عندما تنهزم الأيديولوجيا…

عندما تنهزم الأيديولوجيا…

عندما تنهزم الأيديولوجيا…


26/08/2026

هاني سالم مسهور

لم يسقط الاتحاد السوفيتي عندما خسر معركة عسكرية، ولم تدخل الدبابات الأميركية موسكو كي تنزل العلم الأحمر عن الكرملين، كانت الترسانة النووية السوفيتية قادرة على إحراق العالم مرات، وكان الجيش الأحمر واحداً من أضخم الجيوش التي عرفها التاريخ، لكن الإمبراطورية خسرت معركة أكثر قسوة، معركة لا يستطيع الصاروخ أن يحسمها ولا تستطيع الدبابة أن تخيفها وهي الاقتصاد، عندما أصبح المشروع أكبر من قدرة المجتمع على تمويله، بدأت الأيديولوجيا تأكل نفسها، وحين فقد المركز قدرته على شراء الصمت في الأطراف لم تسقط الشيوعية وحدها، تحركت الخرائط وخرجت من الاتحاد السوفيتي خمس عشرة دولة، لم يكن الجوع منظّراً سياسياً، لكنه كان أكثر إقناعاً من آلاف الخطب.

هذه هي الزاوية التي تستحق أن نقرأ منها إيران اليوم، الحرب الأميركية لم تسقط الدولة الإيرانية، والحرس الثوري ما زال يمتلك السلاح، ومضيق هرمز ما زال يمنح طهران قدرة هائلة على إيذاء العالم، لكن شيئاً أكثر عمقاً أصيب في قلب الجمهورية الإسلامية، الأيديولوجيا التي جاء بها الخميني عام 1979 أصبحت أغلى من قدرة الاقتصاد الإيراني على تمويلها، السؤال الذي يطارد طهران لم يعد كم صاروخاً تستطيع إنتاجه، وإنما كم عاماً يستطيع الإيراني أن يدفع ثمن الثورة من خبزه وكهربائه وعمله ومستقبل أبنائه.

الخمينية لم تكن نظام حكم فقط، كانت مشروعاً يريد أن يجعل إيران أكبر من إيران، صنعت “تصدير الثورة”، ثم “فيلق القدس”، ثم “محور المقاومة”، ثم “وحدة الساحات”، الكلمات كانت تتمدد كلما تمددت الجغرافيا، صار لطهران نفوذ في بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء وغزة، وأصبحت حدود الجمهورية الإسلامية السياسية أبعد كثيراً من حدودها الدولية، دفعت إيران مليارات الدولارات لبناء هذه الإمبراطورية غير المعلنة، وحمل الإيراني فاتورة مشروع قيل له إنه يحمي الثورة، بينما كان يستهلك الدولة التي أنجبتها والآن تعود الفاتورة إلى صاحبها.

الضغط العسكري أصاب القدرات، والحصار يضغط على النفط، والعقوبات تلاحق المصارف وشركات الشحن وشبكات التمويل، والدولار يتحول إلى جدار حول الاقتصاد الإيراني، حتى الدول التي أتقنت العيش في المنطقة الرمادية، مثل تركيا، تجد نفسها أمام سؤال شديد البساطة وهو كم تستحق إيران إذا كان ثمن التجارة معها المخاطرة بالوصول إلى النظام المالي العالمي؟،  الصين تستطيع أن تمنح طهران بعض الأكسجين، وروسيا تستطيع مساعدتها عسكرياً، وشبكات التهريب تستطيع فتح ثقوب في الجدار، لكن الثقوب لا تصنع اقتصاداً، هنا يصبح الخبز أكثر خطورة من الصاروخ.

يمكن للحرس الثوري اعتراض طائرة، وقمع مظاهرة، وإغلاق شارع، ويمكنه تهديد ناقلات النفط، لكنه لا يستطيع اعتقال التضخم، لا يستطيع وضع العملة المنهارة في زنزانة، لا يستطيع إصدار أمر عسكري للأسعار كي تتراجع، وعندما يصبح المواطن مضطراً إلى الاختيار بين ضروراته اليومية وتمويل ثورة عمرها نصف قرن، تبدأ الأيديولوجيا بخسارة أكثر معاركها قسوة وهي معركة المعنى.

لهذا لا تبدو عملية فصل الساحات التي تجري حول إيران تفصيلاً منفصلاً عن الحرب الاقتصادية، لبنان أمام استحقاق السلاح، والعراق أمام سؤال الميليشيات، وسوريا خرجت من المعادلة الإيرانية القديمة، وغزة لم تعد قادرة على أداء الوظيفة ذاتها، هناك تدرج يمكن رؤيته، افصل الساحات عن المركز، أغلق طرق التمويل، حاصر اقتصاد الميليشيا، أعد السلاح إلى الدولة، ثم أعد طهران إلى داخل إيران، لكن ماذا يحدث عندما تعود إيران إلى داخل إيران؟.

هنا يبدأ السؤال الذي حاولت الجمهورية الإسلامية دفنه تحت ضجيج “وحدة الساحات”، إيران ليست كتلة بشرية متجانسة، وإنما دولة متعددة القوميات والهويات واللغات والمناطق، فيها الفرس والأذريون والأكراد والعرب والبلوش والتركمان وغيرهم، استطاعت الدولة المركزية المحافظة على تماسكها عبر أدوات متعددة امتدت من الهوية القومية إلى القبضة الأمنية والمؤسسة الدينية والمصالح الاقتصادية، فإذا ضعفت الأيديولوجيا، وتراجعت قدرة المركز على توزيع الموارد وشراء الولاءات وفرض السلطة، فقد لا تكون أزمة إيران المقبلة سؤال من يحكم طهران فقط، وإنما سؤال العلاقة بين طهران والأطراف.

صحيح مع الحرب تمكنت الدولة من شدّ العصب لكن إلى حين، وهنا ينبغي استدعاء التاريخ بحذر، إيران ليست الاتحاد السوفيتي، وليست يوغسلافيا، ولكل دولة تاريخها وبنيتها وظروفها الخاصة، لكن الدرس الذي تركته الدول الأيديولوجية الكبرى يستحق التأمل وهو عندما تتكسر الفكرة التي تمنح المركز شرعيته، وتضعف القوة الاقتصادية التي تموله، تصبح الجغرافيا السياسية جزءاً من الأزمة.

ومن هذه النقطة يظهر السؤال الأحوازي، الأحواز بالنسبة لأمن الخليج العربي ليست مجرد قضية قومية يمكن وضعها في هامش النقاش الإيراني، موقعها على الضفة الشرقية من الخليج العربي، وثقلها في جغرافيا الطاقة، يجعلان مستقبلها جزءاً من أي تفكير طويل المدى في هندسة الأمن الإقليمي، ومن حق سكانها، مثل غيرهم من المجتمعات، أن يناقشوا مستقبلهم السياسي وحقوقهم وهويتهم عبر الوسائل السلمية والأطر القانونية التي تحمي إرادة السكان وتمنع تحويل الخرائط إلى حروب جديدة.

لقد اعتادت دول الخليج العربي طوال عقود النظر إلى أمنها من ضفتها الغربية ، على مدى نصف قرن ومن عهد الشاه والخليجييين في الضفة العربية في استعدادات  دائمة توثباً من الخطر الإيراني، لكن الجغرافيا تقول إن الأمن لا يتوقف عند الماء، ما يحدث على الضفة الشرقية يمس الضفة الغربية مباشرة، وقد أثبت هرمز أن بضعة كيلومترات من البحر تستطيع وضع الاقتصاد العالمي تحت رحمة قرار سياسي في طهران.

لهذا يصبح التفكير في إيران ما بعد الخمينية أوسع من تغيير المرشد أو تعديل الدستور أو تخفيف سلطة الحرس الثوري، قد يكون الشرق الأوسط مقبلاً على سؤال “إيرانات”،  ليس باعتباره قراراً ترسمه واشنطن على خريطة في غرفة مغلقة، ولا مشروعاً لفرض التقسيم بالقوة، وإنما احتمالاً سياسياً يمكن أن يخرج من داخل أزمة الدولة نفسها إذا طالبت مكوناتها بإعادة تعريف علاقتها بالمركز أو ممارسة حق تقرير المصير.

الولايات المتحدة قد لا تريد ذلك أصلاً، التجربة العراقية علمتها أن إسقاط الأنظمة أسهل من التحكم فيما يولد بعدها، ما يبدو أقرب إلى الاستراتيجية الأميركية اليوم هو شيء آخر وهو إنهاك المشروع الخميني، تفكيك أذرعه، خنق مصادر تمويله، إعادة السلاح إلى الدول، ثم دفع إيران إلى التحول من ثورة إقليمية إلى دولة طبيعية داخل حدودها،.

لكن التاريخ لا يطيع دائماً مهندسيه، غورباتشوف أراد إصلاح الاتحاد السوفيتي ولم يخطط لتفكيكه، الإصلاح فتح الباب، والاقتصاد المتعب وسّعه، والقوميات عبرت منه، ويوغسلافيا اكتشفت بصورة أكثر دموية أن انهيار المركز يستطيع إطلاق أسئلة الهوية والجغرافيا التي ظلت مؤجلة تحت سقف الدولة.

لهذا فإن المئة يوم المقبلة قد تكون مهمة، لكن السنوات التالية ستكون أهم، المعركة ليست على عدد الصواريخ الإيرانية وحدها، ولا على فتح هرمز أو إغلاقه، ولا حتى على مصير مجتبى خامنئي، المعركة الكبرى تدور حول صلاحية الجمهورية التي أنشأها الخميني للاستمرار بعد هزيمة مشروعها الاقتصادي والإقليمي.

إيران تستطيع إعادة بناء بطاريات الدفاع الجوي، وقد تعيد إنتاج صواريخها، وربما تجد أسواقاً سرية لنفطها، الشيء الأصعب هو إعادة بناء إيمان الإنسان بمشروع أصبح يطلب منه المزيد كلما أعطاه أقل، عندما يدخل الجوع إلى البيت، تفقد الإمبراطوريات قدرتها على إقناع الناس بأن اتساع الخرائط يعوض ضيق المائدة، وهكذا تبدأ اللحظة الأخطر، ليس عندما تسقط طهران، وإنما عندما تعود طهران إلى داخل حدودها، فتسمع الأصوات التي حجبها ضجيج الثورة طوال نصف قرن.

عندما تنهزم الأيديولوجيا، لا تسقط الشعارات وحدها، تستيقظ الهويات، تتكلم الأطراف، وتبدأ الخرائط في طرح أسئلتها القديمة من جديد، هذه لحظة كبرى في تاريخ العالم، دولة ولدت من إيديولوجيا تعاني جوعاً قاتلاً لذلك يبقى شكل خرائط إيران مفتوح على كل الاحتمالات كما هي المنطقة التي عليها أن تعيّ حقيقة أنها تغادر حقبة من التاريخ وتدخل في حقبة أخرى فلقد انتهت تماماً صلاحية سايكس بيكو المئوية.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية