قراءة أولية في التحولات المتسارعة بالمنطقة

قراءة أولية في التحولات المتسارعة بالمنطقة

مشاهدة

05/01/2021

تحوّلات متسارعة تشهدها المنطقة والإقليم، بمرجعية واحدة وهي التغيير الذي شهدته أمريكا بعد مغادرة الرئيس، دونالد ترامب البيت الأبيض، وانتخاب جو بايدن وانتقال السلطة المرجح خلال أيام إلى الديمقراطيين، هذه التحوّلات المتسارعة لم تقتصر على ما جرى في الخليج من مصالحة بين قطر والمملكة العربية السعودية فحسب؛ بل تشمل أيضاً تلك التحوّلات العميقة التي تشهدها تركيا والرسائل التي يعلن عنها الرئيس أردوغان بكل الاتجاهات لـ"تصفير" كل السياسات التركية خلال الأعوام الـ4 الماضية، فيما إيران الدولة الإقليمية في المنطقة ذات المطامع، والتي تخوض حروبها على أسس مذهبية، تعيش تحوّلات أكثر عمقاً، عنوانها "تنفس الصعداء" بعد ثبوت "هلال" بايدن ووصوله إلى البيت الأبيض، وربما هي الوحيدة التي تحسب الزمن بمجهرية بالدقائق والساعات، انتظاراً ليوم الـ20 من الشهر الجاري، موعد تسلم بايدن السلطة.

 

تحوّلات متسارعة تشهدها المنطقة والإقليم، بمرجعية واحدة وهي التغيير الذي شهدته أمريكا بعد مغادرة الرئيس، دونالد ترامب البيت الأبيض، وانتخاب جو بايدن

 

"تبريد" الملفات الساخنة هو العنوان الذي يحكم سياسات القوى الإقليمية الرئيسية في الإقليم، "السعودية، تركيا، إيران، مصر"، في ظل إدراكات عميقة بأنّ المآلات ستكون: لا مكاسب لأي طرف، والغاية لكل دولة اليوم، وفي المدى المنظور، هي الخروج بـ"أقلّ الخسائر"، في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة، لم تسهم فيها فقط تداعيات فايروس كورونا، بل أيضاً "الإنهاك" والحروب والصراعات وحروب الوكالة التي تعيشها المنطقة منذ 4 أعوام، وبصور مختلفة، عنوانها: إنّ القوى الكبرى "الولايات المتحدة وروسيا والأوروبيين" لم تعد تخوض تلك الحروب من موقع الداعم فقط لهذا الطرف أو ذاك، بل من خلال إقامة قواعد عسكرية، تستخدم فيها أحدث ما توصلت إليه صناعتها العسكرية.

اقرأ أيضاً: هل ننجح حقاً في طرد خطاب الكراهية؟

عناوين مشتركة للاستراتيجية الأمريكية الجديدة مع الديمقراطيين ستحكم اتجاهات التكيف لدى دول المنطقة والإقليم، وفي مقدمتها: مقاربات حقوق الإنسان والديمقراطية، التي ستكون العنوان الأبرز، خلافاً لاتجاهات "ترامب" الذي لم يُعطِ هذا الملف أيّ أهمية، والبناء على سياسات ترامب التي قد تتوافق مع الديمقراطيين في إطار "براغماتية" ستظهر بصورة أوضح في التعامل مع إيران والمفاوضات والصفقة القادمة معها، إذ سيعالج الديمقراطيون "نواقص" الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه عام 2015، وتحديداً في ملفات البرنامج الصاروخي الإيراني، وتدخلها في الإقليم، وربما تعاونها مع داعش والقاعدة.

اقرأ أيضاً: الإخوان وصناعة وهم الأيديولوجيا المقدّسة

استراتيجة أمريكا التي ستنشغل عميقاً بالعلاقة مع الصين والحرب الاقتصادية، ومع روسيا "الشيوعية" التي تحالفت مع ترامب وقدّمت له الدعم، سيكون اهتمامها بالشرق الأوسط محدوداً، ومرتبطاً بعناوين مرجعيات علاقاتها مع روسيا والصين، لذا فالقضية الأهم والأبرز في المنطقة "القضية الفلسطينية" لن يتجاوز حضورها في قائمة الأولويات الأمريكية البناء على ما تمّ إنجازه في عهد ترامب؛ إذ يتسلم "بايدن" مهامه وقد أضحت إسرائيل قاسماً مشتركاً بين دول المنطقة، غير مختلف عليه إلا بحدود التنافس بين دول المنطقة حول ما يمكن أن تحقق العلاقات معها من ميزات لكلّ دولة على حساب الدول الأخرى، وهو ما سيشكّل تحدياً للسلطة الفلسطينية وحركة حماس اللتين بنتا تحالفاتهما في المنطقة على أساس التناقض بين القوى الإقليمية في المنطقة، فإذا بدأ الرئيس أردوغان بمغازلة إسرائيل، فإنّ ملف العلاقة مع إسرائيل "وضمانات أمنها" ستكون موضوعاً رئيساً في أيّ صفقة قادمة مع إيران، وهو ما تدركه إيران.

 

الإسلام السياسي الخاسر الأكبر في المنطقة، خاصة أنّ وقف دعمه من قبل الجهات الداعمة له سيكون الورقة التي ستطرح على طاولات المفاوضات القادمة في المنطقة

 

 

ربما تكون إيران الطرف الأكثر كسباً في المنطقة، لكنّها لن تكون مقابل هذه المكاسب إيران التي نعرفها، فلن يتجاوزها ما سيجري ويظهر في المنطقة من تداعيات الأزمات الاقتصادية، بعد "تبريد" الملفات الساخنة، تلك التداعيات والتي يرجح أن تكون قاسماً مشتركاً في المنطقة، بعد مغادرة كافة الأطراف لتلك الخطابات والسياسات "التحريضية" المستندة لإيديولوجيات صاغت الصراعات على أسس دينية ومذهبية، وجد فيها التطرّف والإرهاب والجهات الداعمة له مساحات للمناورة واللعب، وهو ما لا يعني انتهاء التطرف والإرهاب، لكنه سيكون أقلّ تأثيراً ممّا كان عليه، وسيكون "الإسلام السياسي" الخاسر الأكبر في المنطقة، خاصة أنّ وقف دعمه من قبل الجهات الداعمة له سيكون الورقة التي ستطرح على طاولات المفاوضات القادمة في المنطقة، وربما تبدأ مؤشرات ذلك في العلاقة بين فرنسا وتركيا.

في الشرق الأوسط مقاربتان: الأولى أنّ بايدن سيبني على ما أنجزه أوباما، والثانية أنّ هناك مستجدات وتحوّلات جرت منذ العام 2016، لن يكون معها بايدن نسخة مكرّرة من أوباما، ويبدو أنّ المقاربة الثانية هي الأرجح، فأمريكا اليوم ذاهبة إلى تعزيز مفهوم الدولة العميقة "المؤسساتية"، خلافاً لما يُعتقد، كما يروّج في المنطقة، لتصوّرات تستند لصورة الزعيم في الشرق الأوسط.

الصفحة الرئيسية