فرنسا قلقة من نفوذ تركيا داخلها رغم قانون الانعزالية

فرنسا قلقة من نفوذ تركيا داخلها رغم قانون الانعزالية

مشاهدة

11/02/2021

حذّرت الاستخبارات الفرنسية من نفوذ تركيا داخل فرنسا، سواء عبر الجالية التركية أو تمويل بعض المؤسسات، ويعكس التحذير الذي قُدّم في تقرير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حجم التحديات التي تواجه باريس لتقويض نفوذ أنقرة، ويعكس توتراً ممتداً بين البلدين.

يأتي ذلك في وقت طفت فيه الخلافات الفرنسية ـ التركية على السطح مرات عديدة، وتراشق فيها رئيسا البلدين الاتهامات، وقد حاولت تركيا في غضون ذلك توجهاً لتحسين العلاقات مع أوروبا وتلطيف الأجواء مع باريس، برسالة تهنئة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى نظيره الفرنسي ماكرون بمناسبة حلول العام الجديد، ولكنّ الأجواء سرعان ما عادت إلى التوتر.

قدّمت الاستخبارات الفرنسية تقريراً للرئيس ماكرون حذّرت فيه من تحوّل السفارة التركية في باريس إلى وكر مخابراتي لحكومة حزب "العدالة والتنمية" التركي

وهاجم الرئيس التركي نظيره الفرنسي إبّان مطالبة الأخير له بالانسحاب من ليبيا، قائلاً: إنّ ماكرون كان عليه القيام بالخطوة نفسها في مالي وتشاد ودول أخرى، ودفع ثمن ما اقترفه أجداده في الجزائر ورواندا، قبل الحديث عن تركيا.

وأضاف أردوغان، بحسب ما أورده موقع جريدة الشروق القطرية: إنّ الشخص الجالس في قمة هرم السلطة في فرنسا (إشارة إلى ماكرون) يهاجمني دون توقف، ماذا تريد مني! عليك قبل كلّ شيء دفع ثمن ما اقترفته يداكم في الجزائر، فأجدادك قتلوا مليون شخص جزائري هناك، عليك أوّلاً دفع ثمن ذلك.

وعلى الرغم من أنّ أردوغان يتجاهل المذابح التركية في حقّ الأرمن، والتي تعترف بها دول عدة من بينها فرنسا، فإنّ التصريحات الأخيرة تعكس حجم التوتر بين الدولتين، وفيما يتصاعد ذلك التوتر، وهو مرشّح للاستمرار على صعيد السياسات الخارجية، فإنه يجعل في المقابل تحجيم مخاطر تركيا ونفوذها داخل فرنسا، بل والاتحاد الأوروبي بوجه عام، ضرورة ملحّة.

ولا يبدو أنّ ماكرون قد يتراجع عن نهجه الرامي إلى تحجيم نفوذ الجماعات الإسلامية، وسدّ الثغرات التي تنفذ منها تركيا داخل فرنسا، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الطريق ممهّدة أمامه.    

اقرأ أيضاً: مسلمو فرنسا والشقاق السياسي

وسبق أن حذّر ماكرون، خلال لقائه بمثقفين فرنسيين، من مشروع تركيا، قائلاً: يجب أن ننجح في توضيح الأمور مع تركيا؛ لأنّ المشروع التركي، كما هو عليه اليوم، هو مشروع سياسي ديني، وهناك شعور متزايد بأنّ الرئيس التركي يرغب في التأثير على الحياة السياسية والاجتماعية الفرنسية، وذلك في آذار (مارس) 2019.

في غضون ذلك، قدّمت الاستخبارات الفرنسية تقريراً للرئيس ماكرون، حذّرت فيه من تحوّل السفارة التركية في باريس إلى وكر مخابراتي لحكومة حزب "العدالة والتنمية" التركي، الذي نجح في تأسيس شبكة نفوذ ضخمة في الدول الأوروبية، عبر 650 منظمة دينية ومجتمعية، غالبيتها تعمل على الأراضي الفرنسية، بحسب ما أورده موقع الاتحاد.

وحذّرت صحيفة "لوجورنال دو ديمانش" من تصاعد النفوذ التركي في المجتمع الفرنسي على نحو خطير، حيث تبسط أنقرة نفوذها بقوة على الجالية التركية بأساليب تجمع ما بين الترغيب والترهيب.

نفوذ تركيا

حسب معلومات وزارة الداخلية الفرنسية، فإنّ الإسلام التركي في فرنسا يتمحور حول 3 هياكل رئيسية: أولها "اتحاد الشؤون الثقافية التركية الإسلامية"، الفرع الفرنسي لوزارة الشؤون الدينية التركية، والاتحاد يمثل الصوت الرسمي والتاريخي للطائفة السنّية التركية، وتنضوي تحت لوائه 280 جمعية و151 من الأئمة الأتراك، بحسب ما أورده موقع "كيوبوست".

وهناك ثانياً منظمة "مللي جوروش" أو الرؤية الوطنية، وهي منظمة إسلامية أوروبية قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، لديها 100 ألف عضو في القارة العجوز، ويشرف فرعها الفرنسي على 300 جمعية وعشرات الآلاف من المؤمنين في فرنسا.

والهيكل الثالث والأخير هو الاتحاد الفرنسي للعلويين (FUAF)، وهو يمثل فرعاً للإسلام الصوفي الذي يميل إلى التسامح؛ لكنه يعاني سياسة التهميش في تركيا، حيث يمثل العلويون ما نسبته 20% من الأتراك في فرنسا، والصوفية معادية بشكل واضح للإسلام الراديكالي.

 

قدّرت صحيفة لوموند الفرنسية النفوذ التركي بأنه حتى وقت قريب يشكّل نحو خُمس إسلام فرنسا، إن صح التعبير، أي إنّ واحداً من كلّ 5 مساجد في فرنسا تحت النفوذ التركي

 

وقد قدّرت صحيفة لوموند الفرنسية النفوذ التركي بأنه، حتى وقت قريب، يُشكّل نحو خُمس إسلام فرنسا، إن صحّ التعبير؛ أي إنّ واحداً من كلّ 5 مساجد في فرنسا -حسب الصحيفة المقرّبة من اليسار- تحت النفوذ التركي.

ويُذكر أنّ من أهمّ المؤسسات التركية الفاعلة في فرنسا، مؤسسة "ديتيب" المرتبطة باتحاد الشؤون الدينية التركية وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، بحسب الاتحاد.

وتُموّل الحكومة التركية مدارس غير رسمية لا تتبع وزارة التعليم في فرنسا، ويعمل في تلك المدارس أساتذة أتراك أوفدهم حزب "العدالة والتنمية" حتى لا تتمّ الاستعانة بمن هم مقيمون في فرنسا تخوّفاً من نجاح اندماجهم في المجتمع الفرنسي والتزامهم بمبادئ الجمهورية، بما يمنع تكييفهم وفق سياسات الحكومة التركية، وبالتالي إمكانية تجنيدهم جواسيس بالتنسيق مع سفارة بلادهم في باريس.

بالتوازي مع ذلك، حذّرت الصحافة الفرنسية أيضاً من تمكّن مواطنين فرنسيين من أصول تركية من الفوز بعضوية عدّة مجالس بلدية في فرنسا والتغلغل فيها.

وحتى وقت قريب، كانت هناك معلومات متداولة على شبكة الإنترنت تؤكد أنّ 50% من الأئمة في فرنسا يأتون من تركيا، لكنّ السناتور الإيطالي المحافظ أندريا كانجيني فجّر مؤخراً قنبلة موقوتة، أثناء إدانته الهجوم على كاتدرائية نوتردام في نيس، عندما أكد أنّ 50% من المساجد الفرنسية تُموَّل من قِبل تركيا، وهناك العديد منها، حسب الاستخبارات الفرنسية، كان مركزاً لجذب التطرّف الإسلامي.

اقرأ أيضاً: هل يحمي "ميثاق المبادئ" فرنسا من التشدد؟ وما علاقة تركيا؟

وكانت فرنسا قد أطلقت مشروع قانون باسم الانعزالية لمواجهة نفوذ تركيا داخل فرنسا، ويسعى القانون لإطلاق ميثاق إسلامي يُؤسس بموجبه مجلس الأئمة، تكون مسؤوليته منح تراخيص للأئمة، وكذلك سحبها، ويهدف المشروع إلى التخلص من 300 إمام أجنبي، بعضهم أتراك، في فرنسا.

لن يكون مجلس الأئمة مخوّلاً بإصدار التصاريح للأئمة ومنحهم بطاقة رسمية فحسب، بل سيكون قادراً أيضاً على سحب هذه البطاقات منهم، إذا ما خرقوا "ميثاق قيم الجمهورية"، وشرعة أخلاقية سيتمّ الاتفاق عليها، بحسب ما أوردته جريدة "العرب" اللندنية.

واعتماداً على دور كلّ منهم: إمام صلاة وخطيب مسجد وداعية، سيتعيّن على كلّ إمام الإلمام بمستوى مختلف من اللغة الفرنسية، وحيازة شهادات دراسية يمكن أن تصل إلى المستوى الجامعي، بحسب المصدر ذاته.

وكانت فرنسا قد أوقفت برنامجاً لاستجلاب الأئمة من تركيا، وأكدت أجهزة الاستخبارات الفرنسية أنهم يشكّلون عصب دعم الانعزالية وانفصال الجاليات المسلمة عن مجتمعاتهم المحلية ومبادئ الجمهورية.

وفي 2010، وقّعت كلٌّ من تركيا وفرنسا "إعلان نوايا" بخصوص وضع الموظفين الدينيين الأتراك، والذي تمّ بموجبه رفع عدد الموظفين من 121 إلى 151 موظفاً، لكنّ باريس تراجعت في 2019 عن هذا الإعلان بتخفيض عدد الأئمة الأتراك، بدل الترفيع في حصص انتدابهم، وقد خطت النمسا الخطوات نفسها.

ويقول خبراء فرنسيون: إنّ قرار فرض قيود على إيفاد أئمة من تركيا، بهدف القضاء على خطر الانعزالية، هو خطوة مهمّة ضمن خطة شاملة لمحاصرة أنشطة جماعات الإسلام السياسي.

الصفحة الرئيسية