كيف أخفقت "الديمقراطية العربية" في حل أزمات 2021؟

كيف أخفقت "الديمقراطية العربية" في حل أزمات 2021؟

مشاهدة

03/01/2022

ثلاث دول عربية كان الرهان منعقداً على الحلول الديمقراطية لإخراجها من أزماتها السياسية، وكان من المفترض ألا ينقضي العام 2021 دون حدوث استقرار، وفقاً لجدول ديمقراطي لانتقال السلطة، لكنّ كلّ واحدة من هذه الدول أثبتت أنّ هناك متغيرات كامنة في بيئتها تجعل الحلول الديمقراطية غير ذات جدوى، وهذه الدول هي؛ ليبيا والصومال والسودان.

ليبيا: تأجيل الانتخابات

كان من المفترض، وفق خريطة الطريق التي انبثقت عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، مطلع العام الماضي، وتشكلت على إثرها السلطة التنفيذية الانتقالية، المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، أن تعقد الانتخابات العامة، الرئاسية والبرلمانية، بدايةً من 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والذي يوافق الذكرى السبعين لاستقلال ليبيا، لكن كما كان متوقعاً، لم تنجح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في تنظيم الاقتراع العامّ، واقترحت تأجيل الاقتراع إلى 24 من شهر كانون الثاني (يناير) الجاري.

ملتقى الحوار السياسي الليبي

وبحسب الاتفاق السياسي في جنيف، تنتهي شرعية حكومة الوحدة الوطنية في 24 من الشهر الماضي، وكان مجلس النواب قد سحب الثقة التي منحها للحكومة، في 21 أيلول (سبتمبر) الماضي، على أن تظلّ كحكومة تصريف أعمال حتى عقد الانتخابات في 24 من الشهر الماضي، ووفق ذلك بات مصير الحكومة مجهولاً، على الرغم من وجود توجه غربي لبقائها حتى تنظيم الانتخابات، وهو الأمر المرجح.

وجاء تأجيل الانتخابات بسبب ما شاب عملية الطعون القضائية من خروقات، بعد مخالفة محكمة استئناف طرابلس لقانون الانتخابات رقم (1) لعام 2021، بشأن انتخاب رئيس الجمهورية وتحديد صلاحياته، وذلك بعد قبول الطعن المقدم من رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، وقبوله كمرشح في الانتخابات الرئاسية، وهو الذي ظلّ يمارس صلاحيات منصبه الرسمي بالمخالفة للمادة رقم (12) من القانون، الذي ينصّ على أن يستقيل المسؤول الرسمي من منصبه قبل ثلاثة أشهر من تاريخ الاقتراع العام، في 24 من الشهر الماضي.

مع أنّ النظام الانتخابي في الصومال لا يُوصف بأنّه ديمقراطي، إلا أنّه يضمن حدّاً أدنى من المشاركة الشعبية، على مستوى قادة ورؤساء العشائر

وإلى جانب ذلك، هناك أسباب أمنية، بعد إخفاق وزارة الداخلية في تأمين مقرات الاقتراع، بسبب الانفلات الأمني في المنطقة الغربية، ومعارضة ميليشيات مسلحة للانتخابات، وهي المجموعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، والتي تخشى على نفوذها من الانتخابات، فضلاً عن الدور السلبي للوجود الأجنبي، وخصوصاً التركي.

اقرأ أيضاً: دعوات واسعة للمشاركة في المواكب المليونية بالسودان

ولم تكن هذه الأسباب إلا مظاهر للأزمة الحقيقة التي تواجه الانتقال السلمي للسلطة في ليبيا، وعلى رأسها الانقسام العسكري، والانفلات الأمني بسبب الميليشيات في سائر مناطق ومدن المنطقة الغربية، والوجود الأجنبي الروسي والتركي، وهيمنة جماعة الإخوان المسلمين على السلطة ومناصب عليا في الدولة، والانقسام المجتمعي الحاد، وعدم الثقة في قبول نتائج الانتخابات من جميع القوى.

القائم بأعمال رئيس الوزراء، محمد حسين روبلي

وبحسب بيانات مفوضية الانتخابات؛ تسلّم 2.480 مليون ناخب بطاقاتهم الانتخابية، من مجموع 2.857 مليون مسجل، يمثلون 59% من الكتلة الناخبة، ويمثّلون إرادة شعبية قوية لإجراء الانتخابات، ولهذا فإنّ ما يواجه الانتقال الديمقراطي من مخاطر تتعلق بالأساس بالمصالح الضيقة لمعظم الفرقاء السياسيين، والتدخل الأجنبي الداعم.

الصومال: أزمات لا تنتهي

ويبدو أنّ العام الجاري لن ينتهي دون حدوث تحوّل كبير في الصومال، قد يهدّد الأمن والاستقرار الهشّين، وذلك بعد بيان الرئيس المنتهية ولايته، محمد عبد الله فرماجو، الذي اتّهم فيه القائم بأعمال رئيس الوزراء، محمد حسين روبلي، بإفساد العملية الانتخابية، ودعا إلى اجتماع تشاوري يضمّ رؤساء الولايات والمجالس الفيدرالية وشخصيات عامة من أجل الاتفاق على قيادة سياسية بديلة، تقود البلاد في مرحلة الانتخابات، وهو ما عدّه وزراء صوماليون بمثابة تمهيد لـ "انقلاب" على السلطة الشرعية.

اقرأ أيضاً: ما أسباب تلويح رئيس الوزراء السوداني بالاستقالة؟

وانتهت ولاية الرئيس فرماجو، في شباط (فبراير) الماضي، وبموجب الدستور آلت السلطة إلى رئيس الوزراء، بصفته قائماً بأعمال رئيس الوزراء، على أن تُجرى انتخابات البرلمان؛ مجلس الشيوخ والشعب، ثم يختار البرلمان رئيساً للجمهورية، وتستقيل الحكومة الحالية. وبعد عدّة جولات من المشاورات السياسية كان من المفترض الانتهاء من انتخابات البرلمان في شهر آب (أغسطس) الماضي، لكن تأجّلت الانتخابات أكثر من مرة، ويكاد العام ينتهي ولم يُنتخب سوى بضعة أعضاء في مجلس الشعب، لم يسلموا من الطعون الانتخابية.

الاحتجاجات الشعبية مستمرة في السودان

ومع أنّ النظام الانتخابي في الصومال لا يوصف بأنّه ديمقراطي، إلا أنّه يضمن حدّاً أدنى من المشاركة الشعبية، على مستوى قادة ورؤساء العشائر، وذلك بتولي عدد من المندوبين يختارهم رؤساء العشائر، وعددهم (101) مندوب، التصويت لاختيار مرشح لكلّ مقعد في مجلس الشعب، ورغم ذلك قام القائم بأعمال رئيس الحكومة ورؤساء الولايات باستعباد قادة العشائر من هذا الدور، وتشكيل لجان خاضعة لهم تتولى تحديد المندوبين، وهو ما يعني أنّ رؤساء الولايات والقائم بعمل رئيس الوزراء، باتوا المتحكمين في الانتخابات.

اقرأ أيضاً: المشروع الإخواني في موريتانيا: هل هو فقاعة دعائية؟

وفي مقابل ذلك، جاء ردّ الفعل من الرئيس المنتهية ولايته، فرماجو، والذي يتحكم في قوات عسكرية وأمنية، وكذلك هناك غضب واسع بين المرشحين للرئاسة، الذين تساندهم القوى العشائرية، وهو وضع يُنذر بمخاطر أمنية وسياسية، في وقت تواجه البلاد خطر الإرهاب والجوع.

السودان: مخاطر المجهول

وشهد العام الماضي، في 25 تشرين الأول (أكتوبر)، تحوّلاً خطيراً، كاد أن يطيح إنجازات الفترة الانتقالية في السودان؛ وذلك بقيام الجيش بانقلاب/ إجراءات تصحيحية، على إثرها أقال حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الثانية، وعلّق العمل بمواد في الوثيقة الانتقالية كانت تنصّ على الشراكة بين العسكريين وقوى إعلان الحرية والتغيير "قحت"، ما فجّر موجة احتجاجات شعبية.

أمام السودان تحوّلات كثيرة للوصول إلى حالة من الاستقرار، أو ربما من عدم الاستقرار، وكلّ ذلك مرهون بضبط التوازن بين العسكريين والقوى السياسية والاحتجاجات الشعبية

ولم ينجح الاتفاق السياسي بين حمدوك والعسكريين، والذي على إثره عاد حمدوك رئيساً للوزراء، في تهدئة غضب الشارع، الذي عاد إلى المطالبة بحكم مدني تامّ، دون مشاركة للعسكريين، وهو الأمر الذي أدّى إلى صدام بين القوى الأمنية والمتظاهرين.

يتمسك العسكريون، ومِن ورائهم كتلة شعبية كبيرة، بانتقال السلطة عبر الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية، من المفترض أن تكون مطلع العام 2023. وبسبب ارتباط التحوّل الديمقراطي في السودان بالمجتمع الدولي، يكتسب الحراك الشعبي زخماً كبيراً، على الرغم من أنّه يحتكر صوت الشعب، في مفارقة تكشف غياب أيّ إيمان بالمشاركة لدى المحتجين، وإزاء ذلك يلعب رئيس الوزراء على الموازنة بين الشارع والعسكريين، وهو ما جعله يهدد بالاستقالة أواخر العام الماضي، في خطوة لو حدثت لدفعت بالبلاد إلى المجهول.

اقرأ أيضاً: موريتانيا: لماذا يهاجم الإخوان النظام الحاكم؟

وتتمثّل مشكلة السودان في انعدام الثقة بين العسكريين والقوى السياسية، ووجود حالة من الغضب الشعبي الموجهة ضدّ العسكريين، دون وجود قيادة ورؤى سياسية لهذا الحراك، تستثمر الاحتجاجات في التفاوض السياسي، ولهذا تكمن خطورة هذا الحراك الشعبي، الذي يتغذى على سقوط ضحايا في المواجهات مع الأمن.

ولا يتحمل العسكريون وحدهم مسؤولية عدم الاستقرار؛ فمن قبل أحداث 25 أكتوبر، كان الغضب الشعبي موجّهاً ضدّ حكومة حمدوك، وقوى قحت السياسية، والتي أعملت المحاصصة في الحياة السياسية، ولم تهيّئ البلاد للانتخابات في نهاية المرحلة الانتقالية.

وباستقراء التجارب السياسية العربية بعد أحداث الربيع العربي؛ فما تزال أمام السودان تحولات كثيرة للوصول إلى حالة من الاستقرار، أو ربما من عدم الاستقرار، وكل ذلك مرهون بضبط التوازن بين العسكريين والقوى السياسية والاحتجاجات الشعبية، ولا يبدو أنّ الخيار.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية