كيف أسقط أصحاب الياقات البيض في جماعة الإخوان رايات التمكين؟

كيف أسقط أصحاب الياقات البيض في جماعة الإخوان رايات التمكين؟


28/04/2022

لم يكن التمكين الذي سعت إليه جماعة الإخوان المسلمين في مصر، مجرد مفهوم متعالٍ لجماعة ربانيّة، تخيلت قدرتها على التمفصل في كلّ مؤسسات الدولة، وحشد المؤيدين لدعم مسيرة التنظيم؛ بل تجاوز الأمر قدرة المفهوم ذاته على استيعاب أطماع الجماعة، وكذا قدرة الأخيرة على إدراك معطيات الموقف السياسي، وطبيعة البلد المستهدف.

لم يدرك الإخوان أنّ بنية أيّ عملية سياسيّة؛ تهدف إلى إحداث تحول ثوري حاد، لابد أن تعمل أولاً على تغيير قواعد البناء التحتي للدولة، وأنّ الاختراق لا يأتي عن طريق تكوين بنية موازية، تعمل على التهام الأولى، ذلك أنّ طبيعة الدولة المصرية، التي تعتبر من أقدم الدول في التاريخ، فرضت بدورها جملة من العناصر الحيويّة، التي منحت البناء التحتي للدولة البيروقراطيّة العريقة، قدرة مذهلة على التجذر والتمدّد والاستمرار، وابتلاع أيّ بنية موازية.

طبيعة البنية التحتيّة للإخوان

على الرغم من نجاح الجماعة في تكوين بنية تحتيّة، تتمثل في تأسيس قاعدة اقتصادية، وأخرى اجتماعية، إلا أنّها ظلّت محدودة، وتفتقد إلى التنوع؛ فالتنظيم اعتمد على نموذج الاقتصاد الريعي، القائم على التجارة والمضاربة والاستثمار في السلع الاستهلاكيّة، وبالتالي ظلّت الجماعة بلا ظهير صناعي قوي؛ حيث اقتصر نشاطها في هذا المجال على الصناعات البسيطة والمحدودة، أما القاعدة الاجتماعيّة، فقد ارتكزت على البرجوزازية الصغيرة والمتوسطة، وتجاهلت في المقابل الطبقة العاملة، ما أفقدها زخماً حقيقياً، بوصف هذه الطبقة، الفاعل الاجتماعي الأكثر تأثيراً، والأكثر قدرة على إنجاز التحولات الجذرية.

 

الارتباك التنظيمي والخلل البنيوي الذي ظهر في أعقاب الصعود السياسي للإخوان ربما فاجأ كثيراً من قيادات الجماعة ورجال أعمالها

 

وعندما وظّف الإخوان الغطاء الخيري، لدعم التمدّد الاجتماعي، فإنّ الجماعة فشلت في كسب ولاء الطبقات الأكثر فقراً، وظلّ الأمر في دائرة المساومة، وتبادل الخدمات الانتخابيّة، وبالتالي فإنّ الطبقات الفقيرة التي كانت تحصل على دعم الإخوان، دخلت في علاقات تبادليّة انتهازيّة، تفتقد الحد الأدنى لتكوين أُطر اجتماعيّة حاضنة، وعليه كان من السهل انقلاب هؤلاء على الجماعة، في حال حدوث أيّ نقص في هذه الخدمات، وهو ما جعل الجماعة تشعر أنّها تواجه نوعاً من الابتزاز، ممن ظنت يوماً أنّهم حلفاؤها.

 وظّف الإخوان الغطاء الخيري، لدعم التمدّد الاجتماعي

وعليه قام البناء الفوقي للجماعة، والمتمثل في مكتب الإرشاد، على قاعدة تحتيّة هشة ومرتبكة، وبالتالي كان وهم ابتلاع الدولة المصريّة أمراً بعيد المنال، في ظل افتقاد الإخوان إلى وجود كوادر حقيقيّة، لديها القدرة على تحقيق هذا النوع من الاختراق للمؤسسات، والذي ظلّ نوعياً ومحدوداً، وفي قطاعات غير فعّالة في الدولة.

وهم السلطة

ومع الصعود السياسي للإخوان، دخلت الجماعة في دائرة وهم السلطة، وظن عدد كبير من المنتمين إليها، أنّ التمكين بات مسألة وقت، لكنّ الارتباك التنظيمي، والخلل البنيوي الذي ظهر في أعقاب الصعود السياسي، ربما فاجأ كثيراً من قيادات الجماعة ورجال أعمالها، فظهر ما يمكن أن نطلق عليهم إخوان الياقات البيض، الذي سعوا بما تراكم لديهم من أموال، وما يستهدفونه من سلطة، إلى التقرّب من الطبقات الأكثر ثراء، والظهور في الفاعليات الاجتماعية بصحبة هؤلاء، بشكل مكثف، وكذلك التقرّب من دوائر السلطة وأصحاب النفوذ الجدد، وتجلى ذلك في الظهور الإعلامي المتكرر، واستخدام لغة جديدة، أقرب إلى المحتوى المدني، مع الكشف عن زيجات جديدة من طبقات أبعد ما تكون عن شعارات الإخوان، كما ظهرت علامات الثراء، من ملابس فاخرة وسيارات فارهة، وارتياد فنادق الخمس نجوم.

عشيّة سقوطها، انفض الجميع عن الجماعة، وفشلت في مواجهة طوفان الغضب الشعبي الجارف، وفي تلك اللحظة الفارقة، فرّ من استطاع من أصحاب الياقات البيض إلى الخارج، ليمارس هؤلاء سلوكياتهم الانتهازية من جديد

هذا التحول الدرامي، أثار حفيظة القواعد الإخوانيّة، خاصّة في المناطق الريفيّة، وباتت الجماعة مطالبة بتبرير هذه السلوكيات الاجتماعيّة لقياداتها، وجرى اختزال ذلك بشكل سطحي، ضمن الضرورات السياسيّة، والمناورة التكتيكيّة لتحقيق التمكين، وبعيداً عن القواعد الشعبيّة المستقرة للإخوان، فقد أدّت تلك التصرفات إلى ازدياد الغضب الشعبي ضد الجماعة، واستمرار الكشف على الازدواجية والتناقض الحاد، بين ما هو معلن، وما هو قائم بالفعل.

لقد جرّ أصحاب الياقات البيض من الإخوان، جماعتهم إلى حافة التناقض الحاد، وأفشلت سلوكياتهم كلّ خطط التمكين، حيث كشفت عن ذلك البون الشاسع بين الفكر والحركة، كما أدّى ذلك إلى انصراف عدد من التنظيمات الإسلاميّة الأخرى عن الجماعة، ما كرّس في النهاية عزلة الأخيرة، وتخبطها في كل تحركاتها على كافة الأصعدة.

عشيّة سقوطها، انفض الجميع عن الجماعة، وفشلت في مواجهة طوفان الغضب الشعبي الجارف، وفي تلك اللحظة الفارقة، فرّ من استطاع من أصحاب الياقات البيض إلى الخارج، ليمارس هؤلاء سلوكياتهم الانتهازية من جديد، بعد أنّ أصبحت مسارات الأوعية المالية للتنظيم في قبضتهم، وكان النموذج التركي هو الأكثر وضوحاً؛ حيث زاد ثراء هؤلاء، وانكشفت انتهازيتهم لشباب الإخوان، الذي أصبحوا بلا مأوى في شتات لا يرحم.

هذا الارتباك الحاد أدّى في نهاية الأمر إلى الانقسام والتفكك التنظيمي، وهو مآل طبيعي لتحلل الأجندة السياسيّة، حيث جرت مزايحات حادة لمبادئ التنظيم وأهدافه وأولويات قياداته، وأصبح الصراع يدور حول المال، وحول قيادة هشة لجماعة منقسمة على نفسها، أصبحت نهايتها التاريخيّة مسألة وقت ليس إلّا.

أمّا الجناح الثوري داخل الإخوان، الذي يقوده الكماليون، فهو تيار بلا مستقبل، يمثل صرخة في مواجهة هذا الخواء التنظيمي، ونوعاً من التمرد على القيادة الانتهازيّة، وربما بعد أن تهدأ الثورة، يعود هؤلاء أدراجهم؛ حيث يفتقدون إلى الدعم المالي، والبُعد التنظيمي، ويعملون تحت رقابة أمنيّة صرامة، وعداء شعبي لم يسبق له مثيل، ويفتقدون كذلك إلى أيّ حاضنة اجتماعية، أو رعايّة سياسيّة من قوى إقليميّة، وبينما تحاول كل من جبهتي إسطنبول ولندن الهيمنة على جسد الجماعة الهامد، فإنّ تحركات الكماليين قد تؤدي إلى الإسراع في دفنه.

مواضيع ذات صلة:

الإخوان المسلمون: دعم للإرهاب وتلويح بممارسة العنف

الإخوان المسلمون: دفاع عن الإرهاب وانقسام ومناورات جديدة

الإخوان المسلمون.. تضارب في التصريحات وتصفية للحسابات



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية