فرانكشتاين يتجوّل في بغداد مرة أخرى

العراق

فرانكشتاين يتجوّل في بغداد مرة أخرى

مشاهدة

19/07/2018

إذا كان صاحب رواية "فرانكشتاين في بغداد"، أحمد سعداوي، التي حقّق بها شهرة عريضة، عربياً ثم عالمياً، بوصول النسخة الإنجليزية إلى القائمة القصيرة لترشيحات "مان بوكر" قبل أشهر، رسم في كتابه صورةً متخلية لكائن خرافي (فرانكشتاين)، هو حصيلة الأجزاء المبعثرة لقتلى بغداد بعد 2003، لكنه في منشور على الفيسبوك رسم ملامح ما يبدو أنّ فرانكشتاين حقيقي هذه المرة، يبدأ منه ككاتب وإنسان يتلقى ألواناً من العذاب اليومي العراقي، ولا ينتهي بمحنة الملايين من مواطنيه الغارقين في بحر متلاطم من الفساد والتضييق على الحريات البسيطة.

في سجن كبير

ومن الجانب الأخير، يكتب معلقاً على حجب خدمة الإنترنت والاتصالات بالتزامن مع الاحتجاجات الغاضبة في جنوب البلاد ووسطها: "أنا أستخدم واحداً من برامج البروكسي من الحاسبة، ومع أنّني أعتقد أنه برنامج غير آمن، ويمكن أن يقرصن معلومات حسابي على الفيسبوك، لكني أجازف الآن بهذا فقط، لكي أقول لكل الأصدقاء والمتابعين خارج العراق: إننا حالياً مسجونون في سجن كبير، بسبب إجراءات الحكومة بحجب مواقع التواصل الاجتماعي، وتعطيل مصالح الناس، وحرمان المحتجين من حقّ التعبير عن الرأي، وحرمان المواطنين من حقّ الحصول على المعلومة".

حقق السعداوي برواية "فرانكشتاين في بغداد" شهرة عريضة عربياً وعالمياً

وينتقد صاحب رواية "باب الطباشير"، بقوة، إجراءات السلطات الحاكمة: "أعلن شجبي لهذه الاجراءات الاستبدادية التعسفية التي يقوم بها تحالف الأحزاب الفاسدة، التي تريد الاستمرار بالسلطة، وتقاسم مغانمها من دون أيّ اعتراض على عملهم، وهذا يتناقض مع الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتشدّق بها رؤوس وزعماء كارتل الأحزاب هذا".

اقرأ أيضاً: فرانكشتاين سعداوي على قائمة مان بوكر العالمية

وأحزاب السلطة يمكن اختزالها بتسعة أشخاص لا يختلفون في العمق فيما بينهم، إلا حين يتعلق الأمر بحصصهم ومكاسبهم، وهم أشبه، بالنسبة إلى سعداوي، بـ "مجلس قيادة الثورة" البعثي: "إنهم حكومةٌ صدّامية أخرى تستمر في قيادة البلد منذ 15 عاماً، لكنّ الفارق الوحيد أنّها حكومة من دون صدّام، حكومة واحدة مستمرة تحاول إيهامنا بأنّها حكومات متغيرة بسبب الانتخابات كل 4 أعوام".

رسم ملامح ما يبدو أنّه "فرانكشتاين" حقيقي هذه المرة ككاتب وإنسان يتلقى ألواناً من العذاب اليومي العراقي

وإمعاناً في تفكيك المشهد اليومي الذي يعاينه فرانكشتاين من دم ولحم جديد يجول في بغداد، يقول الروائي والشاعر وكاتب السيناريو، المولود ببغداد عام 1973: "هناك عرّابون كبار يمسكون البلد من خصيانه، تغيير البلد رهن بهؤلاء العرابين، و"خصيانهم" بالمعنى الشعبي والمعنى العربي الفصيح أيضاً".

أما حول أحداث البصرة؛ فهو "مشهد مبتذل مكرر بأدواره وخطاباته، سيتم تلبية بعض مطالب المتظاهرين، ويجري، بعدّة طرق اعتمدت سابقاً، تحويط النار وإطفاؤها لصالح بقاء العرّابين، ورثة صدّام، لقد وصلت حكومة "مجلس قيادة أحزاب السلطة" إلى مستوى متدنٍّ جداً من انتهاك حقوق المواطنين والتعدي عليهم، والعمل بالضدّ من مصالح الشعب الذي يفترض أنها تمثله".

ينتقد صاحب رواية "باب الطباشير" بقوة، إجراءات السلطات الحاكمة

بلد الطاقة بلا كهرباء!

وضمن مفارقات عراقية كثيرة منها: أنّ بلاد الطاقة بلا كهرباء، يرى صاحب رواية "إنه يحلم أو يلعب أو يموت" أنّ الكهرباء في العراق ليست مجرد قضية تتعلق بقطاع الطاقة، إنها تحوي جوانب درامية مؤلمة، لدى كلّ عراقي قصصٌ لا حصر لها مع الكهرباء، موضحاً: "خلال الشهر الماضي، فقدت عائلة من أقاربنا شاباً بعمر الورد بسبب صعقة كهربائية، حينما كان يحاول ربط القطع في السلك الذي يجهز منزله من المولدة الأهلية. قبل عامين قتل صديق صحفي بالطريقة نفسها، خرج ليلاً لتتبع السلك المقطوع، وصعق ومات، ولم يعرف أهله ما حدث له إلا بعد وقت طويل".

اقرأ أيضاً: ما الذي يجري في العراق؟

وبسبب تذبذب التيار الكهربائي حصلت حوادث كثيرة، وبسبب المقابس وتفاوت أنواع الأسلاك ومصادرها حدثت حرائق ومات ناس كثيرون "شخصياً حدث حريق في مكتبتي قبل أعوام بسبب مشكلات الأسلاك ونقاط الكهرباء، أتى على جزء كبير من المكتبة والأجهزة الكهربائية التي كانت بالغرفة".

يرى صاحب "إنه يحلم أو يلعب أو يموت" أنّ قضية الكهرباء بالعراق تحوي جوانب درامية مؤلمة

بحسابات التنمية؛ خسر العراقيون زمناً وجهداً عصبياً لا يقدّر بثمن ضاع بسبب الصراع مع الكهرباء، ومع الظروف التي يخلقها انقطاع التيار الكهربائي، منذ عام 1991 إلى اليوم، فقد "أغلقت مصانع ومعامل أهلية كثيرة بسبب مشكلات الكهرباء، كما تولّدت مهن جديدة مرتبطة بالإنتاج المحلي (المولدات الأهلية)، وللأسف هذا القطاع لم يتطوّر إلى شكل موجود في بعض البلدان، بحيث يستغني المواطن عن الكهرباء الحكومية، مثلما جرى في لبنان بسبب ظروف الحرب الأهلية.

خسر العراقيون زمناً وجهداً عصبياً لا يقدّر بثمن ضاع بسبب الظروف التي يخلقها انقطاع التيار الكهربائي

ومن خلال مسار الكهرباء، نكتشف عند سعداوي مسار الوطنية العراقية المتعرج؛ بل التائه، هذه الأيام: "لا يبدو أنّ هناك حلاً قريباً لمشكلتنا مع الكهرباء؛ لأنّ تحسّن التيار الكهربائي أصلاً مرهون بالتجهيز من الجارة إيران، وليس بتطور قدرات الإنتاج والتوزيع العراقية، وما هو أهم: أنّ كلّ هذه القضايا الحيوية ذات التأثير العام، ومنها أزمة الكهرباء، مرتبطة بـ "الرؤية الوطنية" لساسة وحكّام البلد، وهذه الرؤية مفقودةٌ تماماً"، مستدركاً: "أصلاً عيب نسولف بيها (الوطنية العراقية) ونتعامل وياها بجدّية".

أشياء ستضيع

عن كلّ هذه المصائب "الوطنية"، يرسم سعداوي مشهداً لا يبدو مختلفاً عن المآل الذي مضى فيه بطل "فرانكشتاين في بغداد"، وليس بعيداً عن مقترح روايته: "إنّه يحلم أو يلعب أو يموت"، فيكتب: "نحن مأسورون ومقيدون بالخشية من ضياع أشياء من أيدينا، ستضيع بكلّ الأحوال في نهاية المطاف. دعها تضيع... ضعْ أنت من أيدي الآخرين، ارقص بين الضائعين، لا تخبر أحداً عن الطريق، لا تدّعي أنك تعرف الطريق، أنت تعرف طرق الضياع الألف؛ لأنّ هذا لا يحتاج موهبة، وإنما شيء من الواقعية. دعني أتشجّع لإفلات الأشياء من يدي، لا تقوّي وهمَ أنّ الطمأنينة حقّ عام للجميع، لا تخبرني بأنّني منكم، من الجميع. لا تكذب لإرضاء رغبتك بالسلطة، لا تنشئ أمةً من الضائعين، بمجرد رصف الكلمات".

اقرأ أيضاً: مواقع التواصل الاجتماعي: تركيا وإيران تقتل العراقيين عطشاً

الصفحة الرئيسية