كيف اخترق الإخوان الحياة الحزبية في الجزائر؟ دراسة تجيب

كيف اخترق الإخوان الحياة الحزبية في الجزائر؟ دراسة تجيب

كيف اخترق الإخوان الحياة الحزبية في الجزائر؟ دراسة تجيب


20/08/2025

لم تكن تجربة السماح للأحزاب الدينية في الجزائر سوى مغامرة سياسية حملت في طياتها بذور الانقسام، فقد انطلقت منذ البداية على أساس هشّ يقوم على استدعاء ميراث هامشي من الصراع السياسي في التاريخ الإسلامي القديم، حين جرى توظيف الدين كغطاء للوصول إلى الحكم، دون اعتبار لمقاصده الكبرى. ومع مرور الزمن، تبيّن أنّ هذه التجربة لم تُسهم في تعميق الحياة الديمقراطية، بل دفعت المجتمع إلى صراع دموي انتهى بعشرية سوداء، خلّفت جراحاً ما تزال آثارها ممتدة حتى اللحظة.

في دراسة له على موقع (تريندز)، اشتبك الباحث الجزائري خالد عمر بن ققه مع اختراق الإخوان للنظام الحزبي، وكيف تشظت الجماعة إلى مجموعة من الأحزاب السياسية التي اتفقت على الهدف، واختلفت في طريقة الوصول إليه. 

الأحزاب الدينية التي نشأت في الجزائر، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين عبر ذراعها المحلية حركة مجتمع السلم (حمس)، لم تكن سوى نتاج مباشر لتحايل سياسي على القوانين، وتوظيف لخطاب ديني تعبوي، نجح في كسب جماهير واسعة في لحظة غضب اجتماعي، لكنّه سرعان ما تحوّل إلى مشروع صراعي يقوم على التعدد في الشكل، والتماثل في الجوهر. ولعلّ هذا التناقض بين خطاب الإصلاح وشهوة السلطة هو ما جعل الإخوان في الجزائر يعيشون طوال العقود الماضية على معادلة صعبة: المشاركة في الحكم دون تحمّل كلفة الفشل.

من الغضب الشعبي إلى الشرعية الحزبية

كانت أحداث تشرين الأول (أكتوبر) 1988 لحظة الانفجار الأولى التي أخرجت التنظيمات الدينية من الظل إلى العلن. فقد وجدت هذه الجماعات في الغضب الشعبي العارم فرصة لتجاوز مرحلة "الدعوة" السرّية، والانتقال إلى الفضاء العام بشعار مكافحة الفساد. غير أنّ ما روّجت له لم يكن سوى خطاب أخلاقي مُسيّس، سرعان ما كشف عن جوهره حين دخلت البلاد في أتون العنف.

الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي حاول استيعاب هذه الجماعات عبر جرعة من الانفتاح السياسي والديني، منحها فسحة حرّية غير مسبوقة. لكنّ هذه الحرّية تحولت إلى سلاح ضد الدولة نفسها، إذ عملت التنظيمات الإسلامية على التشكيك في قيم الثورة، والطعن في مشروعية النظام، حتى بدا كأنّها تستنسخ تجربة الصحوة المصرية بتأثير مباشر من أفكار حسن البنا وسيد قطب.

الإسلام الرسمي ومأزق التعايش

لم يكن الخلاف بين الدولة والجماعات الدينية في جوهره صراعاً على الهوية بقدر ما كان صراعاً على الشرعية السياسية. فقد ظلّت الدولة، منذ بيان أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1954، تعتبر الإسلام جزءاً أصيلاً من مشروعها الوطني، بينما رأت الجماعات الدينية أنّ هذا الإسلام الرسمي ليس سوى نسخة سياسية مفصّلة على مقاس السلطة. ومن هنا انطلقت محاولات الإسلاميين لفرض قراءة مغايرة، تضعهم في موقع الممثل الشرعي للهوية الدينية.

لكنّ هذه القراءة سرعان ما قادت إلى العنف، بدءاً من جمعية القيم التي تورّطت في أعمال متطرفة، وصولاً إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي قادت البلاد إلى حافة الهاوية. وفي خضم هذا المشهد برز الإخوان المسلمون بموقف مختلف: رفضوا في البداية تشكيل حزب سياسي أو الانضمام إلى الجبهة الإسلامية، ثم انتهوا إلى تأسيس حزبهم الخاص حركة المجتمع الإسلامي "حماس" عام 1990، قبل أن يتحوّل اسمه لاحقاً إلى حركة مجتمع السلم "حمس".

المشاركة في الحكم استراتيجية بلا مسؤولية

منذ أولى خطواتها تبنّت حركة "حمس" خيار المشاركة السياسية، فدخلت البرلمان والحكومة، ووصلت إلى حدّ التحالف مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، دون أن تتورط في مواجهة مباشرة مع النظام كما فعلت الجبهة الإسلامية. هذا الخيار البراغماتي منحها مساحة للتنفس والبقاء، لكنّه في الوقت ذاته جعلها جزءاً من منظومة الحكم المتهمة بالفساد.

من اللافت أنّ الإخوان في الجزائر شاركوا في حكومات متعاقبة، وحصلوا على حقائب وزارية مهمة، لكنّهم ظلوا بمنأى عن أيّ مساءلة سياسية أو محاسبة شعبية، وكأنّهم شريك بلا مسؤولية. فبينما كانت الحكومات تتعرّض للنقد الشعبي، ظلّ الإخوان يقدّمون أنفسهم كجزء من المعارضة في الشارع، وشريك في الحكم داخل القصور.

لم يتوقف حضور الإخوان في الجزائر عند حدود حركة "حمس"، بل تناسلت من رحمها تنظيمات جديدة حملت المسمّيات ذاتها تقريباً: حركة البناء الوطني بقيادة عبد القادر بن قرينة، وحزب جبهة التغيير بقيادة عبد المجيد مناصرة، قبل أن يعود الأخير إلى الحركة الأم. هذه الانشطارات لم تكن سوى انعكاس للخلافات القيادية والطموحات الشخصية، لكنّها في الجوهر كانت تصبّ في مصلحة المشروع الإخواني، إذ وفرت واجهات متعددة تخترق الساحة السياسية من زوايا مختلفة.

ومن هنا يمكن القول إنّ التعدد الحزبي داخل التيار الإخواني لم يكن تعبيراً عن ديمقراطية داخلية بقدر ما كان استراتيجية تناسلية، تتيح توزيع الأدوار بين المعارضة والمشاركة، وتمنح التنظيم قدرة على المناورة مع السلطة والمجتمع في آنٍ واحد.

الانتخابات أداة للتمكين

منذ بداية التعددية الحزبية لم يتخلّ الإخوان عن أيّ استحقاق انتخابي، سواء كان رئاسياً أو تشريعياً أو محلياً. وقد سمحت لهم هذه المشاركة المتواصلة بالبقاء في المشهد السياسي، حتى في أحلك الظروف التي عرفتها البلاد. ففي انتخابات 1995  حصل مرشحهم محفوظ نحناح على المرتبة الثانية بنسبة 24% من الأصوات، وفي 1997 حصدت الحركة (71) مقعداً برلمانياً، ثم شاركت في تحالفات حكومية متكررة مع جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي.

ورغم التراجع الذي أصابهم في بعض المحطات، كما حدث عام 2002، فإنّهم ظلوا ممثلين في الحكومات والبرلمان، إلى أن عادوا بقوة في انتخابات 2021 بحصولهم على (65) مقعداً، وحصدت حركة البناء (39) مقعداً، ليشكّل الإخوان ربع البرلمان تقريباً.

مقاصد الإخوان... المعلن والمستور

في خطابهم السياسي يقدّم الإخوان مشاركتهم بوصفها خدمة للوطن ومساهمة في بناء الدولة الجزائرية بعد مرحلة الإرهاب. لكن خلف هذا الخطاب تكمن مقاصد أخرى أكثر عمقاً، بعضها داخلي يرتبط بالرغبة في التمدد الأفقي داخل المجتمع، وربط هذا الامتداد العمودي بصناعة القرار السياسي، وبعضها خارجي يتصل بالتنظيم الدولي للإخوان.

فالسلطة في الجزائر كانت تدرك دائماً أنّ الإخوان ليسوا بديلاً بريئاً، لكنّها في الوقت ذاته رأت فيهم حلاً وسطاً بين التطرف الدموي والرفض القاطع. لذلك تعاملت معهم بحذر، وسمحت لهم بمساحة من المشاركة دون أن تمنحهم السيطرة على الحقائب السيادية أو القرار العسكري.

لقد أثبتت التجربة الجزائرية أنّ الأحزاب الدينية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، لا تتحرك في فضاء وطني صرف، بل ضمن مشروع عابر للحدود، يسعى إلى إعادة إنتاج النموذج الإخواني في بيئات مختلفة. ورغم محاولات "تطويعهم" داخل النظام السياسي، ظلّت الجماعة تحتفظ بأجندتها الخاصة، وتستثمر كلّ أزمة لصالح تمددها.

ومع أنّ الإخوان في الجزائر تميزوا عن غيرهم برفض العنف المباشر، فإنّ ذلك لم يمنعهم من استثمار دماء العشرية السوداء للظهور بمظهر البديل، وهو ما منحهم شرعية سياسية سمحت لهم بالبقاء في الحكم طيلة العقود الماضية.

غير أنّ هذه الشرعية الملتبسة لا تعفيهم من مسؤولية أساسية: وهي أنّهم جزء من منظومة الفشل التي جعلت الجزائر، في لحظة ما، تتحول من دولة مستقرة إلى ساحة نزيف داخلي. وإذا كانت السلطة قد رأت فيهم شريكاً أهون الشرّين، فإنّ المستقبل قد يكشف أنّ هذا الخيار لم يكن سوى تأجيل لمواجهة أكبر: مواجهة مشروع إخواني يتقن التلون والتناسل، لكنّه لا يتخلى عن هدفه الجوهري، وهو الوصول إلى الحكم بأيّ ثمن.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية