قانون مكافحة الانفصالية يكتب نهاية الإخوان في فرنسا

قانون مكافحة الانفصالية يكتب نهاية الإخوان في فرنسا

قانون مكافحة الانفصالية يكتب نهاية الإخوان في فرنسا


22/01/2026

في فرنسا، تزامن الإعلان عن قانون مكافحة الإسلاموية و"تعزيز قيم الجمهورية" مع حادث اغتيال الأستاذ صامويل باتي على يد لاجئ شيشاني مراهق، لا يتخطى عمره 18 سنة، على خلفية عرضه رسومًا كاريكاتيرية عن النبي محمد أثناء حصة عن حرية التعبير، بينما يتضمن القانون تشديد الرقابة على تمويل الجمعيات ومعاقبة المحرضين على الكراهية عبر الإنترنت. ويجرم كل من يشارك معلومات حول شخص تتسبب في كشف هويته أو مكانه لأشخاص يريدون إيذاءه.

وقد جاء قانون "مكافحة الانفصالية" قبل أعوام قليلة ليشكل نقطة تحول، إذ منح السلطات أدوات قانونية أوسع لمراقبة التمويل الأجنبي، وحلّ الجمعيات التي تتعارض أنشطتها مع قيم الجمهورية، وإغلاق المساجد التي تروّج لخطاب الكراهية أو الانفصال عن المجتمع. وتحاول الحكومة الفرنسية اليوم أن توازن بين "احترام التعددية والحفاظ على دولة القانون" وفق شيار خليل، حيث يتم التركيز على تفكيك الشبكات الإيديولوجية، وفرض الشفافية على الجمعيات الدينية، خصوصًا في ما يتعلق بالتمويل والارتباطات الخارجية، وقد فرضت حصارًا على مسألة استقدام الأئمة من دول مثل تركيا. وتسعى إلى دعم خطاب إسلامي فرنسي منسجم مع قيم العلمانية.

حظر استقدام الأئمة من الخارج

لهذا، كان قرار فرنسا حظر استقدام الأئمة من الخارج، وفق وزير الداخلية السابق جيرالد دارمانان، أمرًا لافتًا، فضلًا عن ترحيل عدد من رموز الإسلام السياسي، مثل ترحيل الإمام من أصل تونسي محجوب المحجوبي، قبل عامين، نتيجة تصريحاته المعادية لـ "قيم الجمهورية"، والإساءة إلى "العلم الفرنسي" و"الشعار الوطني"، وبعدها بفترة وجيزة حدث الأمر ذاته مع القيادي بجماعة الإخوان أحمد جاب الله. ورغم كون ما سبق يُعدّ بمثابة خطوة إجرائية، في إطار الاستراتيجية الفرنسية لمواجهة الإسلاموية مع قانون الهجرة الجديد، إلا أنّه يسهم في شلّ قدرة الخطاب الصوتي الذي ترتج له مشاعر أبناء الجاليات من المهاجرين، على إحداث التأثيرات السلبية ضد "قيم الجمهورية"، بينما يشكل طبقات سميكة تحول بينهم وبين قدرتهم على الاندماج، ويصنع منهم مجرد أفراد انعزاليين، وفواعل وظيفية لديها الجاهزية التامة للتعبير عن تمردها ونقمتها السياسية، في ظل الاستقطابات المختلفة المجتمعية والسياسية والانتخابية، بحسب دراسة لمركز (تريندز).

وفي خطابه عن "الانعزالية الإسلامية"، عام 2020، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: إنّ "هدف فرنسا هو تكوين وتأهيل جيل من الأئمة والمثقفين الذين يدافعون عن إسلام يتوافق مع قيم الجمهورية". وأكد وزير الداخلية الفرنسي السابق، أنّ القانون الجديد المعني بالأئمة يستهدف الاستعانة بأئمة خضعوا للتدريب في فرنسا، لضبط الخطاب الديني. وكان تقريرًا قد صدر عن مجلس الشيوخ الفرنسي، قبل أعوام قليلة، أوضح وجود (151) إمامًا مبتعثًا من تركيا، إلى جانب (300) إمام يحصلون على رواتبهم من خارج البلاد. وذكر التقرير أنّ هؤلاء الأئمة لديهم "ولاء مزدوج". ومن ثمّ دعا ماكرون إلى تأهيل الأئمة على أراضي فرنسا ببرامج محلية تتوافق مع "قيم الجمهورية وإرثها الإنساني"، بالإضافة إلى تحري محفزات النهوض بالإسلام من الانغلاق والانسداد التاريخيين، وتحريره من أفق التسييس والأدلجة، عبر عملية إصلاحية تستهدف الوصول إلى "إسلام الأنوار"، والحدّ من "التأثيرات الخارجية (الأجنبية)"، وفق استراتيجية ماكرون لمكافحة الإسلاموية، الأمر الذي لن يتم بالقوانين فقط، وإنّما بتجديد الإسلام ليكون "شريكًا للجمهورية".

تحرير الإسلام 

إذاً، تسعى الاستراتيجية الفرنسية إلى "تحرير الإسلام من التأثيرات الأجنبية"، وفق (تريندز)، عن طريق وضع حد للاستعانة بأئمة من الخارج، والتركيز على تأهيل أئمة مسلمين فرنسيين، وتوفير الشفافية المالية للمنظمات والجمعيات الإسلامية وأتباعها، بقانون عام 1905 الذي ينظم عمل الجمعيات. بالمقابل، يهدف لإعادة إطلاق الدراسات الإسلامية في المعاهد والجامعات ومؤسسات البحث لاستدعاء القيم الفلسفية والحضارية التنويرية. ذلك ما يمكن أن يحدث من خلال استراتيجية ماكرون التي تتبنّى، وفق قوله، إعادة تعليم ودراسة "فلسفة ابن رشد وابن خلدون، وألّا نترك الدراسات الإسلامية لمن يستغلها لصالحه". فضلًا عن ذلك يريد تقوية تعليم اللغة العربية، على أن يتم ذلك تحت إشراف وزارة التربية والتعليم. وقرر ماكرون منح (10) ملايين يورو لـ "مؤسسة إسلام فرنسا" لتدريس الثقافة والحضارة الإسلامية.

ومن الواضح أنّ الحكومة الفرنسية باتت لديها رؤية لهذا الدور، غير المعلن، لقوى الإسلام السياسي، وذلك ما عبّر عنه وزير الداخلية السابق بوجود خطة شاملة لمكافحة "آفة الإخوان المسلمين"، و"الانفصال الديني"، و"الإسلام السياسي" في فرنسا. وقال في بيان له: "إنّ مشروع الانعزالية هو مشروع سياسي ديني، يتميز بانحرافات متكررة عن مبادئ الجمهورية؛ بهدف بناء مجتمع مضاد". وتابع: "يتجلى ذلك من خلال ممارسات معادية للجمهورية، مثل إخراج الأطفال القاصرين من المدارس، أو تطوير أنشطة ثقافية ورياضية مجتمعية".

في المحصلة، لا تنظر فرنسا إلى الإخوان وقوى الإسلام السياسي باعتبارهم تهديدًا أمنيًا تقليديًا بقدر ما تراهم مشروعًا تقويضيًا هادئًا لقيم الجمهورية، بما يمسّ أمنها القومي والاستراتيجي. وبينما تحاول الحكومة تطويق نفوذهم عبر القوانين والرقابة، يبقى الرهان الحقيقي مرتبطًا بقدرة الدولة على معالجة قضايا مركزية تتصل بالتهميش وتعزيز الاندماج لكي لا تنشأ فراغات وجيوب للإيديولوجيات اليمينية المتشددة والإسلاموية الكفاحية. فلم يعد حضور الإسلام السياسي في الغرب مسألة تنظيمات هامشية أو مجرد نشاط دعوي محدود، بل ظاهرة معقدة تستفيد من إمكانات وشروط متعددة وفق الكاتب المقيم في باريس شيار خليل. ويردف: "خلال العقد الأخير، تزايدت مخاوف الحكومات الغربية من أن يتحول هذا التيار، بمختلف مرجعياته، إلى رافعة لإعادة إنتاج التطرف، ليس بالضرورة عبر العنف المباشر، بل من خلال بناء حواضن اجتماعية تبدد التماسك الاجتماعي وتعيد تعريف الهوية والانتماء على أسس طائفية وأممية".

ويرتكز الإسلام السياسي على خطاب هوية يُعيد تأطير المسلمين ككتلة واحدة متجانسة، في مقابل مجتمع "آخر" هو بالضرورة يبدو معاديًا أو إقصائيًا. هذا الخطاب لا يدعو علانية إلى القطيعة مع الدولة، لكنّه يخلق مشاعر الاغتراب والعزلة الشعورية والانفصال، بينما يرفع درجة الولاءات الدينية على حساب الانتماء الوطني.

ويقول خليل: إنّ الانتقال من "الإسلاموية الناعمة" إلى الراديكالية العنيفة الخشنة قد يحدث بفعل تحولات إقليمية ودولية يتم توظيفها بما يقود إلى الانفجار في داخل هذه الحواضن وبيئاتها المتشددة، مثلما هو الحال مع حرب غزة. وقد مثّلت حرب العامين "اختبارًا حادًا لقدرة المجتمعات الغربية على احتواء التوترات الإيديولوجية. فبينما خرجت احتجاجات واسعة للتنديد بالحرب والدفاع عن المدنيين، استغلت تيارات الإسلام السياسي هذا الزخم لإعادة توجيه الغضب نحو خطاب تعبوي تحريضي".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية