فيلم وثائقي يقدم أدلة على تورط أردوغان في الانقلاب المزعوم.. ما الجديد؟

فيلم وثائقي يقدم أدلة على تورط أردوغان في الانقلاب المزعوم.. ما الجديد؟

مشاهدة

26/07/2021

بالتزامن مع مرور 5 أعوام على الانقلاب العسكري المزعوم في تركيا في تموز (يوليو) 2016، قدّم فيلم وثائقي جديد بعنوان "أُورْكُوزْ" أو "التيار المعاكس" قراءة جديدة للانقلاب الذي تحيطه خيوط من السرّية، في ظل حالة فرضها الانقلاب من البطش والتوقيف للمعارضين، حالت دون فحص أو تقديم روايات نقدية للرواية الرسمية، والتي بالفعل يشوبها العديد من الثغرات.

استطاع الفيلم الوثائقي للمخرج التركي بدر الدين أوغور أن يفكك محاولة الانقلاب المزعومة، مدللاً على فرضيته بأنّ (الانقلاب) لم يكن سوى محاولة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورجاله لكي يمهدوا الطريق للتحول الأبرز فيما بعد، وهو تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، خصوصاً بعدما استطاع الأكراد حصد مقاعد كثيرة في انتخابات 2015 كانت ستجعلهم شركاء في تشكيل الحكومة، ويرجع المخرج التركي بالزمن إلى ما قبل الانقلاب بشهور، مستعرضاً الحالة التي كان فيها الرئيس التركي والمعارضة.

استعان المخرج التركي بشهادات وتحليلات الكثير من الكتاب والمفكرين والفاعلين في المشهد التركي، وحلل المشهد وفكك الخيوط، وصولاً إلى دلالات تؤكد أنّ الانقلاب "فعل أردوغاني بامتياز"، ليس فقط لأنّ الرئيس التركي هو أكثر المستفيدين منه؛ إذ وفر له ذلك الانقلاب ذريعة لتوقيف الآلاف وفصل الآلاف، ولكن لأن ما حدث يوم 15 تموز (يوليو) 2016، وما قبله يؤكد ذلك.

استعان المخرج التركي بشهادات وتحليلات الكثير من الكتاب والمفكرين والفاعلين في المشهد التركي، وحلل المشهد وفكك الخيوط، وصولاً إلى دلالات تؤكد أنّ الانقلاب فعل أردوغاني بامتياز

يلفت الكاتب طارق طوروس الانتباه إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أساسية أيضاً في الإحاطة بحقائق الانقلاب المزعوم؛ إذ يقول: "لا يمكن تنفيذ أي انقلاب عسكري إلا بالتنسيق بين القادة والجنود، ولا بدّ أن يتم على مرحلتين: مرحلة التخطيط ومرحلة التنفيذ... أمّا في الحالة التركية، فلا نرى القيادة العليا ولا نرى خطة الانقلاب، ولكن نرى بضعة جنود سيطروا على جسر البوسفور ونفذوا أمر الانقلاب! من الواضح أنّ الذين نفذوا هذا الأمر وقعوا في الفخ، بحسب ما أوردته صحيفة "زمان" التركية التي تناولت الفيلم الوثائقي في حلقات.

يفترض الفيلم أنّ ما حدث في تركيا ذلك اليوم هو من تدبير القادة، ولكن مع أردوغان نفسه، وقد تم توريط الجنود الذين نفذوا الأوامر ووقعوا في فخ المؤامرة.

