عودة طالبان للحكم وسر سعادة فصائل الإسلام السياسي

عودة طالبان للحكم وسر سعادة فصائل الإسلام السياسي

مشاهدة

17/08/2021

عادت الأحداث فى أفغانستان لتتصدر المشهد الدولي مرة أخرى؛ فبعد عشرين عاماً من طرد حركة طالبان من حكم أفغانستان ها هي تعود وبقوة إلى العاصمة كابول، لكن هذه المرة دون قتال، العودة السهلة الهادئة دون أدنى مقاومة مع فرار الرئيس أشرف غني من البلاد، يطرح أسئلة حول المستقبل الغامض الذي ينتظر البلاد.

إنّ انسحاب الولايات المتحدة بشكل متسارع وبعد مفاوضات واتفاق مجهول البنود، لا يمكن اعتباره، بريئاً ولا تغلفه النيات الطيبة، كما لا يمكن اعتباره هزيمة مذلة لأمريكا ولا تخبطاً في سياساتها الخارجية، بل الأقرب أنه فخ سياسي جديد وضعته الإدارة الأمريكية في طريق كل من الصين وروسيا وإيران، بهدف تحويل جنوب آسيا وشرقها لغرفة عمليات إرهابية، أو على الأقل منطقة ملتهبة وبؤرة صراع استعداداً لدور وظيفي جديد يخدم مصالح واشنطن.

لم تعد المسألة كيف سيطرت طالبان، فكل الشواهد تؤكد أنّها كانت ستحكم أفغانستان، آجلاً أو عاجلاً، سواء بعد مقاومة مسلحة أو بعد استسلام سريع، سواء بعد معركة أو بعد اتفاق مسبق، ففي كل الأحوال وبمسار إجباري ستؤول السلطة فيه لطالبان.

وبعودة طالبان يصبح التساؤل المنطقي ماذا بعد أن تحكم الحركة؟ هل ستتمكن فعلاً من إدارة الدولة، أم ستغلب عليهم طباع أبناء التنظيمات المسلحة الذين يصلحون للمقاومة والكر والفر لا لإدارة الحكم، وهل ستتحول أفغانستان بعد سيطرة أمراء الحرب من السلطة، وعودة المرجعيات الدينية لفرض رؤيتها على الحياة العامة؛ إلى منطقة جاذبة للتنظيمات الإسلامية المسلحة وللفارين والهاربين من أحكام القضاء في موطنهم الأصلي، لتتحول إلى بؤرة توتر جديدة، ومدى تقبل العالم تحول كابول لعاصمة الإرهاب العالمي، وأنّ الإمارة الإسلامية القادمة ستتحول لمأوى الفصائل وحركات الإسلام السياسي المسلحة بتنوعها مرة ثانية، وما هو العدو الجديد الذي سيجتمع عليه أمراء الجهاد العالمي.

 

كل الشواهد تؤكد أنّ تقدم طالبان واستيلاءها على الحكم يثير قلق كثير من دول العالم، فقد تحصلت الحركة على ترسانة كبيرة من الأسلحة تمكنها من إثارة القلاقل في دول الجوار

 

نحن أمام تمكين طالبان من حكم أفغانستان، تمكين تسببت فيه واشنطن ولندن وبرلين وبقية العواصم المنخرطة عسكرياً في هذا البلد، نظراً للإهمال المتعمد في تقديم المعادل المدني الأفغاني لطالبان، فقد تشوق الشعب الأفغاني لفصيل أو تيار أو منظومة تحظى بشرعية شعبية، غير ملوثة بتهمة العمالة لأمريكا.

إنّ تجاهل إيجاد هذا التيار طوال العشرين عاماً الماضية، يعني تقديم الدولة على طبق من ذهب لطالبان، التي لم تفوت الفرصة فقامت بالتماسك التنظيمي والفكري، وقاومت عوامل التفتيت والتلاشي والذوبان في المجتمع، بل بسطت سيطرتها بكل بساطة في الأقاليم النائية والجبلية، التي بطبيعة الحال لا تحصل على خدمات مميزة من الحكومات المركزية المتعاقبة في كابول، فقامت الحركة بتضميد جراحها، ورويداً رويداً استعادة بعض قدراتها على مواجهة ومنازلة القوات الأمريكية والجيش الأفغاني، ومن ثم بدأت تضرب هنا وهناك من جديد، ومن انتصار إلى آخر حتى عادت للحكم، وبذلك تشكلت ملامح ثلاث تداعيات رئيسية.

الأول: تداعيات إقليمية ودولية

مخاوف دول وسط آسيا: كل الشواهد تؤكد أنّ تقدم طالبان واستيلاءها على الحكم يثير قلق كثير من دول العالم، فقد تحصلت الحركة على ترسانة كبيرة من الأسلحة تمكنها من إثارة القلاقل في دول الجوار، مما دعا رؤساء خمس دول للاجتماع لبحث مستقبل العلاقات المجهول مع طالبان، ففي 7 آب (أغسطس) الحالي، حسب جريدة الشرق الأوسط، اجتمع رؤساء خمس دول متاخمين لأفغانستان هم تركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان، وأعربوا عن قلقهم إزاء تأثير التطورات في أفغانستان على أمن منطقة آسيا الوسطى، كما أعلنوا أنهم سوف يواجهون هذا التحدي معاً، ورغم تأكيدات "طالبان" أنها لن تهدد أمن الدول المجاورة في آسيا الوسطى، إلا أنّ تدهور الوضع الأمني الواضح وانتشار الفوضى المسلحة في أفغانستان يشكل تهديداً في ذاته للمنطقة برمتها.

المخاوف الصينية ظهرت مبكراً: فبعد أن طرحت الصين رؤيتها الاقتصادية من خلال مشروع "الحزام والطريق" والذي يضم عدة مشاريع اقتصادية كبرى منها تشييد طريق رئيسي استراتيجي بين أفغانستان ومدينة بيشاور شمال غربي باكستان ومدينة كاشغر في الصين وهو مشروع اقتصادي ضخم يضم عدداً من مشاريع البنى التحتية بقيمة 62 مليار دولار، أدركت الصين أن ثمة عوائق ستقابلها، بعد سيطرة طالبان على أفغانستان أو بقائها كقوة عسكرية غير منضبطة يمكن أن تهدد المشروع، لذا قامت "بكين" بتوثيق علاقاتها بطالبان واستضافت وفداً منهم وأبرمت عدة اتفاقيات مع الحكومة السابقة.

وفي ظل صعود طالبان لم يعد الخوف من تصرفاتها غير المنضبطة بل من الدور الوظيفي لأفغانستان باستقبال الفصائل الإسلامية المختلفة والتي لا يمكن السيطرة عليها، مما يجعل المشروع على المحك، وخصوصاً أن تفجيراً وقع في باكستان قبل أسابيع من سيطرة طالبان على البلاد ضد حافلة تقل فنيين صينيين وباكستانيين كانوا في طريقهم إلى مكان عملهم لمتابعة مشروع سد "داسو" للطاقة الكهرومائية، وهو جزء من اتفاقية مشروع الممر الاقتصادي المشترك "CPEC التي عقدت العام 2014 بين الصين وباكستان.

المخاوف العربية: تتوجس الدول العربية خيفة من مشروع إعادة طالبان للحكم، نظراً لأن التجربة السابقة مع المجاهدين الأفغان ووجود عناصر عربية في صفوفهم، انعكست سلباً على أمن واستقرار كثير من هذه البلاد، وهي ذات المخاوف اليوم، أن تتحول أفغانستان إلى ملتقى للجهاديين، ويلاحظ صمت الدول العربية وعدم التعليق على ما يحدث سلباً أو إيجاباً، وكأنهم يترقبون سير الأحداث.

عزلة سياسية: من المستبعد أن تقيم دول الجوار أي تبادل سياسي مع حكومة طالبان، ومن المتوقع أن تعيش الحركة عزلة سياسية مع العالم العربي والإسلامي، نظراً لما تتسم به من جمود وتطرف قد يكون عبئاً على العملية السياسية.

الثاني: تداعيات داخلية.. الرعب يسود الشعب الأفغاني

رغم محاولات طالبان تهدئة الشعب الأفغاني بتقديم نفسها كحركة إسلامية وسطية معتدلة إلا أنّه لا يمكن تصديق هذا الادعاء؛ فما قاموا به في الساعات الأخيرة في المدن التي اقتحموها لا يمكن أبداً أن يبشر بأن ثمة تغييراً في الفكر أو السلوك أو طريقة التعبير عنهما، فالحركة مثلها مثل أي حركة راديكالية دينية تسعى لتطبيق ما تراه إسلامياً ولا تتقبل الرأي الآخر، ولا تتحمل المعارضة، ولا ترى مكاناً للنساء إلا في المنازل لخدمة المجاهدين أو للترفيه عنهم أو لإنجاب أبناء لهم.

تراجع في الحريات العامة: يخشى كثير من الأفغان أن تعود طالبان لممارساتها الوحشية السابقة المتصلة تحت ذريعة فرض أحكام الشريعة، ففي فترة حكم الحركة بين 1996 و2001 لم يكن يُسمح للنساء بالعمل، وكانت تُطبق عقوبات مثل؛ الرجم والجلد والشنق، وليس من المنتظر أن تتراجع الحركة عن هذه الممارسات التي تسعى جميع الفصائل الإسلاموية إلى تطبيقها.

تدهور أمني: من المنتظر أن تشهد أفغانستان تدهوراً أمنياً لا يصل إلى حالة الحرب الأهلية، فالقوات الحكومية الأفغانية (الأمنية والعسكرية) قد تخلت عن مواقعها وانسحبت، وقوات حركة طالبان قليلة العدد ضعيفة التسليح لن تتمكن من بسط سيطرتها وتأمين كافة الولايات في المقابل، وهناك جماعات وتنظيمات إرهابية أخرى ستتنافس مع طالبان على الحكم، فضلاً عن دور القبائل والميليشيات المسلحة التابعة لها.

كساد اقتصادي وفشل الدولة: بعد سيطرة طالبان شهدت البنوك ومحلات الصرافة حركة كبيرة لسحب الودائع، مما أدى لنقص السيولة النقدية اللازمة، وأغلقت بعض البنوك أبوابها. وكان من المقرر منح صندوق النقد الدولي قرضاً لأفغانستان يقدر بـ370 مليون دولار لإنقاذ الاقتصاد، بيد أن ذلك ربما لا يتحقق حالياً، مما سيؤدي لكساد الاقتصاد الرسمي للدولة.

الثالث: تداعيات تخص الحركات الجهادية

ترحيب إسلامي: مثّل سقوط كابول في يد طالبان انتصاراً مهماً للحركات الاسلاميوية، جاء في توقيت تعاني فيه فصائل الإسلام السياسي المسلح من هزائم متتالية في الدول العربية، كان آخرها في تونس، وأول من رحب بعودة طالبان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أسسه الدكتور يوسف القرضاوي ويرأس الاتحاد هذه الدورة المغربي الشيخ أحمد الريسوني فقد قال: "إنه سبق وأن هنأنا طالبان على الاتفاقية التي تخرج بمقتضاها القوات الأمريكية والأجنبية من أفغانستان"، مضيفاً "كان هذا الانتصار الأول والأكبر والأساسي، والذي سمح بإخراج القوات الغازية الأمريكية والأوروبية، وهذا إنجاز أفغاني محض جاء بفضل جهاد مستمر وصبر وتضحيات".

 

تتوجس الدول العربية خيفة من مشروع إعادة طالبان للحكم، لأن التجربة السابقة مع المجاهدين الأفغان ووجود عناصر عربية في صفوفهم، انعكست سلباً على أمن واستقرار كثير من هذه البلاد

 

تحويل أفغانستان لملتقى جهادي: من المتوقع أن تستقطب أفغانستان هذه الجماعات كلها، لاسيما في ظل مطاردة أجهزة الأمن للعديد من عناصر تلك الجماعات والاتفاقات الدولية التي تجبر قوى إقليمية بترحيل الميليشيات المسلحة الى مكان آخر، أخطر هذه التنظيمات ميليشيا الحزب التركستاني الإسلامي، الموجود حالياً في سورياً، ففي حال عودته سيكون ذلك إيذاناً ببدء المناوشات مع الصين تحت مزاعم مناصرة الأقلية المسلمة "الأيغور" التي تعاني من ممارسات قهرية من قبل السلطات الصينية.

 رغم عدم التوافق بين داعش وطالبان فهناك خلافات فكرية بينهما، ونشبت العديد من المواجهات العسكرية بين طالبان وتنظيم "ولاية خراسان" ممثل "داعش" بأفغانستان، إلا أنّهم سيعملون ضد العدو الجديد، وتظل الخلافات قائمة لتكون سبباً لإضعاف شوكة بعضهم بعضاً.

من المهم التأكيد على أنّ خطورة طالبان ليس في قوتها، ولكن في تبنيها لمشروع الإسلام السياسي المسلح، الذي يؤمن بفرض الرأي بقوة السلاح، والتي تتفق فيه مع غالب الحركات الإسلامية، وأنّ العدو القريب المتوقع أن تصنعه طالبان هو الصين، وأن الميليشيات المسلحة الإسلاموية تحمل في ذاتها عوامل فنائها بالتناحر والاحتراب الداخلي نظراً لاختلافاتهم العقائدية والفكرية والفقهية.



الصفحة الرئيسية