علمنة الأفق الأخلاقي الإسلامي عند وائل حلاق: بين الإمكان والطوباوية

علمنة الأفق الأخلاقي الإسلامي عند وائل حلاق: بين الإمكان والطوباوية

علمنة الأفق الأخلاقي الإسلامي عند وائل حلاق: بين الإمكان والطوباوية


28/11/2022

ما حاول وائل حلاق القيام به هو إعادة إحياء التجربة الإسلامية الأخلاقية، بما هي تجربة قادرة على كسب الصفة الإنسانية الكونية، ومن هنا إمكانية علمنتها، بناءً على مطلب عدم استعارة المفاهيم الغربية؛ لأنّها مفاهيم تعكس صيرورة تاريخية، تترجم سياقاً مختلفاً عنا، إذن المطلوب حذف أكثر من قرنين من الاجتهاد التأملي العربي، والعودة إلى الوراء؛ لإيجاد نقطة الانطلاق التي تعبّر عنا، وتصلح في الوقت نفسه لغيرنا، فهي مصباح "علي بابا السحري" لإنقاد مآلات الحداثة الغربية، إذ يعيب على المفكرين استعارة المفاهيم الغربية، لكنّه يعمل على استعارة التجربة الأخلاقية لإعادة إحياء الحداثة في صيغتها الإنسانية.

هل يمكن القول إنّ عملية إعادة موضعة التجربة الأخلاقية الإسلامية، في سياق الراهن، نوع من العلمنة؟ هل آلية استرجاع التجربة الأخلاقية الإسلامية، وحذف التجارب التاريخية التي جاءت بعدها أمر ممكن تاريخياً؟  

مركزية النموذج الأخلاقي الإسلامي

 تقديم النموذج الإسلامي في شقه الأخلاقي، كنطاق مركزي قابل لتحقيق تجاوز لمطبات الإنسان ما بعد الحداثي الغربي، هو نوع من نماذج علمنة الجانب الثيولوجي الإسلامي  لتجاوز السياق الغربي. ويمكن القول إنّ إعادة بناء سياق التجربة الإسلامية التي اعتمدها وائل حلاق، مستفيداً من مفاهيم كارل شميث، هي عملية قد نسمّيها نوعا ما "علمنة" للقيم الأخلاقية الإسلامية، وفق أدوات معاصرة تستجيب لسياق توقعات الحاضر الإنساني، علمنة واعية بدورها في استلهام نموذج قيمي لسياق يعاني من تراجع القيم الأخلاقية؛ جراء المآلات ما بعد الحداثية، فهو لا يسعى للتخلي عن الحداثة، بل يسعى لإنقاذها بنطاق مركزي مستلهم من التجربة الأخلاقية الإسلامية. علمنة استقى معاييرها من القراءة المعاصرة لجيل ما بعد النيتشوية، التي تلخص أهمية الواقعة الدينية في بناء الأزمنة الحداثية.

وائل حلاق انطلق من سياق غربي ما بعد حداثي، ولم ينطلق من سياق حاضرنا، ومن هنا يكون قد أسقط على واقعنا أفقاً انتظارياً غربياً لا يخصنا، ولا يعبّر عن توقعاتنا

سنستعير هنا جملة كارل شميث الشهيرة: "كلّ مفاهيم نظرية الدولة الحديثة ذات المكانة مفاهيم ثيولوجية معلمنة". فالإطار السياسي الحداثي هو علمنة للمفاهيم الثيولوجية المسيحية، ومن هنا فالحداثة لا تترجم أيّ خطوة تقدمية كما كان شائعاً، بل إنّها عملت على علمنة المفاهيم الثيولوجية المسيحية بصورة ملتوية، الجوهر ديني والغلاف لا ديني. إنّ العلمنة هنا تحيل على معنى ترجمة أمينة للمفاهيم الدينية إلى مفاهيم دنيوية، دون إضافة تحفظ مشروعيتها التأصيلية، لذا وجب تجاوزها بنزع الالتواء، واستدعاء أيّ نطاق مركزي يعمل على تصحيح مسارها، وبالتالي تحقيق اكتماله، عبر استدعاء نطاق مركزي البعد الأخلاقي الذي تقدمه الشريعة، لسياق ما بعد حداثي مستلهم من حقل ثيولوجي يعوزه الجانب التشريعي، الهدف إعادة بناء علمنة مستوفية الشروط ومكشوفة الأصل، على خلاف العلمنة الغربية التي كان يعوزها الوازع التشريعي المستلهم من الدين؛ لضبط سلوكيات الكائن البشري التي تتوارى خلف إعلان تهميش الدين، وهي في جوهرها مستلهمة منه، وتعمل على تنزيل مفاهيمه وفق سياقها الدنيوي. إذن العملية تعكس نوعاً من استنساخ العلمنة في دلالتها السلبية أو التشكيكية، التي قادها مجموعة من المفكرين المعاصرين أمثال: كارل لوفيث، إريك فوجيلين، كارل شميث، وغيرهم.

مقاربة تعكس أفق انتظارنا

رغم أنّ المقاربة التي قدّمها وائل حلاق تفتح لنا إمكانية فهم تمثلاتنا حول الماضي والحاضر والمستقبل، فهو ربما عكس تمثلاتنا الماورائية حول التجربة الإسلامية؛ كنموذج إرشادي يظل حاضراً بين ثنايا الحاضر، حتى وإن غاب كواقع، إلّا أنّه بالمقابل عمل على تعزيز طوباويتنا الماضوية بصبغها بإمكانية الإحياء من جديد لواقع عربي لا يقبل باستبعاد النموذج الحداثي، بل يعتبره أفقه الانتظاري.

ويمكن القول:

-  إنّ التجارب التاريخية أحدها يوجد الآخر، لا يمكن أن نرسم انطلاقة تاريخية بمعزل عن السابق، ونحذف من تاريخنا أكثر من قرنين من التجربة التأملية، بغضّ النظر عن فشلها أو نجاعتها، تظل تجارب تعبر عن نمط تعاطينا مع سياقنا الزمني، فأمر القفز عليها يتطلب أرضية تاريخية مغايرة عمّا نحن عليه، وهو أمر غير متاح.

ما يدعونا إليه وائل حلاق أشبه بالخروج من التاريخ، والعمل على تقطيعه إلى شرائح، يتم استبعاد ما لا يصلح، والتأسيس لما يراه مناسباً

- الدعوة لإعادة إحياء التجربة الإسلامية في شقها الأخلاقي يجب أن تبنى على صورة واضحة لهذه التجربة، لأنّ وائل حلاق لم يقدّم صورة واضحة لهذا النموذج القابل للإحياء، بل لنقل إنّه قدّم تجربة تعكس نوعاً من الطوباوية التي ترضي أفق انتظارنا، أكثر ممّا تتماشى مع واقعها التاريخي، فهي تجربة يغلب عليها ملامح ما ترمي إليه من روح أخلاقية، دون أن تتواجد كبنية فعلية يمكن استلهامها لإعادة بناء سياق التجربة الإسلامية.

- التغافل عن سياقنا الراهن هو نوع من الطوباوية الماضوية، فوائل حلاق انطلق من سياق غربي ما بعد حداثي، ولم ينطلق من سياق حاضرنا، ومن هنا يكون قد أسقط على واقعنا أفقاً انتظارياً غربياً لا يخصنا، ولا يعبّر عن توقعاتنا، فما هو كائن، هو مجتمع يرغب في الحداثة ويعتبرها أفقه التوقعي لما هو آتٍ.

-  إحداث عتبة تاريخية جديدة رهين بطبيعة المسافة بين التجربة الراهنة وما نطمح إليه، فما يدعونا إليه وائل حلاق أشبه بالخروج من التاريخ، والعمل على تقطيعه إلى شرائح، يتم استبعاد ما لا يصلح، والتأسيس لما يراه مناسباً.

الصفحة الرئيسية