظيفة البنيوية للسلوك الاجتماعي، فالهوية الجندرية تتناسب وتتداخل مع أشكالٍ أخرى من بناء السلطة في مجتمعاتٍ معينة وخاصةً مجتمعاتنا، كالعرق والإثنية والطبقة والطائفة الاجتماعية والدين والعمر والقدرة البدنية والميول الجنسية.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يتسع العالم للجميع؟

 بما أنّ الهويات المجندرة ترتكز على فكرة الذكورة المهيمنة في الأنساق الاجتماعيّة، لهذا إنها تُستخدم في الحروب كأداة فعّالة لتجريد العدو من رجولته، عبر أساليب الاعتداء والإذلال الجنسي، فكلاهما يعتبر تأنيثاً له، ومن هنا يمكن فهم حالات الاغتصاب التي تتم أثناء الحرب كتكتيكٍ مهم لإذلال الخصم، فالذكورة المهيمنة كما تراها كوهين تتمثل بسيطرة الهوية الجندرية للرجال على زوجاتهم وبناتهم وحمايتهن، لذلك إنّ اغتصاب نساء الخصم يمكن اعتباره وسيلةً فعّالة لتجريد هؤلاء من رجولتهم وسلطتهم.

وبالعودة إلى أنماط التنشئة الجندرية التي تنتهجها المجتمعات وبالأخص مجتمعاتنا، سنجد بأنّ مخرجات هذا التحليل يمثّل نتائج لمقدماتٍ أولية تمثلها التنشئة الاجتماعية التي تستند إلى قيمٍ مجتمعية، تضع الفرد منذ صرخته الأولى في قالب الذكر المتفوق على الأنثى الضعيفة.

اقرأ أيضاً: هل من أفقٍ للتربية الإعلامية في مجتمعاتنا؟

تتبنى التنشئة الجندرية منظومة معانٍ، تشكّل خطاباً رمزياً منظّماً ومركزياً، يقوم على سبغ الذكر بصفات الشجاعة والبطولة والهيمنة والانضباط وضبط العواطف والمخاطرة والعنف والعدوان والغضب، بالمقابل سبغ الأنثى بالرقة والسلبية والاعتمادية والطمأنينة والتفاوض والتوافق، إنّ هذه الصفات هي وصفات تعدّها مطابخ أسرنا بعنايةٍ واهتمام وتحرص على عدم وقوع أي خلطٍ يخفض من شأن الذكورة أو يعلي من شأن الأنوثة، وقد قامت "كوهن" بمقاربتها مع صفات الحرب والسلام واعتبارهما مجندرين بعمق، حيث توسم الحرب بصفات الذكورة ويوسم السلام بصفات الأنوثة، ومن هذه النقطة أحالتنا إلى تفسير المكانة التي تحظى بها دراسات الحرب التي توصف بالواقعية والجدية والمهمة، مقابل دراسات السلام المثالية والناعمة وغير المهمة.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين غياب التربية الجنسية والعنف ضد المرأة؟

إنّ الهويات المجندرة المتشربة بالخطابات الرمزية المجندرة تؤسس لعلاقات تراتبية، تنتج بدورها مؤسسات مجندرة، حيث يتصدر الذكر المشهد في هذه المؤسسات، بينما تشكل الأنثى خلفية المشهد، وعلى الرغم من ادعاء الحيادية في الكثير من المؤسسات ومنها منظمات حقوق الانسان، إلا أنّ "كوهن" ترى ذلك ظاهرياً فقط، "فعلينا أن نتذكر أنّ الرجال هم من بنوا معظم البنى التنظيمية وأدوارها، والتي وإن بدت محايدة فإنها تقوم فعلياً على افتراض أجسام وحيوات اجتماعية ذكورية، وكذلك على قيم واهتمامات ذكورية، فهم ينظمون بنى العمل وممارساته بطريقة تناسب ذلك العامل الافتراضي (الذكر)"، فالمؤسسات المجندرة أو التي تبدو محايدة، تجعل المرأة أمام خيارين: إما العزوف عن العمل، أو تقمص الدور الذكوري واستنزاف طاقاتها لإثبات نفسها.

 الحرب وبأي شكلٍ كانت تُعتبر المنتَج النهائي للسلوك الجندري الذي تنتهجه المجتمعات باختلاف أنواعها

هذا التصميم الذكوري للعمل وآلياته والتراتبيات الاجتماعيّة التي يخلقها، جرّ الجميع إلى الحرب، كما ضاعف معاناة المرأة وأطال أمد الحرب وأضعف مشاركتها في صناعة السلام، فأن نبقى حبيسي إقرار "نيتشه": "ينبغي أن يربّى الرجل للحرب والمرأة لاستراحة المحارب، وكل ماعدا ذلك فحمق"، هي المهمة الجندرية التي تُعد بإتقان في مطبخ الأسرة مع كل الوصفات المناسبة لإشعال فتيل الحروب.

ما قاله "نيتشه" حظي بإدانة الكثير من المفكرين، رغم أنّه يمكن مع "فرانسيس أوبيل" أن نعيد قراءته على ضوء: أنّ مواقفنا تجاه النوع الجنسي ثقافية تماماً، ولها أثر مدمر على إمكاناتنا كأفراد وكنوع بشري، ولكن يمكن أيضاً لهذا الموقف أن يتغير؛ فالنظرة العامّة للمرأة بصفاتها المتأصلة والأبدية هي نتاج رغبات الرجل، إنها نظرة مصطنعة تستثمر عدم المساواة لخلق امتيازات وهميّة، جعلت من الجميع ضحايا وأولهم الرجل.



الصفحة الرئيسية