قواعد الفكر الإخواني (22): وهْم المؤسّسية والتشاركيّة

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
15660
عدد القراءات

2018-05-02

لم يلفت المراقبين في صفات حسن البنا المؤسِّس لجماعة الإخوان شيءٌ مثل ولعه المرَضي بالنظم والهياكل الإدارية، وضبط اللوائح لتكون في خدمة طموحه الشخصي الجارف، والمرشدين العامين الذين جاءوا بعده.

بناء تنظيمي محكم

هذه الجماعة التي يلامس عمرها اليوم التسعة عقود، ومثّلت رقماً صعباً في المعادلة السياسية عبر عقود، لم تكن لتستمر في الوجود طوال كل تلك السنوات دون بناء تنظيمي محكم، استوعب طاقات الأعضاء وأشعرهم طوال الوقت بأنّهم جزء من خطة كونية لنصرة الدين وحكم العالم.

لذا اجتهد البنا في بناء صيغ تنظيمية لم تكن معروفة في زمنه، بما يشي بدعم غامض تلقّاه في تلك المساحة، ففي أيلول (سبتمبر) 1945 وبعد بناء قاعدة واسعة من أنصار فكرته بدأ في بناء تنظيمه ووضع قانون النظام الأساسي، الذي أجريت عليه بعض التعديلات بعد مرور ثلاث سنوات بمعرفة البنا أيضاً، تعزيزاً لسلطاته وصلاحيته والتأكد من السيطرة الكاملة على الأعضاء.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (21): النظام الخاص هو جوهر الجماعة

تحدد الشكل التنظيمي للجماعة بعد اختيار مرشدها الثاني حسن الهضيبي، الذي أتى على رأس مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية التي اختار البنا أعضاءها بنفسه، يليها نائب المرشد ثم الوكيل.

كانت الهيئة التأسيسية بمثابة مجلس شورى الجماعة الذي لم يستشر في أي شيء؛ بل تلخص دوره في تأييد قرارات المرشد، الذي تنتخبه تلك الهيئة مدى الحياة، وفي حال وفاته أو عجزه يقوم بعمله وكيله إلى أن تجتمع الهيئة في خلال شهر لانتخاب مرشد جديد، عملياً لم ينفذ هذا البند أبداً فعندما دخل المرشد الخامس مصطفى مشهور غرفة الإنعاش لشهور لم يحل أحد محله ولم ينتخب مرشد جديد.

 

 

لجان وأقسام ولوائح لا تحكم

ضم الهيكل عدداً من اللجان والأقسام الفنية التي كان دورها تفريغ طاقات الأعضاء وليس توظيفها؛ فقد ظلت هناك قناعة راسخة لدى كل مرشد قاد الجماعة بأنّها مجرد جيش، والجيش الذي يعاني البطالة يكثر فيه الشغب، لذا بدت تلك الأقسام مناشط لتفريغ الطاقات وكتابة التقارير والرؤى التي لم تستفد منها الجماعة أبداً، في مقابل إرادة المرشد التي لا تُردّ.

ضمت تلك الأقسام عناوين متعددة بتعدد شرائح أعضاء الجماعة؛ فهذه لجنة العمال، وتلك لجنة الفلاحين، وأخرى لنشر الدعوة، وغيرها للمهن، فضلاً عن لجان مالية وسياسية وقانونية وإحصائية وخدمية ولجنة للفتوى.

استوعبت الجماعة طاقات الأعضاء ببناء تنظيمي محكم أشعرهم دوماً بأنّهم جزء من خطة كونية لنصرة الدين

ضمن أقسام الجماعة كان قسم الجوالة الذي كان المظلة التي أخفى فيها البنا نيته في إنشاء تنظيم مسلّح هو النظام السري أو النظام الخاص، الذي تشعب بين جهاز مدني تتجه عملياته للدولة، وجهاز الجيش الذي ينشط داخل القوات المسلحة، وآخر للبوليس ينشط داخل جهاز الشرطة.

كان هذا الجهاز هو الأهم لدى حسن البنا والذراع الضارب لحركته، ونظرياً كانت هناك قيادة مركزية مكونة من المرشد العام والهيئة التأسيسية تلتقي في المركز العام لتدير كل تلك اللجان والأقسام، لكن عملياً كان البنا هو الآمر الناهي صاحب القرار والتدبير الأوحد.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (20): الأخوّة التنظيمية فوق الإنسانية

رغم أنّ اللوائح الذي حدّدت عدد أعضاء مكتب الإرشاد بـ12 عضواً، تسعة منهم من القاهرة وثلاثة من الأقاليم، إضافة إلى المرشد أو الهيئة التأسيسية التي تراوح عدد أعضائها بين 100 و150 عضواً اختارهم البنا بنفسه، إلا أنّ الهيكل التنظيمي منذ نشأة الجماعة لم يثبّت عدداً محدداً لأعضاء مكتب الإرشاد أو الهيئة التأسيسية التي تعد بمثابة مجلس الشورى، وهو أمر تعمّده البنا لكي يؤبِّد سيطرته على أي قرار، من خلال التدخل في حجم المكتب أو مجلس الشورى بما يعزِّز سلطته، ويذكر في هذا السياق أنّ خيرت الشاطر زاد عدد أعضاء مجلس الشورى، ليتمكن من تمرير قرار بمنافسة الإخوان على الانتخابات الرئاسية المصرية في العام 2012 رغم أنّ 80% من أعضاء المجلس صوّتوا برفض القرار، فكان الحلّ زيادة العدد، مع ممارسة ضغوط على الأعضاء عبر حوافز مالية، ليسفر التصويت عن قبول الترشح للمنصب بفارق 4 أصوات.

 

 

تركّز السلطة في يد واحدة

لعبت شخصية القيادة دوراً بارزاً على حساب الهياكل التنظيمية، وبقي ظلها ثقيلاً على قرارات الجماعة حتى مع غياب قيادات كاريزمية.

كان البنا مركز السلطة الفعلية ومحور عملية صناعة القرار، وقد منح نفسه سلطة مطلقة، فكان هو الذي يختار القيادات ويحدد اختصاصات الهيئات المختلفة، وهو من يوافق على العضوية وكانت له مقابلات واتصالات لا يعرفها الآخرون، وقد عاهده الأعضاء على السمع والطاعة، انعكس ذلك كله في شكل اتخاذ القرارات بالإجماع وليس بالأغلبية.. كانت سيطرته على الأعضاء واستلابه لهم كاملاً، وقد كان يرفض اعتبار الشورى ملزمة.

اجتهد البنا في بناء صيغ تنظيمية لم تكن معروفة بما يشي بدعم غامض تلقّاه في تلك المساحة

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (19): تكوين وتعبئة الأفراد

اتسم نمط القيادة بالشخصانية والفردية وتركّز السلطة في يد واحدة، لم يتغير ذلك كثيراً مع موت البنا؛ حيث بقيت السلطة الفعلية بيد المرشد، باستثناء فترتى التلمساني وأبو النصر اللذين كانا مجرد مرشدين صوريين، بينما كان المرشد الفعلي هو مصطفى مشهور وحلقته الأضيق من رجال النظام الخاص، والقطبيين الذين كانوا جميعاً قوام قيادة الإخوان منذ مطلع السبعينيات وحتى اليوم.

جمود هيكلية الجماعة

ولم يجرِ تغيير على هياكل الجماعة حتى مع حلها في العام 1948 بعد اكتشاف أمر النظام الخاص وزيادة عملياته الإرهابية في الساحة المصرية، وحتى بعد عودة الجماعة على يد حكومة الوفد في العام 1951 لم تلبث ثورة يوليو 1952 أن انطلقت واشتعلت معها طموحات الجماعة في حكم مصر والوصاية على الثورة، مما أدى إلى صدامها مع الثوار وحلها من جديد في العام 1954.

عندما عادت الجماعة إلى العمل في العام 1971 مع إفراج السادات عن أعضائها المعتقلين فيما عرف بمجموعة الـ118، بدا أنّ الجماعة لم تتخلص من بنائها التنظيمي القديم، بل جددته، بينما اقتصر الظاهر منه على المرشد العام ونائبيه ومكتب الإرشاد، أما الهيئة التأسيسية التي تسمّت باسم مجلس الشورى فلم تستطع الانعقاد بطبيعة الحال.

كانت الهيئة التأسيسية بمثابة مجلس شورى الجماعة الذي لم يستشر بل اقتصر دوره في تأييد قرارات المرشد

لكن توجد العديد من المؤشرات التي تشير إلى أنّ الرجل القوي مصطفى مشهور قام بمحاولات بين عامي 1976 و1981، لإعادة تشكيل الهيكل التنظيمي وضمان تسكين رجاله في مفاصله، بعد أن أبعد الشخصيات الأكثر اعتدالاً وجنوحاً للعلنية والمدنية مثل؛ محمد فريد عبدالخالق وصالح أبورقيق.

في العام 1992 أعلنت السلطات المصرية عن اكتشاف محاولة لإعادة تشكيل الهيكل التنظيمي للجماعة فيما عرف آنذاك بقضية سلسبيل، وفي العام 1995 أعلن عن كشف محاولة أخرى لإعادة هيكلة التنظيم من خلال إجراء انتخابات داخلية لاختيار أعضاء مجالس شورى المحافظات ومجلس الشورى العام؛ حيث ألقت الأجهزة الأمنية القبض على 82 من أعضاء الجماعة بتهمة محاولة إحياء تنظيم يسعى لقلب نظام الحكم، واكتشاف خطة نشرتها الصحف آنذاك سميت بخطة التمكين التي تحدثت عن اختراق مؤسسات الدولة بهدف السيطرة عليها.

 

 

السماح بتغييرات شكلية

حاولت الجماعة في التسعينيات تغيير صورة التنظيم السري الذي يفتقر للمؤسسية وتتركز فيه السلطة؛ حيث سمحت ببعض التغييرات الشكلية مثل إتاحة اجتماع مجلس الشورى مرتين في العام بدلاً من مرة واحدة، وفي مرات إضافية إذا طلب المرشد ذلك، بينما بقي هو رئيس مجلس الشورى وهو من يحدد جدول الأعمال.

واجه التنظيم زيادة في أعداد الشباب الطامحين للقيادة وتأكيد ذاتهم، فتفتق ذهن القيادة عن مسارات العمل في النقابات والاتحادات الطلابية ثم المجالس الشعبية المحلية أو البرلمان؛ فدفعوا بهؤلاء الشباب في تلك المسارات تفريغاً لطاقاتهم من جهة، ومراكمة لخبرات تعوز الجماعة من أجل لحظة التمكين من جهة أخرى، لكن بقيت مواقع مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام عصية إلا على أعضاء الحرس الحديدي أهل الثقة، حتى أنّ عصام العريان المحسوب على ما يسمى افتراضاً بجيل الإصلاحيين، لم يصعد إلى عضو مكتب الإرشاد في العام 2009 بعد خلو مقعد بوفاة عضو رغم حصوله على 40% من الأصوات، وفقاً للائحة التي كانت قيادات الجماعة تشهرها في وجوه الغاضبين عندما تؤيد قراراتها، بينما تدعي الاعتصام بالأخوة بديلاً عن اللائحة إذا انتصرت لما لا يوافق هوى القيادة.

تشهر قيادات الجماعة اللوائح في وجوه معارضيها وتعتصم بالأخوة بديلاً لها إذا انتصرت لما يخالف هواها

لم تُحترم اللوائح أبداً داخل الجماعة، ولم تؤدِّ الهياكل وظيفتها بعيداً عن سلطة المرشد أو الحلقة الأضيق، وظلّت الهياكل مجرد خطط إشغال تحقق تفريغ طاقات الأعضاء جنوداً في جيش لا ينبغي أن يعاني البطالة حتى لا يثير الشغب بمزيد من الأسئلة الحرجة، كما تكفّلت تلك اللجان والهياكل والأقسام بنشر دعاية عن مؤسسية التنظيم وجاهزيته لإدارة دولة ولو كانت بحجم مصر.

إذن نهض الهيكل كشكل من أشكال الدعاية التي تراكمت آثارها في وعي المصريين عبر التكثيف المتواصل، ما أسفر في النهاية عن النجاح في خداع قطاعات من الناس ذهبوا للتصويت لمرشحي الجماعة في البرلمان أو في مقعد الرئاسة، ليتبين للجميع فور انقشاع الغبار كما يقول المصريون أنّه "لم يكن تحت القبة شيخ".

*خبير في الحركات الإسلامية

اقرأ المزيد...

الوسوم: