فرانسواز إيرتييه..هكذا هيمن الرجال على النساء

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
9113
عدد القراءات

2018-06-07

ترجمة: مدني قصري

توفيت مؤخراً الأنثروبولوجية الفرنسية المشهورة، فرانسواز إيرتييه (Françoise Héritier)، التي خلفت الأنثروبولوجي العالمي كلود ليفي شتراوس، في كوليج دي فرانست.

في هذا الحوار الذي أجرته معها مجلة "ماريان" قبل رحيلها، تتناول تاريخ البناء الهرمي بين المذكر والمؤنث.

كيف تشرح الأنثروبولوجيا تاريخ هيمنة الرجال على النساء، وكونها تعيش اليوم في مجتمعاتنا الحديثة؟

خلال ثلاثين عاماً من العمل في مجال المنطق الأبوي والأسري، كان السؤال الذي سألت نفسي إياه، لم يكن فقط لمعرفة كيف ظهرت عدم المساواة بين الرجل والمرأة، وكيف نكافحها، ولكن أيضاً أسباب ظهورها. فبفضل أبحاث بواسطة الحمض النووي، نعرف، على سبيل المثال، أنه كان يتم تبادل النساء؛ فالرجال كانوا يتقاسمونهنّ ويوزعونهنّ، وهذا منذ زمن طويل جداً.

لكنْ، لماذا حدثت هذه التصورات غير المتكافئة؟ المسألة ليست مسألة دونيّة جسدية وبيولوجية، أو تبعيّة نفسية أو عقلية؛ بل المسألة مسألة تصوّرات عقلية. ولتفسير العنف الحالي، من الضروري أن نفهم ما يعود، في أذهان البشر، إلى السلالات القديمة. فبغض النظر عن الاختلافات التي يمكن أن نلاحظها من مجتمع إلى آخر، فقد تصوّر الإنسان العاقل نموذجاً هرمياً يستند إلى القيمة التي ينسبها الرجال إلى الاختلاف بين الجنسين، من هذه الملاحظة، ينظر عالم الأنثروبولوجيا إلى كيف سأل الرجال أنفسهم ثلاثة أسئلة أساسية: لماذا يوجد جنسان؟ لماذا الأنثوي وحده هو الذي يحبل وينجب في آنٍ الشبيهَ والمختَلِف، بينما المذكر لا يمكنه فعل أي شيء؟ ولماذا لا بد من علاقات جنسية؟

كان الاعتقاد السائد أنّ الرجال هم أصل الأطفال والمجتمع وهذه الفكرة كانت عند أرسطو

مشيئة الآلهة

ما هي الإجابات التي أعطيت لهذه الأسئلة عبر التاريخ؟

في معظم المجتمعات، كان الاعتقاد السائد؛ هو أنّ الرجال يضعون الطفل في المرأة من خلال الحيوانات المنوية، الرجال هم أصل الأطفال والمجتمع، نجد هذه الفكرة في كل مكان: عند أرسطو، وفي الثقافة اليونانية، على سبيل المثال، وفي القبيلة ساموس في غرب إفريقيا، بوركينا فاسو الحالية، أو عند السكان الهنود أو الآسيويين، في بعض الثقافات، يقال إنّ الأجداد، وهم آلهة صغيرة أو من الجن، كانوا يضعون في جسم النساء بذوراً محدّدة للجنس، ثم ترشّ بعد ذلك بحيوانات الرجل المنوية. لا بدّ من الوسيط الذكر، كي تأتي هذه البذور إلى العالم.

اقرأ أيضاً: السجن المقدس: المرأة حرةٌ في النصوص عبدة في التفسيرات

إنّنا نجد آثار طريقة التفكير هذه في نقوش القرن السادس عشر؛ حيث نرى جسد المرأة، وهي ترتدي زيّ ذلك الزمن، في حلة مصنوعة من الياقات، مع الرحِم، ورفوفاً صُفّت فيها فتيات صغيرات، وصبية صغار بأثواب بلا كُم...، "الرجل يضع الطفل في جسد المرأة" كان يعني في نظرهم أنّ الطبيعة أو الآلهة هي التي أرادت ذلك.

هناك فرضية تقول: هيمن الرجل على المرأة لأنّه لا يحمل

الهيمنة لا تمليها الطبيعة

ما هو تقييمك اليوم لتطور وضع المرأة؟

طوال أعوام عملي النشطة، كان لدي اقتناع عميق بأنّ الأمور يمكن أن تتغير، وبالطبع ما أزال أفكر وأتأمل، أستندُ في هذا إلى فكرة أنّ العلاقة بين الرجال والنساء هي علاقة هَيمنة، ولا يوجد شيء تمليه الطبيعة، وهي في الوقت نفسه، علاقةٌ موجودة في جميع مجتمعات العالم. لقد توصلتُ إلى طرح الفرضية القائلة إنّ في الأساس الاجتماعي، هناك هيمنة الرجل على المرأة، وأنه أوّل نظام عقائدي عظيم؛ لأنّ الرجال لا يحملون بأجسادهم مباشرة، بينما تحبل النساء بالفتيات والفتيان، هكذا جعل الرجال أجساد النساء متاحة لهم، وقد أدّى هذا إلى سلسلة من التطورات التقنية التي حرمت المرأة من حرية استخدام جسدها بحرية؛ فهي تنتمي إلى الرجال، إلى الأب، والأخ، والعمّ، ...إلخ، الذين يعطونها إلى زوج، ويقرّر هؤلاء الرجال مصيرها. هذا منذ أعماق البشرية، منذ إنسان نياندرتال، حتى اليوم.

إنّ ما أبرزتُه هو أننا أقمنا "علاقة قدم الرجل على المرأة"، أي أقدميّة الذّكر على الأنثى، مسألة "الأقدمية" هذه لا ينبغي الاستخفاف بها؛ ففيما أسمّيه "التكافؤ التفاضلي للجنسين"، نشأت علاقة تفوّق الرجل على المرأة بصفته سابقاً لها، وبالطريقة نفسها التي صار فيها الوالدان أقدم من الأطفال، والذكور البكر أقدم من الأصغر سناً، نشأت العلاقة التي جعلت الفتيات دائماً "صغيرات" الذكور، أي الأقل شأناً.

سأل الرجالُ أنفسهم سؤالاً أساسياً: لماذا يوجد جنسان؟ لماذا الأنثوي وحده هو الذي يحبل وينجب بينما المذكر لا يمكنه ذلك

كل هذا من اختراع العقل البشري، وبالتالي، وبحكم هذا التعريف، فإنّ هذا شيء يمكن للعقل البشري أن يدمّره؛ لأنّه ليس راسخاً في قانون بيولوجي يجعل النساء أقل شأناً بشكل طبيعي، وتابعات للرجل.

يأتي هذا السؤال الذي سألتني إياه في وقت ارتفاع أسهم الأصوليات بجميع أنواعها، ومع تجدّد مظاهر هيمنة الذكور هذه، وأراني فيه أقلّ تفاؤلاً مما كنت في الماضي.

الهدفُ يبدو لي بعيداً، فيما كان يبدو لي في متناول اليد، على الأقل في البلدان المتقدمة، لكنّني الآن، لا أرى أنّ تغييراً سيحدث في حياتي، أو حتى في هذا القرن.

هذه الهيمنة الذكورية تتحقق بأيّ نوع من الوسائل؟

من خلال أنظمة تمثيل رمزية تتركز آثارها العملية في حبس النساء في الحياة المنزلية، داخل المنزل الذي يجب عليهنّ المكوث فيه، وتحت تبعيتهنّ للرجل.

في أحداث كولونيا(1)، نجد فكرة أساسية وقوية ومثالية؛ هي أنّ جسد المرأة يعرض على الرجال، فهو متاح لهم في الفضاء العام، فهو ينتمي إلى جميع الرجال، ويبدأ هذا من صافرة الإعجاب إلى القاصرة في الشارع، التي لا تبدو ضارة، إلى الراشدة، مع الاغتصاب، مع أحياناً التعذيب والموت. فعندما نشرع بدفن النساء أحياء؛ لأنهنّ تعرّضن للاغتصاب، فنحن على طول الموجة نفسه، فمن الفتاة القاصر إلى الراشدة لا يوجد سوى تباين بسيط في الحدّة.

مساحة الشارع ليست أنثوية

لكن عند الرجل الغربي الذي يصف نفسه بالديمقراطي والحداثي، هناك دائماً فكرة أنّ المرأة خير لها أن تمكث في المنزل وأنّ جسدها، ما دام لا ينتمي إلى رجل آخر، فهو متاح لجميع الآخرين، لحماية هؤلاء النساء من هؤلاء الرجال، من الأفضل إخبارهنّ بعدم الخروج.

سواء كان الأمر صغيراً أم كبيراً، فالفكرة هي نفسها: النساء موضوع الرغبة، ولأنهن كذلك، فإنهن قابلات لأن يسيطر عليهنّ الرجال، أفضل طريقة لتجنب هذا، هو الاحتفاظ بهنّ في المنزل وحبسهن، سواء في المنزل أو تحت الحجاب.

"الفكرة شائعة في كلّ تاريخ البشرية: النساء أجساد، وأرحام، ومواد، ومراجل" والجسد الأنثوي كان إذاً تحت تصرف الرجال؟

نعم، وذلك بقصد جعلهنّ ينجبن، تمتد هذه الفكرة عبر تاريخ الإنسانية: النساء أجساد، أرحام، مواد، أواني طهي، الاستعارات الطهوية التي نجدها في إفريقيا أو اليونان، لشرح دور القدر الذي يطهو فيه الرجل أثمن ما عنده، والحصول على سليل، من هنا يحدث انزلاق خطير في الفكر الذي يكاد يكون بديهياً: الرجال لديهم السلطة والحق المطلق على جسد المرأة، النساء ينظر إليهنّ على أنهنّ فتيات صغيرات وأطفال، خاضعات خانعات، يقال في العديد من المجتمعات: إنّ صلة الرجال بالنساء، كصلة الآباء بالأطفال، وصلة الأكبر بالأصغر سناً، فهم إذاً متفوقون، وهنّ أقل شأناً، كل شيء يحدث على هذا النحو، مع هذا التصور، حتى يتمكن للرجال من الحقّ في جسم المرأة.

لعبة الجينات الطبيعية

تمنح بصورة تفضيلية، لهذا الجنس أو ذاك، مكونات شمولية؟

نعم، هذا هو أساس بناء النوع، النوع هو ما ننتظره من هذا الجنس والآخر وفقاً لثقافة معيّنة، لا شيء أكثر من ذلك، لكنه يعمل بقوة للغاية، خذ مثالاً في وسائل الإعلام؛ عندما يتم الحديث عن مكان المرأة أو الرجل في المؤسسة، كثيراً ما نحن نعلن أنه من الجيد توظيف المزيد من النساء، لماذا؟ لأنّنا نقدر "الصفات الأنثوية" التي يجلبنها إلى إدارة المؤسسة: الاهتمام الذي يولينه لعمل الآخرين، على سبيل المثال، لكن تظل القدرة على اتخاذ القرار، أو احتلال مكان القائد من الصفات المدرجة كصفات يملكها الذكور في المقام الأول، إذا كان التكافؤ هو المبدأ، فإنّ القيادة تعود دائماً إلى الرجل الذي يُنظر إليه على أنه أفضل لقيادة المشروعات، والحال أنّ الصفات الحقيقية، يمتلكها الرجل والمرأة بالتساوي، من خلال لعبة الجينات الطبيعية.

البرمجة التعليمية أمر حاسم في هذه التصورات التي تستمر؟

نعم، لقد قدّمت المعاينة التاريخية والأنثروبولوجية بالقول إنّ أجساد النساء متاحة للرجال. وهذا، مع تسلسل آلاف السنين، أدى إلى مصير معيّن، وهذا الموقف ظلّ مستمراً، وكانت النتيجة الثقافية والاجتماعية رهيبة: إنّها الاستحالة بالنسبة إلى النساء أن يقرّرن ما يحدث لأجسادهن، كلّ عملي يقوم على الكشف عن الكيفية التي تصوَّر بها النساء "صغيرات"، وفي أفضل الأحوال أشياء يجب حمايتها، وفي أسوأ الأحوال أشياء للاستغلال، لا أشياء مثل مزهرية، رغم أنّ النساء يشبّهن أحياناً بـ "الأواني الفخارية"، لكنّني أعني "الشيء"، حيث إنّ النساء لسن بعدُ، موضوع حياتهنّ الخاصة، لا بدّ من وقت طويل قبل الوصول لتحقيق ذلك، حالة المواطن الذهنية يجب أن تتغير.

من الضروري التمكن من العودة إلى قراءة معتدلة للنصوص المقدسة

صور نمطية عن المرأة

لكن يجب أن نلاحظ أيضاً تقدم المساواة، المجتمعات تطورت.

إذا كانت الأمور قد تغيّرت في الدول الغربية، فبطبيعة الحال؛ ما يزال الوضع مروّعاً في كل مكان آخر؛ ففي جزء كبير من الإنسانية، لا تستطيع النساء أن يقرّرن اختيار أزواجهنّ، ولا عدد الأطفال الذين سيلدنهنّ، أو متى، أو كيف. فلا خيار أمامهن سوى المعاناة، فهنّ لا يملكن حقّ منع الحمل أو تحديده، ولا يمكنهنّ الكشف عن أجسامهنّ عند الضرورة، خاصة لأطباء ذكور، ولا يسعهنّ الحصول على العلاج بحرية في بعض المجتمعات. خضوعٌ مزدوج: جسدك ليس ملكك، واستحالة وصول النساء إلى المعرفة؛ لأنه، رغم أنّ اليونسكو تُخبرنا بأنّ هناك زيادة مطردة في تعليم الفتيات، يجب أن نكون حذرين: الإحصائيات التي نحصل عليها يجب أن تأخذ في الاعتبار ليس فقط الدخول إلى المدرسة، لكن التخرج أيضاً. نكتشف أنهنّ في بعض الأحيان لا يمضين سوى عامين فقط في المدرسة الابتدائية؛ حيث يتم إخراجهن في وقت مبكر، حتى لا "تُشوّههن التربية والتعليم" كثيراً، بحيث يمكن تزويجهنّ وفق التقاليد.

اقرأ أيضاً: أمثال تمتهن النساء: ما سر تواطؤ الإرث الشفوي ضد المرأة؟

في بلادنا الغربية، هناك ظاهرة ما تزال قوية: عدم المساواة في وصول المرأة إلى أوضاع السلطة، الصعود في السلم المهني أو السياسي ما يزال صعباً، ما يزال هناك الكثير مما يجب القيام به، إنّ هذا الظلم وعدم المساواة موازيان لنظام من التصورات العقلية، وهو نظام دائم من الاحتقار والتشويه، الصور النمطية عن النساء جدّ عنيدة: "تافهة"، "كسولة"، "هشة"، "كاذبة"، "غزلية"، "لا يمكن التنبؤ بها".

أي صلة في رأيك بين الدين الإسلامي و"الإسلاموية"؟

هناك الرحم نفسها، لكن إذا أمكننا أن نوقف أحدهما، فسيكون أمراً جيداً، سأحاول شرح ذلك؛ إنها الرحم نفسها في اعتبار أنّ ما يسمى بالنصوص المقدسة يجب أن يُتّبع حرفياً، لأنّه لا شيء يتحرك، حتى بإضافة تفسيرات أصبحت شديدة التعسف، هكذا لا يقال أبداً في نصوص القرآن الكريم إنه يجب على المرأة ارتداء الشادور، الذي يجعلها غير مرئية تقريباً، إنها طريقة لسحب الخيط نفسه للذهاب إلى نهاية ما أسمّيه بالاحتجاز النهائي للنساء من أجل الاستحواذ عليهن.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (15): انتهازية التعامل مع المرأة

إنها الرحم نفسها، لكن ببساطة، سيكون من الضروري التمكن من العودة إلى قراءة معتدلة للنصوص المقدسة، سواء القرآن الكريم، أو الإنجيل، أو الكتاب المقدس. لكن في الوقت الحالي؛ إنّ التفسيرات الخاطئة للقرآن هي التي تحتل الصدارة على المسرح؛ لأنّه المكان الذي يوجد فيه أكثر الإساءات والتجاوزات وضوحاً، هذا لا يعني أنه لا توجد إساءات وتجاوزات في الأصوليات الدينية المسيحية، في هذه اللحظة، مقدّمة المشهد يحتله هذا الخوف التاريخي العظيم الذي يصاحبه الهجرة إلى أوروبا؛ حيث ينظر إلى الجميع من قبل مواطنينا بالطريقة نفسها، وبشكل لا لبس فيه، كإسلاميين غضوبين محتدّين.

عن "marianne"

 

هامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) خلال احتفالات رأس السنة الميلادية، في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2015، تم الإبلاغ عن حالات سرقة واسعة الانتشار، واعتداءات جنسية مزعومة، بما فيها التلمس، وزعم وقوع حادثتي اغتصاب على الأقل في ألمانيا، وبشكل أساسي في كولونيا، كما وقعت عدة حوادث في هامبورغ وفرانكفورت، واحدة في شتوتغارت، وسرقة في بيلفلد، واعتداء جنسي مزعوم في دوسلدورف، إضافة إلى ذلك، أفيد عن اعتداءات مماثلة في النمسا، وفنلندا، وسويسرا، والسويد. أسفرت الاعتداءات عن بداية نقاش في المجتمعين؛ الألماني والأوروبي، حول حقوق النساء والأعراف الثقافية والاختلافات بين أوروبا والدول الإسلامية، والعلاقة بين الهجرة والجريمة.

وقال مدير شرطة كولونيا، فولفغانغ ألبرس، الذي أقيل بسبب طريقة تعامله مع الوضع، لـ "بي بي سي": إنّ منفذي الاعتداءات الجنسية كانوا من أصول عربية وشمال إفريقية، وسمّى هذا الحادث "بعداً جديداً تماماً للجريمة"، وكشفت الشرطة لاحقاً أنّ 18 من بين 31 مشتبهاً بهم تعرفت عليهم الشرطة الفدرالية في ليلة رأس السنة، كانوا طالبي لجوء ويشتبه في تورطهم في أعمال أذى جسدي خطير وسطو وسرقة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: