فتوحات أم استعمار؟!

فتوحات أم استعمار؟!

مشاهدة

07/06/2018

شغل موضوع الجهاد حيّزاً مهماً في كتب الفقه الإسلامي وأدبيات جماعات الإسلام السياسي، وقد اختلط في بحثه ودرسه النصّ بالتاريخ (مسيرة الدولة العربية الإسلامية)، وفصّل الفقهاء في تعريفه وأنواعه، بحيث تجلّى في نوعين اثنين هما: جهاد الدفع: الذي يتعلق بالدفاع عن الوطن (دار الإسلام) في حال تعرض لغزو خارجي، وجهاد الطلب: وهو طلب العدو في عقر داره (دار الكفر) حتى يُسلم أو يعطي الجزية أو يُقاتل، وتحقق هذا النوع من الجهاد في التاريخ الإسلامي عبر الفتوحات (الفتوح).

وإذا تتبعنا حركة الفتوحات التي قامت بها الدولة العربية الإسلامية، زمن الخلفاء الراشدين، مروراً بدولة بني أمية، وبني العباس والسلطنات التي تفرعت عنها، والدولة الفاطمية، وبني أمية في الأندلس، وصولاً إلى دولة آل عثمان الأتراك، نجد أنّها قد توسعت شرقاً في بلاد فارس وما تلاها من بلدان، وغرباً في  شمال المغرب وأوروبا، فضمت بذلك أراضي شاسعة إلى حكم المسلمين، كما جلبت أعداداً كبيرة من الأسرى والسبايا إلى حواضر الدولة؛ حيث تمّ اصطفاء السبايا كملك يمين، والمتاجرة بالأسرى في أسواق النخاسة كعبيد، كما صودرت خيرات البلاد المفتوحة لصالح الدولة الفاتحة، التي امتلأت خزائنها بالأموال الوفيرة.

على الناطقين بلسان السماء قراءة تاريخ انتشار الإسلام بعيون جديدة والتخلص من فقه التوسع 

والسؤال الذي يتبادر هنا: هل هناك فرق بين الفتح والاستعمار؟    

يجادل الناطقون بلسان السماء، والموقعون عن رب العالمين، ومن تشرّب نهجهم، بأنّ هناك فرقاً شاسعاً بين مفهوم الفتح والاستعمار، فما قام به المسلمون هو السيطرة على بلاد جديدة، بهدف نشر دين الله وتحقيق عدالة السماء! هذا رغم أنّ مفهوم الفتح يعني "التغلب والتملك"؛ أي ضمّ البلاد المفتوحة إلى الدولة الفاتحة، وهو عين مفهوم "الغزو" الذي يعني: "السير إلى العدو، ومحاربته، وقتاله في عقر دياره، رغم إرادة أهله، بينما يعني الاستعمار في نظر هؤلاء السدنة: احتلال شعب لشعب آخر لأغراض سياسية واقتصادية وعسكرية واستيطانية"؛ أي أنّه اعتداء على شعوب الأرض وهو على النقيض من الفتح!!

اقرأ أيضاً: كيف أصاب الناطقون بلسان السماء الإصلاح الديني بالشلل؟

إذاً، الجهاد الذي يتحقق عن طريق الفتوح، هو بغرض نشر دين الله، لا لاحتلال شعوب أخرى، وكلّ أرض فتحها المسلمون، أو سيطروا عليها، تصبح جزءاً من دار الإسلام، حتى لو خرجت لاحقاً نتيجة مقاومة أهلها واستردادهم لبلدهم، كما حدث في شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، حين غزاها المسلمون وضمّوها لدار الإسلام تحت قيادة بني أمية، وأطلقوا عليها "الأندلس"، التي هي عند إسلاميّي اليوم  "الفردوس المفقود"، أو (فلسطين الثانية)؛ حيث لا يزالون يطمحون بإعادتها إلى حضن دار الإسلام، بعد أن استرجعها أهلها من  العرب المسلمين، الذين حكموها لثمانمائة عام تقريباً!!

الفتوحات الإسلامية حتى لو كانت أقلّ ظلماً من باقي الفتوحات والاحتلالات تبقى في نهاية المطاف غزواً واستعماراً

لكن، كيف يتم هنا احتلال أراضي الغير، واعتبار ذلك واجباً مقدساً، بينما تعد حملات الفرنجة (الحملات الصليبية) قديماً، والاستعمار الأوروبي حديثاً، اعتداءً واحتلالاً يهدف إلى القضاء على الإسلام والمسلمين؟

نعم صحيح، ما قاله المستشرق غوستاف لوبون: "لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب"، لكنّه -في نهاية المطاف- فتح وغزو واستعمار، حتى لو كان أقلّ ظلماً من باقي الفتوحات والاحتلالات، هذا إذا سلمنا بسلمية كلّ الفتوحات؛ لأننا لو نبشنا في تاريخ بعض جهات الفتوح التي قام بها المسلمون، كالهند، على سبيل المثال لا الحصر، التي اجتاحها الغزنويون والغوريون وباقي السلالة المغولية التركية، لتبين لنا فداحة الأمر، وبشاعة حجم القتل الذي ارتكبه هؤلاء تحت ذريعة نشر الإسلام، بينما كان الهدف الحقيقي التوسع وتشييد الإمبراطوريات.

نعم، كان هناك فائض القوة التي تريد التوسع، وهو منطق الإمبراطوريات القديمة والحديثة، أما دين الله فيبلّغ بغير ذلك السبيل؛ فمعلوم لدى الجميع أنّ مئات الملايين من سكان شرق آسيا، كانوا قد دخلوا الإسلام عن طريق التجار العرب القادمين من اليمن، من خلال حسن التعامل، والتصاهر مع سكان هذه البلاد، دون اللجوء للجيوش والفتوح، وفي معرض ذلك يقول المؤرخ حسين مؤنس، في كتابه "الإسلام الفاتح":

"إنّ كلّ البلدان التي فتحت بالسيف انحسر عنها الإسلام، والتي فتحت بالدعوة السلمية ثبت فيها".

ضمّ العثمانيون أوروبا الشرقية لسلطنتهم بالقوة العسكرية والنتيجة إسلام القليل من أهلها وتضرر سمعة الإسلام 

وهذا يصدق على أوروبا الشرقية التي ضمّها العثمانيون لسلطنتهم بالقوة العسكرية، وكانت النتيجة إسلام القليل من أهلها، رغم حجم القوة التركية؛ بل إنّ سمعة الإسلام قد تضررت من عنف السلطنة تجاه الشعوب الأوروبية التي أصبحت ديارها جزءاً من دار الإسلام!

قد يبدو أن ما يطلق عليه الفتح أو الاستعمار يقوم على منطق التوسع والهيمنة والضمّ، وهذا شأن كلّ الإمبراطوريات، قديماً وحديثاً، وليست حالة تفردت بها الدولة العربية الإسلامية، وهذا لا يعيب الإسلام، بقدر ما يعيب الناطقين باسمه، لأنّهم يجعلونه؛ (أي الفتح واستعمار بلاد الآخرين) من الدين وفي سبيل الدين، وهو ما أدّى إلى شيوع مقولة "الإسلام انتشر بالسيف".

لذلك؛ على الذين ينطقون بلسان السماء، أن يقرؤوا تاريخ المسلمين، وكيفية انتشار الإسلام بعيون جديدة، حتى ينقذوا الدين من مكر التاريخ وأطماعه، ويخلصوه من فقه التوسع والاحتلال (الاستعمار) الذي يلعنونه ليل نهار.

الصفحة الرئيسية