استغراب ما يحدث أو بدعيته عن كافة المعهود في الانقلابات العسكرية كان مؤشراً آخر يدحض الرواية الرسمية. ويشير الصحفي والمنتج الوثائقي جوركان لورنتزن، خلال شهادته في الفيلم، إلى أنهم كانوا في تركيا ليلة الانقلاب، ويكشف أول انطباعاته عن أحداث تلك الليلة قائلاً: "أول شيء تبادر إلى عقولنا هو أنه تجري أمور غير طبيعية... فمثلاً دأب الانقلابيون على إسكات صوت وسائل الإعلام قبل كل شيء، ومنع الناس من إرسال الرسائل... فقد كان من المفروض أن يمنعوا أردوغان من إجراء مكالمته الهاتفية عبر برنامج فيس تايم... وكانت هناك أخطاء كثيرة في تلك الليلة لا تتناسب مع طبيعة الانقلابات العسكرية... فهذا ما تقوله لنا التجارب التي خلفها لنا تاريخ الانقلابات في العالم... شكوك الناس منذ اللحظات الأولى فيما يحدث أثار عندي بصفتي صحفياً تساؤلات بطبيعة الحال".

ويربط الفيلم الوثائقي بين الانقلاب وعدة معاهدات وقوانين قبله، بدت فيما بعد أنها كانت تمهيداً لما سيحدث، أو استكمالاً لما تدبره السلطة.

يشير الفيلم إلى توقيع الحكومة على معاهدة بروكسل للدفاع المشترك بعد تأجيل دام 60 عاماً ووضْعه موضع التنفيذ، فهذه المعاهدة كانت تنظّم قواعد استعادة المتورطين في عمليات اغتيال الرئيس من دول أجنبية، قبل أيام قليلة من وقوع الانقلاب.

يشير الفيلم إلى توقيع الحكومة على معاهدة بروكسل للدفاع المشترك، التي تنظّم قواعد استعادة المتورطين في عمليات اغتيال الرئيس من دول أجنبية، قبل أيام قليلة من وقوع الانقلاب

 

الحكومة أقدمت أيضاً على استصدار قانون مشابه لما سُمّي "بروتوكول أماسيا" من البرلمان على عجل في 13 تموز (يوليو)، أي قبل 3 أيام من الانقلاب، وهو القانون الذي ينص على تضامن الشرطة والأمن العام في الأحداث المجتمعية، ثم يردف بقوله: "إنهم سنّوا هذا القانون وخولوا السلطة إلى العسكر وقدموا لهم الضمان القانوني، وفي الوقت ذاته عملوا على إثارة جاهزيتهم النفسية لهجمات إرهابية كبيرة، ولذلك دفع الإنذار المفبرك عن وقوع هجوم إرهابي كثيراً من الجنود للخروج إلى الشوارع ليلة الانقلاب".

تصفية

وكهدف آخر للانقلاب، قال الفيلم إنّ حدوثه كان فرصة لتصفية بعض قيادات الجيش الشاهدة على حجم تورط أردوغان في سوريا والصفقات والعمليات المشبوهة، وفي مقدمتهم العميد  سميح ترزي الذي قتل خلال الانقلاب.

والهيئة العامة للأركان كانت كلفت سميح ترزي بالعمل على الملف السوري، ولذلك كان يعلم جميع تفاصيل العمليات غير القانونية التي تجريها الحكومة التركية عبر الحدود، وقال أمام المحكمة الجنائية العليا بأنقرة في  20 آذار (مارس) 2019: إنّ الفريق زكاي أكسكالي قد أمر باغتيال العميد سميح ترزي، لاكتشافه أنه كان يعمل سراً مع جهاز الاستخبارات في إدارة العمليات السرية غير المشروعة في كل من سوريا وليبيا والعراق بهدف تحقيق مكاسب شخصية وجرّ تركيا بشكل أعمق في الحرب الأهلية السورية.

وممّا قاله العقيد ألاكوش في جلسة محاكمته، أنّ سميح ترزي كان يعرف "مقدار التمويل مما تم تسليمه (إلى تركيا) من قبل قطر بغرض شراء أسلحة وذخيرة للمعارضة السورية، ومقدار التمويل الذي استخدمه المسؤولون الحكوميون بالفعل، ومقدار ما تم اختلاسه... وهوية الشخصيات الحكومية المتورطة في عمليات تهريب النفط من سوريا، وكيف تم تقاسم الأرباح... وجلب كبار قادة الجماعات المتطرفة المسلحة لتلقي العلاج في تركيا تحت ستار قوات الجيش السوري الحر، ومقدار الأموال التي تلقوها كرشاوى مقابل الخدمات المقدمة".

قراءة أخرى يقدمها الفيلم هي ردة فعل الرئيس التركي ونبرته خلال حديثه عبر "فيس تايم"، والتي تختلف كلياً عن نبراته في أزمات أخرى من المفترض أنها أقل وطأة من انقلاب يهدد عرشه وثروته.

من جهته، أعد الصحفي النرويجي "جوركان لورنتزن" فيلماً وثائقياً يتناول أحداث الانقلاب بعنوان "En Gave Fra Gud" أي الهدية الإلهية! في هذا الفيلم الوثائقي الصادر عام 2019 أثبت لورنتزن أنّ أردوغان كان على علم بما سيحدث في تلك الليلة قبل 6 أيام على الأقل. لورنتزن استمر في إجراء البحوث والدراسات بعد إنتاجه الفيلم الوثائقي المذكور أيضاً، وقام بتحليل خطابات وأطروحات أردوغان حول هذا الانقلاب للفيلم الوثائقي أُورْكُوزْ.

يقول المنتج الوثائقي النرويجي: "لقد قرأت الاتهامات والادعاءات حول الانقلاب، فليس هناك أي دليل على هوية منفِّذ الانقلاب... الرواية الرسمية لأردوغان تقوم على أسس واهية للغاية، والجميع يعرف ذلك، لقد أثبتُّ في فيلمي الوثائقي أنه كان على علم بالانقلاب قبل 6 أيام على الأقل. والوثائق التي تقدمها السلطات التركية على أنها أدلة ليست سوى اعترافات منتزعة تحت التعذيب من أفواه الجنود المتهمين، ولا يمكن اعتبارها أدلة قانونية صالحة في المحاكم الدولية بأي شكل من الأشكال".

رئيس الأركان الذي لا يُسأل

ينتقل الفيلم إلى رئيس الأركان التركي آنذاك خلوصي أكار، الذي قال عنه أردوغان إنه لم يرد على اتصالاته، والذي هو رأس القيادة العامة في الجيش، ورغم ذلك لم يقف أمام محكمة أو في البرلمان ليدلي بشهادته فيما حدث.

وحوله يقول الفيلم: خلوصي أكار... لقد تردّدت شائعات كثيرة حول تحضير أكار لانقلاب عسكري ضد الحكومة، وقد التقى في تلك الليلة رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان في الساعة الـ6 مساءً قبل ساعات من أحداث الانقلاب المزعوم، "ولماذا لم يمنع الجنود من مغادرة ثكناتهم في تلك الليلة رغم تلقيه معلومات استخبارية بشأن الانقلاب؟" سؤال يظل بلا إجابة حتى اليوم.

يؤكد الكاتب والصحفي آدم ياوز أرسلان أنّ خلوصي أكار كان بإمكانه منع محاولة الانقلاب في غضون 5 دقائق لكنه لم يفعل ذلك، ويقول: "ولم يتخذ خلوصي أكار أيّاً من الخطوات التي كان يجب عليه اتخاذها... فهو لا يخبر أردوغان، ولا يحذّر القادة، ولا يقوم بأي شيء من المفترض أن يفعله باعتباره القائد الأعلى... لديه تقارير استخباراتية لكن لا يتخذ تدابير بموجبها ولا يبلغ أردوغان... وفي اليوم التالي لا نعلم أي نوع من الاتفاقية جرت، لكننا نرى أنه يبيع أقرب شخصية له الجنرال محمد ديشلي، رغم أنه كان يناديه بـ"ابني".

عندما ننظر إلى المسألة ككل نجد أنّ أكار هو الرقم الأول في القوات المسلحة في سيناريو الانقلاب، والرقم الثالث عموماً بعد هاكان فيدان وأردوغان.

قصف البرلمان

ينتقل الفيلم إلى النقطة المفصلية الأهم، والتي دفعت بالجماهير إلى الشوارع وضاعفت شعورهم بالخطر، وهو قصف البرلمان، الذي من المفترض أنه وقع من قبل سلاح الطيران، غير أنّ الفيلم يدحض تلك الرواية أيضاً.

يقول: الانقلابات العسكرية تقودها القوات البرية عادةً وليست القوات الجوية، إلا أنّ المشهد الصادم وسخونة الأحداث منعت الناس من التفكير السليم وطرح السؤال الضروري: ما خطب هذه المقاتلات التي تحلّق في أجواء تركيا وتقصف البرلمان الذي يمثل الإرادة الشعبية، رغم أنّ الانقلابيين يسعون عادة إلى كسب الناس لإضفاء نوع من الشرعية على مبادرتهم؟!

كل يوم يظهر دليل جديد يثبت أنّ قصف البرلمان وبعض المقرات الرسمية كان مطلوباً من أجل إثارة مشاعر الناس "القومية" و"الإسلامية"، التي يلعب عليها التحالف الحاكم بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، والدفع بهم إلى الشوارع والتضامن مع السلطة السياسية ضد المتهمين بالانقلاب؛ وذلك من أجل إغلاق باب الاعتراضات المحتملة على حملات التصفية والاعتقال الموسعة التي خططت السلطة لتنفيذها، بحجّة التصدي للانقلاب وسط الاستعداد لتغيير النظام في البلاد من البرلماني إلى الرئاسي.

يقدّم الفيلم فرضيتين حول قصف البرلمان: الأولى أنّ متقاعدين هم من قصفوه بأمر أردوغان، أو أنه تم تفجيره من الداخل.

 

يؤكد الكاتب والصحفي آدم ياوز أرسلان أنّ خلوصي أكار كان بإمكانه منع محاولة الانقلاب في غضون 5 دقائق لكنه لم يفعل ذلك

 

ويوضح قائلاً: التقرير الموسع الذي أعدته شركة توساش لصناعات الفضاء، الذي يحمل رقم الملف 165613، كشف أنّ الطائرة رقم 110، المزعوم بأنها قصفت مقر مديرية أمن أنقرة في مذكرة الاتهام، لا تقع ضمن قائمة الطائرات المنطلقة في ليلة الانقلاب، وأكد أنّ آخر طيران لها كان في 14 تموز (يوليو) 2016، أي قبل يوم واحد من محاولة الانقلاب!

ولفت التقرير، القائم على فحص الصندوق الأسود للطائرة بشكل أساسي، إلى أنّ خزان وقود طائرة رقم 110 كان ممتلئاً، ولا يوجد أي تسجيل للكاميرا DVR وDTC، مع أنه يبدأ التسجيل تلقائياً عند إقلاع الطائرة، كذلك لا يوجد أي أثر لإطلاق القنبلة بعد فحص قاذفة القنابل للطائرة، لينتهي التقرير إلى عدم إلقاء أي قنبلة من هذه الطائرة ليلة الانقلاب!

ويشبّه الفيلم ما حدث بما قام به من قبل الزعيم النازي هتلر: تماماً كما فعل سلفه هتلر الذي أحرق البرلمان الألماني، ومن ثم أطلق حركة تصفية شاملة ضد معارضيه بتهمة إقدامهم على إحراق البرلمان.

واستشهد الفيلم كذلك بما نشره الكاتب اليساري الشهير أحمد نسين في مقال عام 2017 أنّ طائرات إف 16 لم تقصف مبنى البرلمان ليلة الانقلاب، وأدرج في مقاله عدداً من الصور أوضح من خلالها أنّ أردوغان وشركاءه السياسيين من زرعوا قنابل داخل البرلمان كجزء من الانقلاب الخيالي، وفجروا المبنى من الداخل لا من الخارج.

الصفحة الرئيسية