كاميرا مخرج مغربي تعاين تزايد العداء ضدّ الأجانب في ألمانيا

كاميرا مخرج مغربي تعاين تزايد العداء ضدّ الأجانب في ألمانيا

مشاهدة

01/03/2020

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


الهجوم الإرهابي في مدينة هاناو بألمانيا، والذي أوقع 11 قتيلاً، يُجدّد النقاش حول تزايد العداء ضدّ الأجانب، وارتفاع شعبية اليمين المتطرف، ويطرح تساؤلات عدة حول مستقبل المهاجرين العرب هناك.
حكيم الهشومي؛ كاتب ومخرج مغربي، يعيش في ألمانيا، نجح في المزج بين عالم السينما والفلسفة، وأسس جمعية "مهرجان الفيلم العربي" في برلين، وأخرج عدة أفلام، أبرزها: "The Invisible Girl"، و"رجال الصحراء"، و"Permission"، وعمل أستاذاً محاضراً في جامعة برلين الحرة، كما أشرف على ورشات مسرحية لأبناء المهاجرين العرب تحمل اسم "أنا برليني".

في العالم العربي لا يوجد اهتمام بالفيلم الوثائقي، أقصد بشكله المهني، لأنّ هناك خلطاً بين الوثائقي والريبورتاج

يرى المخرج والكاتب المغربي؛ أنّ حوادث إرهاب اليمين المتطرف كانت متوقعة، بسبب ما تُكرسه وسائل الإعلام الألمانية من صور نمطية عن المهاجرين، تُغذي خطاب العداء للأجانب.
يكشف الهشومي في هذا الحوار مع "حفريات" الأسباب التي تدفع أبناء المهاجرين العرب إلى اعتبار الإسلام هويتهم الوحيدة، ولماذا يشعرون بعدم الانتماء إلى ألمانيا رغم أنّهم ولدوا فيها؟ وما هي العلاقة السببية بين ارتفاع شعبية اليمين المتطرف، ووقوع أبناء المهاجرين العرب ضحايا الجماعات الإسلامية المتشددة؟ وهل يُمكن أن ينجح مخرج من أصول عربية في تصحيح الصور النمطية للفرد الألماني عن الآخر العربي؟
الهشومي: الشعوب تحتاج لمواجهة ذاتها لتتغير

أخرجت أفلاماً وثائقية تسلّط الضوء على قصص إنسانية، بُثّت على قنوات ألمانية، مثل قناة "ZDF"، هذا ما يجعلك قريباً من الجمهور الألماني؛ هل يُمكن أن تساهم هذه الأفلام في تصحيح الأفكار المغلوطة لدى الألمان عن العرب ومواجهة تنامي خطاب الإسلاموفوبيا؟

علاقة الفرد الأوروبي بالشخص العربي تحكمها خلفية استعمارية، وبعض الأوروبيين لم يطوروا هذه العلاقة، فظلت أفقية ولم تتغير، بمعنى أنّ الذات الغربية تنظر للذات العربية على أنّها أقلّ منها.
أعتقد أنّ علاقة الفرد الغربي بدول العالم الثالث عامة، والعرب خاصة، تُحددها الصور النمطية التي ليست بجديدة على المجتمعات الأوروبية؛ بل كانت مترسخة في اللاوعي الغربي قبل الفترة الكولونيالية، كما أنّ الغرب لم يبذل أيّ جهد لتصحيح هذه الصور النمطية.
لماذا ترى أنّ المجتمع الغربي لا يرغب في تصحيح هذه الصور النمطية عن العرب؟
لأنّه ليس في حاجة إلى ذلك، ما دام هناك إحساس مُتجذّر لدى شعوب دول العالم الثالث بالدونية وتمجيدها للعقل الغربي وإشادتها بقوته، معتبرةً أنّه الإنسان الأعلى، وهنا أنا لا أقصد المفهوم الأعلى بحسب نيتشه.
المجتمع الغربي ليس في حاجة إلى فهم الذات الأخرى، سواء كانت عربية أو غيرها من دول العالم الثالث، لأنهّا تعترف بسموّه عليها وبعظمته.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا
أما فيما يخص المجتمع الألماني؛ فالغالبية ليس لديهم معرفة كبيرة بالمجتمعات العربية، باستثناء العلاقات التجارية، وليسوا على دراية بثقافة العرب واختلافاتهم وتنوعهم، فصورهم النمطية تجعلهم يعتقدون أنّ العرب في شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط يحملون الأفكار والثقافات والعادات والسلوكيات نفسها.
والسياسيون في ألمانيا لم يُساهموا في تغيير هذه الصور النمطية لدى الفرد الألماني عن العرب، بل ساهمت وسائل الإعلام والأفلام في تكريسها.
رغبتك في تغيير الصور النمطية عن العرب دفعتك إلى تأسيس أول مهرجان فيلم عربي في ألمانيا، هل نجحت في تحقيق أهدافك؟
كُنت قد أسست جمعية لأصدقاء سينما العرب في برلين، وأعددت أول مهرجان للفيلم العربي في ألمانيا بهدف تغيير الأفكار المسبقة عن العرب وتعريف الألمان بثقافة العالم العربي، وتاريخه عبر السينما، وبأنّ العرب ليسوا مجتمعاً واحداً، بل هم مجتمعات وثقافات وحضارات.

الهشومي : أبناء المهاجرين العرب يعتبرون الإسلام هويتهم بسبب إحساسهم بالرفض
ومن خلال عملي في الجامعة لمستُ لدى طلبتي، خاصة الألمان، حجم الصور النمطية التي كانت لديهم عن الفرد العربي، كُنت أحاول أن أفتح نقاشات معهم عبر ورشات لتصحيح تلك الصور، لكن ليس من السهل إقناع الآخر وتغيير أفكاره، وأعتقد أنّ السياسة في ألمانيا لها دور كبير في تحقيق ذلك، وعوضاً عن أن ترفع شعار تقبّل الآخر الأجنبي يجب أن ترفع شعار التعايش معه.
ما التحديات التي تواجه مخرجاً من أصول عربية في ألمانيا؟
نادراً ما يتم احتضان شخص لديه الرغبة في تغيير الصور النمطية، ومن أجل النجاح، كفنان أو مثقف أو كاتب أو مخرج من أصول عربية، يجب أن تُساهم في تكريس هذه الصور، عبر تناول موضوعات تُؤكد للفرد الغربي مدى تخلّف العرب، أو شعوب العالم الثالث، مثلاً تتناول معاناة المرأة العربية مع العنف، ورغم أنّ المرأة الألمانية تعاني أيضاً من العنف، لكنّ الإعلام الألماني لا يتطرق لذلك، بل يُركز فقط على مشكلات النساء من دول العالم الثالث، وأنا هنا لا أنكر تعرض النساء في هذه المجتمعات للعنف، لكن يجب تناول معاناة الألمانيات أيضاً.

اقرأ أيضاً: هل صعود اليمين المتطرف مرتبط حقاً بتنامي تيار الإرهاب؟
من خلال تجربتي كمخرج في ألمانيا، إذا رغبت في تناول العنف ضدّ النساء الألمانيات فلن أحصل على تمويل أو دعم، وأيضاً إذا أردت تناول قصص تكشف قوة وتاريخ المرأة العربية فلن أحصل على دعم وتمويل أيضاً.
وأتمنى أن تُدرك الدول العربية أهمية الفيلم الوثائقي، وأن تدعم المخرجين العرب في الغرب لإعداد أفلام تُقرب الجمهور الغربي من حضارة وثقافة المجتمعات العربية، دون أحكام مسبقة تُعيد إنتاج التصورات نفسها عن الذات العربية المتخلفة العنيفة.
"أنا برليني"؛ ورشات مسرحية أشرفت عليها لتأطير أبناء المهاجرين العرب في برلين، برأيك: لماذا يرى الجيل الثاني والثالث من المهاجرين العرب أنّ الإسلام هو هويتهم، هل صورة الفرد العربي في الإعلام تُكرّس ذلك؟
الجيلان الثاني والثالث من المهاجرين في أوروبا، خصوصاً في ألمانيا، يُعانيان من مشكل الهوية: من أنا؟ ومن أكون؟ هذان السؤالان يشغلانهم كثيراً.

علاقة الفرد الأوروبي بالشخص العربي تحكمها خلفية استعمارية، وبعض الأوروبيين لم يطوروا هذه العلاقة، فظلت أفقية ولم تتغير

فالسياسة الألمانية إزاء هؤلاء المهاجرين قديمة ولم تتغير، والمهاجر يظلّ دائماً هو الآخر، ومصطلح الأجنبي هنا يعني اللانتماء نهائياً للبلد المضيف، هذه السياسة جعلت ابن المهاجر يشعر بأنّه أجنبي، ورغم أنّه مولود في ألمانيا فهو في نظرهم "آخر" لا ينتمي لهذا البلد، إضافة إلى أنّه يسمع في الإعلام، ويُقال له في المدارس؛ إنّه قدم من ثقافة عنيفة لا تُعطي حقوقاً للمرأة، هذه الأفكار تترسخ لديه منذ طفولته.
ولأنّ الهوية تمنحه التوازن النفسي، أنا أنتمي يعني لديّ جذور وأصل أعود إليه، وكما يقول غوته "الطفل علّمه جذوره وأتركه يطير"، ونسبة كبيرة من أبناء المهاجرين لا يحسون بالانتماء إلى ألمانيا.

كيف ذلك؟
شُعورهم بعدم الانتماء يدفعهم إلى التوجه إلى البلد الأصل، سواء كان مصرياً أو جزائرياً أو فلسطينياً أو مغربياً ...إلخ، ولأنّه لا يمتلك الخبرة أو المعلومات الكثيرة، ولا يُتقن لغة موطن والديه، يلجأ إلى الإسلام، لا سيما أنّه القاسم المشترك الذي يجمعه مع أبناء المهاجرين.

اقرأ أيضاً: هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟
ومن خلال تجربتي مع شباب أبناء المهاجرين في المسرح، كنت أسأل أحدهم: من أنت؟ فيردّ: "مسلم مغربي، أو مسلم لبناني، ...إلخ"، لاحظت أنّ غالبيتهم لا توجد لديهم خلفية أو معلومات عن الإسلام؛ فقد لجؤوا إليه بهدف الشعور بالتوازن، وهذا ما يجعلهم فرائس سهلة للمتشددين.
كيف يساهم الإعلام الغربي في تكريس شعور ابن المهاجر بالرفض؟
عدم منح الشاب المولود في ألمانيا حقّه في الهوية الألمانية، وفي المقابل؛ بثّ الإعلام لبرامج تُرسخ صور الآخر العربي المتخلف العنيف، ما يُؤجج حقد هذا الشاب وتمسّكه بالإسلام، كردّ فعل على رفض المجتمع الاعتراف به كمواطن ينتمي إلى ألمانيا.
هل ترى أنّ أحداث مدينة هاناو نتاج لما يبثّه الإعلام الألماني من صور نمطية عن الأجنبي؟
نعم، إرهاب اليمين المتطرف نتاج لما يُروجه الإعلام الألماني عن المهاجرين، ما ساهم في ارتفاع شعبية الخطاب الرافض للآخر، بدعم من سياسيين ألمان أيضاً.
وكلّ هذه العوامل أكسبت اليمين المتطرف قوة في الساحة السياسية، هذا ما يكشف نفاق السياسة الألمانية وعدم جديتها في محاربة خطاب الكراهية.
قتل شخص لمجموعة من الأفراد بدافع الكراهية، فهذا دليل على تقصير السياسيين الألمان، وكان يجب أن يُساهم الإعلام في تغيير الفكر اليميني المتطرف، ونحن نعرف أنّ تاريخ ألمانيا وتاريخها ليس بالهيّن.
وأعتقد أنّ الأعمال الإرهابية لليمين المتطرف كانت مُتوقعة، بسبب حضوره وتزايد مؤيديه في الأعوام الأخيرة.

آخر أعمالك كان فيلم "رجال الصحراء"؛ هل يمكن أن تُحدّثنا عن هذه التجربة؟ ولماذا الصحراء؟
تناولي للصحراء يرجع إلى أنّ أصولي صحراوية، وأنتمي إلى قبيلة "أولاد بالسباع"، في جنوب المغرب، كانت عمتي تحكي لي، وأنا طفل، عن جمال الصحراء وثقافة البدو.
لذلك اخترت الصحراء لأكتشف موطن أجدادي وأسافر عبر ذاتي، وقطعت أنا وطاقم التصوير الألماني مئات الكيلومترات في أعماق الصحراء، جنوب المغرب، كانت الصحراء هادئة، عكس ما يُروج الإعلام عنها، من أنّها تشهد نزاعات، وقرّبنا الجمهور الأوروبي من ثقافة البدو وارتباطهم الكبير بالطبيعة، وأيضاً عاداتهم وتقاليدهم، التي تُؤكد حجم إنسانيتهم وكرمهم.
ما رأيك في الفيلم الوثائقي بالعالم العربي؛ هل يستجيب للتحولات التي تعيشها المجتمعات العربية؟
للأسف، في العالم العربي لا يوجد اهتمام بالفيلم الوثائقي، أقصد بشكله المهني، لأنّ هناك خلطاً بين الوثائقي والريبورتاج.
الفيلم الوثائقي ليس فقط مرآة مجتمع؛ بل هو من أساسيات السينما والتعلم، ويجعل المخرج متمكناً من الواقع، فلا إبداع بدون معرفة للواقع.
الوثائقي يُمكننا من مواجهة واقعنا، وكي نتقدم، نحن في حاجة إلى نقد ذاتي؛ في ألمانيا هناك دعم كبير للأفلام الوثائقية، لكنّهم لا يُواجهون تاريخهم، وأيضاً ثقافة العنصرية المترسخة لدى جزء من المجتمع الألماني، والنتيجة كانت تنامي خطاب اليمين المتطرف وآخر أحداثه الإرهابية، لأنّ الشعوب تحتاج إلى مواجهة ذاتها لتتغير نحو الأفضل.

الصفحة الرئيسية