فزاعة الفتنة الطائفية في مصر: أزمة تنوّع ديني أم استخدام سياسي؟

مصر

فزاعة الفتنة الطائفية في مصر: أزمة تنوّع ديني أم استخدام سياسي؟

مشاهدة

11/12/2019

مثّلت أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، في القاهرة، بداية سياسية جديدة للمجتمع المصري، مع أنّها تواكبت أيضاً مع العديد من البدايات، التي تطرقت لما يمكن أن نطلق عليه المسكوت عنه فيما قبل 2011، من أهم تلك المسائل ما يطلق عليه في القاهرة "أزمة الفتنة الطائفية"، أو "الاضطهاد الديني"، أو "مشكلة التنوع الديني"، أياً كانت التسمية، فقد شهدت الأعمال الفنية والأدبية الصادرة بعد 2011 طرقاً للأبواب بشكل مكثف وغير معهود، في محاولة لفهم حقيقة تلك الأزمة، التي لم تكن تعرفها مصر قبل صعود تيار الإسلام السياسي، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
بوستر فيلم لما بنتولد

"لما بنتولد"
أحدث الأفلام التي تناولت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر؛ فيلم "لما بنتولد"، للمخرج تامر عزت، ومن تأليف السيناريست نادين شمس، تدور أحداث الفيلم من خلال ثلاث حكايات متوازية ترصد قدرة الأبطال على الاختيار، أو هل يملكون بالفعل حرية الاختيار بداية؟

أحدث الأفلام التي تناولت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر فيلم "لما بنتولد" للمخرج تامر عزت

وفي القصة الثانية؛ داخل الفيلم يلتقي الحبيبان (محمد حاتم) و(سلمى حسن)، تجمعهما صدفة في الطريق، يتبادلان أرقام الهاتف، ويتشاركان مع الوقت كلّ تفاصيل الحياة، يحكي لها كيف ترك الهندسة، تلك المهنة الأنيقة، لمجرد أنّه لم يجد ذاته فيها، شاب محبّ للسفر والفنون، يجمع التحف والأنتيكات من كلّ العالم، ينتمي لأسرة أرستقراطية أصبحت نادرة الوجود في ذلك الزمان، وهكذا الحبيبة (سلمى حسن)، التي تجمعها علاقة شديدة الخصوصية بأسرتها، المكونة من الأم (حنان سليمان)، والأخت (دعاء عريقات)، تلك التي لم تظهر سوى في مشهدين، قبل أن تسافر إلى كندا، في إشارة لمحاولة البحث عن حياة أفضل. الشقيقتان ترفضان الزواج التقليدي، فإحداهما تبحث عن قصة حبّ كما في الأفلام، والثانية تبدو عملية بشكل أكبر؛ حيث قررت بدء حياتها في دولة أخرى.

اقرأ أيضاً: شيخ العرب همّام والأقباط.. هكذا ترسخت دولة المواطنة في الصعيد المصري
غير أنّ حقيقة مرّة تغافل عنها الحبيبان أيقظتهما من الحلم سريعاً، فكيف سيواجهان المجتمع، وكلّ منهما ينتمي لديانة تختلف عن ديانة الآخر؟!
نشأة علاقة حبّ بين طرفين ينتميان لديانة مغايرة أحد أكبر أسباب النزاعات الطائفية في مصر، وثمة نموذج لذلك يتمثل في حرق كنسية مصرية في مدينة أفطيح، قبل شهر من ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، بسبب قصة حبّ جمعت شاباً مسلماً بفتاة مسيحية، المسألة التي تكررت في محافظتَي بني سويف والمنيا، وهما محافظتان ذات أغلبية تنتمي لجماعات الإسلام السياسي.
رغم ترك النهاية لفيلم "لما بنتولد" مفتوحة، دون أن يحدَّد مصير قصة الحب التي جمعت الشاب المسلم بالفتاة المسيحية، إلا أنّ الخطّ العام للفيلم يشير إلى تقبّل أسرة الفتاة ارتباطها بشاب مسلم، فالأم تعجز عن أن تمنع ابنتها عن حبيبها، خشية أن تخسرها هي الأخرى، بعد أن هاجرت ابنتها الثانية إلى كندا، في إشارة إلى تردّي أوضاع المسيحيين في مصر وهجرتهم إلى دول أخرى.
البطلة المسيحية في مشهد من فيلم لما بنتولد

"جزيرة الأقباط"
شهد عام 2011 أيضاً تقديم الفيلم الوثائقي "جزيرة الأقباط"، للمخرج المصري أحمد رشوان، تناول فيه بشكل جريء أزمة الأقباط في مصر، عقب ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، بسبب مخاوف من صعود الإسلاميين، المسألة التي تحققت بوصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم.
يرصد فيلم "جزيرة الأقباط" هجرات دينية إلى دولة جورجيا، وهي بحسب الفيلم أول هجرة دينية للأقباط من مصر؛ فالهجرات السابقة كانت لأسباب اقتصادية أو سياسية.
يرصد الفيلم أيضاً مشاركة أقباط مصر في الأحداث التي شهدتها القاهرة، منذ بداية عام 2011 وحتى ثورة حزيران (يونيو) 2013، آملين في عالم أفضل بعيداً عن سيطرة الجماعات الدينية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: استهداف الأقباط في مصر .. تاريخ موجز للعقاب السياسي
أجرأ تلك المحاولات التي حاولت فهم حقيقة الفتنة الطائفية في مصر كانت رواية "بيت القبطية" للقاضي المصري والروائي أشرف العشماوي، وأهمية الرواية تعود إلى سببين، الأول: أنّها تدور بالكامل حول أزمة الفتنة الطائفية في إحدى قرى الصعيد المصري. والثاني: أنّ مؤلّف الرواية هو قاضٍ مصري، قضى 15 عاماً وكيلاً للنائب العام في نيابات أمن الدولة، وشهد بالفعل العديد من الأسرار المتعلقة بحقيقة الفتنة الطائفية في مصر. مع الوضع في الاعتبار أنّ الرواية عمل فني قائم على التخيل، لكن لا يستطيع المراقب تجاوز صفة المؤلف، ولا موضوع الرواية، التي أشار المؤلف خلالها بشكل صريح إلى أنّ نظام الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، استخدم، وفق العشماوي، مسألة الأقباط كفزاعة للمصريين حتى يستمر في الحكم، مستغلاً خوف الشارع من الجماعات الدينية المتطرفة، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن؛ هل ما تمرّ فيه القاهرة منذ ثلاثة عقود هو فتنة طائفية، أم فزاعة استخدمها النظام لتوطيد حكمه؟
غلاف رواية بيت القبطية

أزمة إدارة التنوع الديني
الناشط القبطي، ورئيس قطاع الإعلام والاتصال بمكتبة الإسكندرية، الدكتور سامح فوزي، يرى "أنّنا على مدار القرن العشرين وما قبل القرن العشرين، وامتداداً إلى أوائل القرن الحادي والعشرين، نستطيع أن نقول إنّ لدينا بعض المشكلات التي تتعلق بإدارة التنوع الديني في المجتمع المصري، أسوة بالمشكلات التي تتعلق بإدارة التنوع الثقافي والسياسي والاجتماعي، مشيراً إلى أنّ الدليل على هذا أنّ هناك كثيراً من المشكلات التي يشكو منها الأقباط نجد أنّ المسلمين أيضاً يشكون منها".

ينفي الناشط القبطي سامح فوزي أن يكون استمرار المشكلات في العلاقة بين المسلمين والأقباط سببه إشعال النظام تلك الأزمات

ويضيف فوزي، في تصريح لـ "حفريات" بأنّ "القضية ليست مواجهة طائفية؛ لأنني شخصياً لا أحبّ استخدام مصطلح طائفي؛ لأنّه لا يوجد مجتمع طوائف في مصر، وأنا ضدّ لفظ الفتنة الطائفية لهذا السبب، ولكن أنا مع أنّ هناك مشكلات في إدارة التنوع الديني، أو التعددية الدينية، وأعتقد أنّ ذلك هو المصطلح العلمي؛ فأنت لديك تعددية دينية أو تنوع ديني، ولديك مشكلات في إدارة هذا التنوع، تلك المشكلات نابعة من تحولات اجتماعية وثقافية، هناك موروث شعبي، وهناك أعراف متوارثة، وهناك قرارت سياسية، وهناك أيضاً نكاية من جانب القوى السياسية، أو نوع من أنواع الاستغلال من جانب القوى السياسية".
يوضح فوزي: "لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ التيار الإسلامي بكافة تفريعاته استغل قضية الأقباط في علاقته بالنظام السياسي؛ بمعنى أنّه كثيراً ما كان يريد أن يسيء إلى الأقباط حتى يظهر النظام السياسي بمظهر الذي لا يستطيع أن يدافع عن الأقباط أو يحمي مواطنيه".

اقرأ أيضاً: "الإخوان" والأقباط
ويعرب فوزي عن اعتقاده بأنّ "المسألة متشعبة جداً، وأرى أن يكون هناك سؤال مباشر؛ هل تعتقد أنّها فزاعة أم هي مشكلات عادية؟ أنا أتصور، نتيجة ديمومة تلك المشكلات على مدار القرن العشرين مع اختلاف أنظمة وحكام وحكومات، أنّها فزاعة؛ الفزاعة تعني أنّك تفترض أنّ هناك شيئاً غير واقعي أو خفي، وأنت تضخم فيه، ولكن هذا ليس هو الحقيقة، القضية الآن أنّه إذا أدارت الحكومات المسألة بشكل فيه حصافة تقلّ هذه المشكلات، لكن إذا تعاملت تلك الحكومات مع الموضوع بانفعال، مثلما تتعامل مع ملفات أخرى بانفعال، فإنّ المشاكل لن تختفي".

بوستر فيلم جزيرة الأقباط
وينفي فوزي أن يكون استمرار المشكلات في العلاقة بين المسلمين والأقباط نتيجة لإشعال النظام تلك الأزمات تحقيقاً لمكسب سياسي: "مثلاً لو قلنا إنّ نظام مبارك كان يستخدم المسألة كفزاعة، رغم ذلك بعد رحيل نظام مبارك بأقل من شهر كانت هناك مشكلة في أطفيح، السؤال هنا: لماذا لم ترحل تلك المشكلات مع رحيل نظام مبارك؟ أنا ضدّ التفاؤل الذي ليس له معنى، وضدّ فكرة أنّ الأنظمة تبتدع لنفسها مشكلات، أيّ مدير في العمل هل من مصلحته أن توجد حوله مجموعة من المشكلات، نفس الأمر بالنسبة إلى النظام السياسي، لكن -كما شرحت سابقاً- سوء الإدارة نفسها قد تؤدي إلى مشكلات، نظام السادات عندما فقد سيطرته على التيار الإسلامي أصبحت هناك مشكلة طائفية، لكن؛ هل نظام السادات كان يريد خلق مشكلة طائفية؟ لا أعتقد ذلك، بالتالي؛ عندما ترحل الحكومات لماذا تستمر المشكلات، أريد إجابة عن هذا السؤال؛ فهل كلّ الحكومات تستخدمها كفزاعة؟ هي أيضاً مسألة عليها علامة استفهام، وخلص فوزي إلى أنّ هناك مشكلات "بعضها نابع من إدارة سياسية، وبعضها نابع من مشكلات ثقافية واجتماعية، وأخرى نابعة من التحولات الاجتماعية في المجتمع المصري عموماً".


الصفحة الرئيسية