كبح الإسلاموية في أوروبا: من الاحتواء الضمني إلى التدقيق الصارم

كبح الإسلاموية في أوروبا: من الاحتواء الضمني إلى التدقيق الصارم

كبح الإسلاموية في أوروبا: من الاحتواء الضمني إلى التدقيق الصارم


19/02/2026

يمكن القول إنّ السياسات الفرنسية تجاه تطويق الإسلاموية ليست مجرد إجراء أمني، بل رسالة سياسية واضحة تتمثل في ضرورة الحفاظ على قيم الجمهورية بفرنسا من خلال حماية قيمها الجمهورية والعلمانية، فضلاً عن مراقبة الفكر المتطرف، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حرية المعتقد والتنظيم. 

وكانت دراسة بحثية لمركز "تريندز للبحوث والاستشارات" قد أكدت أنّ جماعة الإخوان المسلمين تشكل قوة منظمة، تسعى لإعادة تشكيل بعض مكونات المجتمع الفرنسي عبر نفوذ إيديولوجي طويل الأمد وشبكات موازية من المؤسسات الاجتماعية والدينية والتعليمية. 

وأشارت الدراسة، التي أعدتها الباحثة شمسة القبيسي تحت عنوان: "الإخوان المسلمون في فرنسا: الهياكل، النفوذ، واستجابة الدولة"، إلى أنّ الجماعة تعتمد استراتيجية دقيقة تقوم على العمل داخل الأطر القانونية، مع توظيف المؤسسات الرسمية والدينية لتوسيع حضورها وتعزيز رؤيتها المجتمعية القائمة على أولوية الشريعة على القيم الجمهورية العلمانية.

تنظيم ذو وجهين

أوضحت الدراسة، التي جاءت في أعقاب التقرير الحكومي الفرنسي الذي تم رفع السرية عنه في أيار/مايو 2025، أنّ الجماعة تسلك نهجاً مزدوجاً: الأوّل وجه علني يتمثل في المساجد والمدارس والجمعيات المجتمعية، والثاتي وجه خفي يُدار عبر قيادة داخلية تحدد التوجه الإيديولوجي. هذا التوجه يهدف إلى خلق "أنظمة إسلامية موازية" تعيد تعريف مفاهيم الهوية والانتماء والمواطنة وفقاً لقيم تدّعي أنّها دينية قد تتعارض مع مبادئ الجمهورية الفرنسية.

وحدّدت الدراسة أربعة محاور رئيسية للنفوذ الإخواني في فرنسا: البنية التحتية الدينية "المساجد"، والمؤسسات التعليمية، والتأثير الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والشبكات المجتمعية المحلية. وبيّنت أنّ هذه المحاور تُستخدم لتشكيل الوعي الديني والسلوك الاجتماعي، بما يعزز نموذجاً حياتياً موازياً للمجتمع المدني الفرنسي. وأبرزت الدراسة الدور المحوري للتمويل الخارجي في تمكين الجماعة من بناء مؤسساتها في فرنسا، محذرة من أنّ هذه الموارد رغم قانونيتها الظاهرية تُسهم في تكوين شبكات مؤسسية موالية إيديولوجياً، وتعمل على نشر خطاب ديني مؤدلج قد لا ينسجم مع قيم الاندماج والانفتاح.

جدل حرية الاعتقاد واستغلال الدين

تضع فرنسا حدوداً اليوم تبدو واضحة بين "حرية الاعتقاد وبين استغلال الدين وتوظيفه لجهة تقويض النظام العام، وهو ما طبّقته فرنسا بإغلاق عدة مؤسسات تعليمية ومراكز دعوية دينية تابعة للإخوان" وفق ما يوضح الكاتب السياسي شيار خليل في تصريحات خصّ بها (حفريات)، موضحاً أنّ التقارير الاستخبارية في فرنسا، وفي عواصم أخرى، كشفت أنّ هذه الشبكات التي شكلتها التنظيمات الإسلاموية تحت غطاء المجتمع المدني لم يكن هدفها سوى تدشين منصة لـ "نشر الفكر الإخواني السياسي الذي يتسلل عبر الشعارات الدينية التعبوية إلى البنى الاجتماعية، ويحوّل الولاء تدريجياً من الدولة إلى الجماعة".

وعليه، هناك تحذيرات أخرى مماثلة بخصوص نفوذ جماعة الإخوان وتغلغلهم داخل النقابات العمالية؛ الأمر الذي يعاود فتح النقاش حول العلاقة الحساسة بين العمل النقابي والعمل الإيديولوجي أوروبياً، وفق المصدر ذاته، لافتاً إلى أنّ النقابات الفرنسية، التي حافظت تاريخياً على دورها الاجتماعي والسياسي، تواجه اليوم تحدياً مزدوجاً، هو استقطاب عناصر تحمل خلفيات دينية وإيديولوجية منظمة، وهو ما قد يغير طبيعة هذه المؤسسات ويحوّلها من منابر للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى ساحات للسياسة الدينية الاستقطابية والمؤلجة. ويردف: "الخطر يكمن في تسييس النقابات دينياً، وهو ما يقوّض استقلاليتها التاريخية، ويفتح المجال أمام أجندات خارج نطاق مهمتها الأساسية."  

ويخلص إلى حقيقة مفادها وجود استدارة أوروبية لكبح الإسلاموية والتصدي لمخاطرها، حيث إنّ التوسع الفرنسي في مراقبة الإخوان ليس معزولاً عن التجارب الأوروبية. ففي بلجيكا تبيّن أنّ الجماعة لم تعد تقتصر على النشاط الديني، بل امتد نفوذها ليشمل ساحات اجتماعية وتعليمية وسياسية. الجماعة تعتمد على آليات محددة للتمدد كما هو الحال في فرنسا، منها إنشاء جمعيات ومراكز ثقافية ودينية كواجهات، واختراق اتحادات الطلبة والشباب، وتوظيف خطاب المظلومية لاستقطاب الجاليات والحصول على تمويلات خارجية.

أمّا ساحات النفوذ، فهي تشمل المساجد، والمؤسسات التعليمية الخاصة، والمنظمات المدنية المرتبطة بالمهاجرين، حيث تعمل الجماعة على إعادة إنتاج خطابها المتشدد والتأثير على قضايا الهوية والاندماج. كما أنّ التجربة البلجيكية أثبتت أنّ شبكات الإخوان مترابطة ومعقدة، تجمع بين جمعيات محلية، واتحادات أوروبية، وشخصيات اجتماعية وسياسية تعمل بشكل منسق لفرض أجندة بعيدة عن قيم المواطنة، وهو ما يوضح خطورة امتداد هذه الشبكات عبر الحدود الأوروبية.

تحول بنيوي في السياسات

وبالعودة إلى الكاتب السياسي المقيم في باريس شيار خليل، فإنّ السياسات الغربية تجاه جماعة الإخوان شهدت "تحولاً بنيوياً من سياسة الاحتواء الضمني إلى سياسة المراقبة والتدقيق الصارم. هذا التغير جاء نتيجة عوامل عدة؛ منها إخفاق تجربة حكم الإخوان في مصر وتونس، وتقارير أمنية واستخبارية تضطلع بها أوروبا مع أطراف إقليمية عربية تربط بنيتهم التنظيمية بالتحريض على التطرف، وكشف قنوات تمويل خارجية لدعم نفوذهم داخل الجاليات".

ويشير إلى أنّ إجراءات المواجهة تشمل مزيجاً من التشريعات المقيّدة، تكثيف الرقابة المالية، وحلّ الجمعيات المشتبه بارتباطها بالجماعة، وحملات إعلامية تهدف إلى كشف الخطاب المزدوج أمام الرأي العام. هذا النهج يبدو أنّه سيستمر على المدى المتوسط والبعيد، مدفوعاً بعوامل أمنية، وسياسية، وإقليمية، ودولية، مع تعاون استخباراتي بين الدول الأوروبية لمراقبة الشبكات العابرة للحدود، خصوصاً مع ما كشفه برلماني أوروبي من حصول الإخوان على تمويل اتحادي لتمويل أنشطة إرهابية مشبوهة.


 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية