كيف تخطط تركيا لتحويل شرق المتوسط إلى "وطن أزرق"؟.. كاتب إيطالي يجيب

كيف تخطط تركيا لتحويل شرق المتوسط إلى "وطن أزرق"؟.. كاتب إيطالي يجيب


31/05/2022

يودّ الرئيس رجب طيب أردوغان لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء، وبالتحديد إلى عصر الخلافة العثمانية، ليرسم حدوداً بحرية وهمية تمكنه من الاستيلاء على شرق المتوسط، حوض الغاز الذي لطالما خطط الرئيس التركي وأدواته الإخوانية ليسيطر غصباً على احتياطات تقدر بإجمالي (286.2) تريليون قدم مكعبة موجودة في أقصى شرق البحر المتوسط، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

في مقال تحليلي على موقع "تريكاني" الإيطالي، حاول الكاتب الإيطالي مارتشيللو موتشيللين تسليط الضوء على المخططات التركية للسيطرة على منطقة شرق المتوسط، الذي أطلق عليه "بحر الغاز"، وهو مصطلح جدير بأن تلمع له أعين الغرب اللاهثة خلف مصادر بديلة للغاز الروسي، ممّا يفتح آفاقاً رحبة لإعادة تنشيط الاهتمام الدولي بموارد الطاقة "المخبّأة" في أعماق شرق المتوسط.

وكانت منطقة شرق المتوسط موضوع أنشطة بحثية مختلفة من قبل البلدان الساحلية، غير أنّها أثارت العديد من المشكلات، ولا سيّما الجيوسياسية. ومع الدعم الفني، كان تمار وليفياثان في المياه الإسرائيلية أوّل حقول البحر المتوسط، تلاهما حقل ظهر في المنطقة المصرية، أكبر حقل تم اكتشافه على الإطلاق في البحر الأبيض المتوسط، وأخيراً كاليبسو وأفروديت في المياه القبرصية.

ما هو مشروع " إيست ميد"؟

لاستغلال جزء من الموارد التي تم التحقق منها بالفعل، ظهر مشروع "إيست ميد"، وهو عبارة عن خط أنابيب للغاز تحت الماء يبلغ طوله حوالي (2000) كيلومتر، لربط حقلي ليفياثان وأفروديت بأوروبا، مروراً بقبرص وجزيرة كريت اليونانية وانتهاءً باليونان.

يودّ الرئيس أردوغان لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء، ليرسم حدوداً بحرية وهمية تمكنه من الاستيلاء على شرق المتوسط

وبالتالي، من خلال مشروع "إي جي إي بوسيدون"، الذي تم تنفيذه من قبل مشروع مشترك بين شركتي "إديسون" و"ديبا" اليونانية وبدعم من حكومات إسرائيل وقبرص واليونان بتكلفة تقدر بنحو (6) مليارات يورو، يمكن نقل الغاز لإيطاليا ومنها إلى أوروبا العطشى لمصادر بديلة للغاز الروسي، وفي عام 2014 أعلنت المفوضية الأوروبية "إي جي إي بوسيدون" "مشروعاً ذا مصلحة مشتركة."

علاوة على ذلك، كانت البنية التحتية مدعومة في البداية من قبل الإدارة الأمريكية؛ لأنّها ستقلل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، قبل أن تؤدي الاحتياطات الهائلة من المحروقات (غاز + نفط) بالتوازي مع عدم اهتمام الولايات المتحدة الذي ربما يكون متعمداً إلى إحياء ظواهر التعاون والمنافسة بين الدول المشاطئة في شرق المتوسط، والمهتمة بالاستغلال الاقتصادي لهذه الموارد، وفقاً للكاتب الإيطالي الذي أشار إلى أنّ النتيجة كانت إعادة تشكيل بعض التحالفات الاستراتيجية بين البلدان التي ساهمت في إعادة تصميم التوازن في هذا الجزء من البحر الأبيض المتوسط.

 

أنشأ أردوغان عقيدة "Mavi Vatan"، أو الوطن الأزرق، التي تهدف إلى لعب دور قيادي لتركيا في رقعة الشطرنج المتوسطية

 

واستشهد موتشيللين بمنتدى غاز شرق المتوسط كواحد من بين تلك التحالفات، والمؤسس رسمياً في عام 2020، والذي يضمّ قبرص ومصر واليونان وإسرائيل والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية وإيطاليا وفرنسا. ويعتبر الكثيرون منتدى غاز شرق المتوسط نوعاً من "أوبك للغاز" في البحر الأبيض المتوسط، والهدف الأساسي للمنظمة هو إنشاء منصة مشتركة لتطوير الطاقة المشتركة، وتعزيز التعاون بين الدول وتنسيق الأنشطة مع الشركات الخاصة، تلك المنظمة التي استبعدت منها تركيا، وكذلك من خط أنابيب الغاز إيست ميد، غير أنّ هذا لم يمنع أنقرة من تطوير سياستها البحرية، بهدف استغلال موارد الطاقة الموجودة حالياً.

 الوطن الأزرق

أنشأ أردوغان عقيدة"Mavi Vatan" ، أو الوطن الأزرق، التي طوّرها الأدميرال جيم جوردينيز في عام 2006، والتي تهدف إلى لعب دور قيادي لتركيا في رقعة الشطرنج المتوسطية.

ووفقاً لـ"موتشيللين"، تتحرك هذه العقيدة في مسارين هما تحديث البحرية وإعادة تحديد المناطق البحرية، ولهذا السبب أصبحت قبرص المحور الذي تتحرك فيه الاستراتيجيات التركية، حيث احتل الجيش التركي الجزء الشمالي من الجزيرة منذ عام 1974 مطالباً باستقلالها عن نيقوسيا.

بلغت صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال خلال الربع الأول من عام 2022 نحو (1.9) مليون طن

وتستخدم أنقرة البحرية للقيام بأعمال التنقيب عن المحروقات في شرق المتوسط، ولا تتخلى عن استعراض عضلاتها عندما يتدخل الآخرون في أنشطتها، كما حدث عام 2018 مع سفينة سايبم 12000 الإيطالية، وهي شركة تابعة لشركة إيني، أثناء عملها في مياه قبرص.

علاوة على ذلك، تخطط تركيا أن تصبح مركزاً للطاقة في البحر الأبيض المتوسط، بالاعتماد أيضاً على موارد البحر الأسود، مثل حقل صقاريا، وبالتالي تقليل اعتمادها في مجال الطاقة على موسكو، وفقاً للكاتب الإيطالي.

 الطريق إلى غاز المتوسط تبدأ من ليبيا

في حين كان يتساءل الجميع عن الدور الذي تلعبه تركيا وما زالت في ليبيا، كان جواب أردوغان سريعاً عندما وقّع مع حكومة فائز السراج اتفاقية بشأن الحدود البحرية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، غير أنّه لم يدرك أنّ حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة السراج غير مخوّل لها توقيع مثل تلك الاتفاقيات المصيرية، وفقاً لاتفاق الصخيرات.

وبحسب "موتشيللين"، لم تعترف أنقرة بالتقسيم الحالي لشرق البحر الأبيض المتوسط، فوقعت اتفاقية 2019 مع ليبيا مقابل دعم عسكري لحكومة طرابلس، لإعادة تعريف المناطق الاقتصادية الخالصة، وينص الأخير على توسيع نطاق الولاية القضائية للدولة حتى (200) ميل بحري من خط الأساس، ممّا يسمح باستغلال الموارد الموجودة داخلها.

إذا لم يتمّ تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، فإنّ حدود المياه التي يمكن لدولة ما أن تمارس سلطتها عليها يتطابق مع الجرف القاري.

 

تخطط تركيا أن تصبح مركزاً للطاقة في البحر الأبيض المتوسط، بالاعتماد أيضاً على موارد البحر الأسود، مثل حقل صقاريا

 

كان للخطوة التركية عواقب، فقد وقعت جهات فاعلة أخرى، مثل اليونان وإيطاليا ومصر، اتفاقيات أخرى لتحديد حدودها البحرية، حيث إنّ عدم تحديد الحدود البحرية وتداخل مجالات الاهتمام يزيد من مخاطر وقوع الحوادث، كما حدث في آب (أغسطس) 2020، عندما اصطدمت فرقاطة يونانية بفرقاطة تركية، ممّا زاد الأمور تعقيداً، ولا سيّما أنّ الدولتين أعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وقد مثل توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان نقطة تحول في السياسة التركية، فقد قضت الاتفاقية على أطماع أنقرة في منطقة شرق البحر المتوسط الغنية بالموارد الطبيعية وعلى رأسها الغاز الطبيعي، ومحاولاتها رسم حدود بحرية زائفة وغير موجودة بينها وبين ليبيا باتفاق غير دستوري مع السلطات الليبية المؤقتة بقيادة فائز السراج، ومن دونه من بطانة إخوانية مهدت الطريق لعدد من الاتفاقيات غير الدستورية لتسهيل استيلاء تركيا على مقدرات الشعب الليبي وغاز المتوسط.

 تنازلات أمريكية لأنقرة

بعد الدعم الأوّلي لمشروع "إيست ميد"، تراجعت الولايات المتحدة خطوة إلى الوراء، بسبب تكاليف البناء المرتفعة والأثر البيئي الذي سيترتب على إنشاء خط الأنابيب، وفقاً لوسائل إعلام أمريكية حينها.

وفي هذا الشأن، قال "موتشيللين": إنّه "يمكن أيضاً تفسير عدم الاهتمام الأمريكي هذا على أنّه تنازل تمّ تقديمه لأنقرة، لمنع ظهور المزيد من الصراعات داخل دول الناتو، خاصة بين فرنسا واليونان وإيطاليا وتركيا."

يمكن تفسير عدم الاهتمام الأمريكي على أنّه تنازل تمّ تقديمه لأنقرة، لمنع ظهور المزيد من الصراعات داخل دول الناتو

علاوة على ذلك، فإنّ جزءاً من الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة موجّه نحو توصيلات الكهرباء على طول المسار الشمالي الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.

وعلى الرغم من نقص الدعم الأمريكي، وقّعت إسرائيل وقبرص واليونان اتفاقية حكومية دولية في عام 2019 لتطوير الطاقة بطريقة مشتركة، إلى جانب هذه الاتفاقية، وضعت مصر واليونان (مذكرة تفاهم) للتنمية المشتركة للبنى التحتية للطاقة.

 خلط أوراق

أعادت الحرب في أوكرانيا خلط الأوراق مرة أخرى، حيث أعطى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، خلال الاجتماع الأخير مع وزراء الخارجية القبارصة واليونانيين والإسرائيليين، فرصاً جديدة لإنجاز "إيست ميد"، غير أنّ الشكوك حول جدوى "إيست ميد" الاقتصادية ما تزال قائمة، فتكاليف بنائه مرتفعة، بسبب الصعوبات الفنية مثل العمق الكبير في بعض ممرات الطريق، مقابل قدرة نقل محدودة، حوالي (10) مليارات متر مكعب.

وعلى الرغم من أنّ أسعار الغاز حالياً تبرر مثل هذا الاستثمار، إلّا أنّ البنية التحتية على المدى الطويل تخاطر بالتحول إلى أصول عديمة الفائدة ومكلفة.

 

أعادت الحرب في أوكرانيا خلط الأوراق مرة أخرى، حيث أعطى وزير الخارجية الأمريكي فرصاً جديدة لإنجاز "إيست ميد"

 

وشدد "موتشيللين" على ضرورة "مراعاة الوضع الجيوسياسي الذي يحدده الموقف المختلف لتركيا فيما يتعلق بالمشروع"، مشيراً إلى أنّ "إيست ميد ليس هو الحل الوحيد، فهناك إمكانية لربط الحقول العاملة بالفعل بمحطات الإسالة المصرية، عبر خط أنابيب غاز، وذلك لإرسال الغاز عن طريق السفن إلى أوروبا، ممّا يجعل السوق أكثر سيولة، مع انخفاض التكاليف ومدة البناء عن إيست ميد".

ووفقاً لجريدة "الأهرام" المصرية، بلغت صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال خلال الربع الأول من عام 2022 نحو (1.9) مليون طن.

ونقلت "الأهرام" عن وائل حامد خبير الصناعات الغازية بمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، أنّ مصر حافظت على مستويات الصادرات المحققة نفسها خلال الفترة نفسها من العام السابق 2021، بفضل مستويات الإنتاج المحلي المرتفعة بعد تطوير حقول الغاز في منطقة شرق المتوسط، ومعاودة تشغيل محطة الإسالة في دمياط مطلع العام الماضي 2021، والتي باتت تلعب دوراً مهمّاً في تصدير عدة شحنات من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الأوروبية، في وقت تتسابق فيه الدول الأوروبية لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي ضمن خططها للتخلص من الاعتماد على روسيا كمورد رئيسي للطاقة.

مواضيع ذات صلة:

تركيا تسعى لتثبيت أقدامها في شرق المتوسط من بوابة إسرائيل

تركيا تعيد التوترات إلى شرق المتوسط بعد العقوبات... كيف؟

منتدى شرق المتوسط يكرس العزلة الإقليمية لتركيا



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية