عدنان إبراهيم بين إشادات التنوير واتهامات الفتنة

5213
عدد القراءات

2018-06-04

اسمٌ يحمل من التناقضات ما يحمل؛ إذ يوصف بـ "الداعية"، "العقلاني"، "الدجال"، "المسيء للإسلام" فضلاً عن اتهامه بالتشيع، وصفات مختلفةٍ أخرى، اجتمعت في شخص رجلٍ واحد هو عدنان إبراهيم، المولود العام 1966 في مخيم النصيرات بقطاع غزة الفلسطيني، لتحط به رحال الحياة، كي يكون واحداً من أكثر مثيري الجدل، ممن يطلق عليهم تعبير "الدعاة الجدد".

بعد إتمامه دراسته الثانوية في غزة انتقل عدنان إبراهيم إلى العاصمة النمساوية فيينا ليدرس الطب

تمثل الإشكاليات الدائمة التي يثيرها عدنان إبراهيم نموذجاً قد يكون مختلفاً للأسئلة الكثيرة التي رافقت ظاهرة الدعاة الجدد، وهم يستخدمون أدوات التواصل الإعلامي والاجتماعي الحديثة، ويبتعدون أحياناً عن مضامين خطابات الإسلام السياسي والتيارات التقليدية؛ إذ يقدم نفسه داعية مثقفاً منفتحاً على كل الاحتمالات في طروحاته وهو يغرد خارج سرب القائلين بالمسلّمات، مما جذب نحوه سهام اتهامات لا تتوقف.

تحت بقعة الضوء

بعد إتمامه دراسته الثانوية في غزة، انتقل عدنان إبراهيم إلى العاصمة النمساوية فيينا، ليدرس الطب هناك، وترافق ذلك مع دراسة أخرى؛ هي العلوم الشرعية، التي حصّلها من كلية الإمام الأوزاعي بلبنان، وهو ما أهله فيما بعد، ليعمل مدرساً في الأكاديمية الإسلامية بفيينا.

تشكل دراسته المشتركة للطب كعلم جنباً إلى جنب مع العلوم الشرعية، أحد الأسس التي سوف يستند إليها الخطاب الديني الموجه إلى الناس من قبل إبراهيم، الذي كثيراً ما يتكئ على الفلسفة في تقوية حججه وآرائه خاصة في تفسير الأحاديث والقرآن الكريم والأحداث التاريخية الإشكالية في التراث الإسلامي.

يحاول إبراهيم الاعتماد في خطاباته على نظرياتٍ وأفكارٍ علمية تعد مرتبطة بالغرب وفق دعاة تقليديين

كما أنّه يحاول الاعتماد في خطاباته على نظرياتٍ وأفكارٍ علمية تعد مرتبطة  بالغرب أو "بدار الكفر" وفق ما روجه دعاة تقليديون لسنوات، فيستند إلى نظرية داروين التي قام بعمل سلسلة مصورة لشرحها مثلاً، ولا يؤمن بتنزيه الصحابة عن الأخطاء البشرية؛ بل يلجأ إلى المنطق ليكشف "أخطاءهم وعدم قدسيتهم" في بعض الأحيان بحسب خطاباته.

حديث عدنان إيراهيم عن نظرية التطور:

 

 

وانطلاقاً من مسجد الشورى في فيينا العام 2007، وهو مسجد تابع لجمعية لقاء الحضارات التي أسسها إبراهيم في العام 2000، ويرأسها منذ ذلك الحين، انتشرت خطاباته عبر موقع يوتيوب والمواقع الأخرى إلى العالم العربي، مشعلاً التساؤلات حول ما كان بعض الدعاة التقليديين يعتبرونه من المسلمات، ولا يأتي خطابه حول ما أسماه "دكتاتورية معاوية بن أبي سفيان" إلا في هذا السياق، كما أنه أثار عاصفةً على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حين قام بالترحم على عالم الفيزياء المعروف "ستيفن هوكنغ" بعد وفاته، حيث نقل موقع "سي إن إن" عنه محادثة مفترضة "بين الله وهوكنغ"، حاول فيها إبراهيم إظهار براءة العالِم من "الكفر".

اقرأ: إبراهيم وهوكنغ: جدل "الترحم" عليه.. كيف افترض عدنان إبراهيم حوار ستيفن هوكينغ "يوم القيامة؟"

لكن، هل يختلف إبراهيم بصورة كبيرة عن الدعاة التقليديين؟ فإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال محتملة، فإنّ الرجل الذي يتقن ثلاث لغات هي: الألمانية والكرواتية والإنجليزية، يمثل أحد الدعاة الذين انطلقوا من أوروبا، وليس من العالم العربي، مستفيداً بشكلٍ كبير، من "الربيع العربي"، والدعوات التي رافقته لتغيير مستويات الخطاب الديني وأدواته، بفعل ما لحق بالعالم العربي من أحداث.

تنوير أم كاريزما؟

في كتابه "ظاهرة الدعاة الجدد"، يرى الباحث المصري وائل لطفي، أنّ الدعاة الجدد يتميزون "بمظهر أكثر عصرية وخطابٍ أقرب إلى الشباب من حيث راهنيته".

ويضيف لطفي في كتابه المنشور عن مكتبة الأسرة المصرية في 2005، أنّ "الخطاب لدى الدعاة الجدد يخفت فيه الصراخ وأسلوب التخويف، كما أنه يميل إلى الفردية قليلاً والنظر في معضلاتٍ اجتماعيةٍ حالية".

بل وينزع لطفي إلى إطلاق تسمية "بروتوستانتية إسلامية" على شكل خطاب الدعاة الجدد، وهو ما يقود مباشرةً ومن جديد، إلى عدنان إبراهيم، بمظهره الواثق ومحاولته التنوع وشرح بعض المبادئ الفكرية والفلسفية للمتلقي، إضافةً إلى ما يبدو أنه جرأة في ظل خطاباتٍ مكررةٍ لدعاة تقليديين.

خطابه يبدو جريئاً مقارنة بالخطاب التقليدي فهو يتهم معاوية بالدكتاتورية ويستخدم المنطق في كشف أخطاء بعض الصحابة

ويأتي صاحب أفكارٍ مثل القبول بتعددية المذاهب دون تكفيرها، والتشكيك في "تفسير بعض الأحاديث" ليلمع من باب الاختلاف مع ما هو سائد، بصفته داعيةً، اتهمه البعض أنه جاء من "الغرب"، ومعه خطاب متأثر بالمسلمين المقيمين في القارة العجوز، مثلما فعل الداعية والخطيب المغربي عبد الله النهاري، الذي قال في مقابلة مسجلة على قناته بموقع يوتيوب بتاريخ 19 آب (أغسطس) 2015 إنّ إبراهيم: "فتن شباب المسلمين في دينهم، بأفكاره التي تضرب قطعيات الإسلام، وبعدما ظهر على الناس يبحث عن شهرة دنيوية زائلة، حصل عليه على أعراض أمنا عائشة وصحابة رسول الله، ذهب لاستغلال شيوعه بين الناس لتنفيذ مشروعه الإستراتيجي الشيعي، بعدما اختلط البقر عليه واعتنق سياسة الفوضى المنظمة، سياسة الصهاينة، حتى يقلل من شأن آهل السنة والجماعة".

عبدالله النهاري متحدثاً عن إبراهيم:

 

 

أما إبراهيم، فيصف نفسه على أنه أشعري العقيدة، شافعي المذهب، وينطلق من هذا الأساس مثيراً الجدل بقوة، حين يتحدث عن "مشكلةٍ مع صحيح البخاري" مثلاً، أو حين يناقش بجرأةٍ حق "اليهود والمسيحيين بالاحتفاظ بدينهم دون أن يتم تكفيرهم".

إبراهيم يتحدث عن المسيحيين واليهود:

 

 

وبالعودة إلى الباحث وائل لطفي، فإنه يتهم الدعاة الجدد بـ"الاعتماد على بعد اقتصادي نفعي في استخدام الدين لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية خاصة"، ويأخذ عليهم ما يسميه في كتابه "استثمار خطاب العولمة".

بينما يرى أنّ إبراهيم يشكل حالة خاصة، من خلال خطاب الشيخ النهاري في حلقته المسجلة، بصفته شخصاً حاول "فرض كاريزما خاصة، وحاول الظهور بمظهر المخلِص للمسلمين من شيوخ الضلال، ويوصف أنه هزم علماء السنة في تخاذلهم، وبدا كرجل علم أكثر عصرية ودقة".

من جهته يرى المفكر اللبناني رضوان السيد، أنّه "لا شكّ أنّ الدعاة الجدد هؤلاء ليسوا ذوي دعوات جديدة أو متميزة في الإسلام، بل كان تميزهم حتى الآن أسلوبياً فقط، وهم في الغالب من ذوي الثقافة الدينية، لكنهم غالباً ليسوا من المتخصصين أو من خريجي المعاهد والجامعات الإسلامية، لديهم ثقافة دينية واسعة نسبياً، وهم يعرضونها بأسلوب خطابي جذّاب من حيث الإلقاء".

وصف عدنان إبراهيم بحجة الإسلام والدجال العلماني معاً كصفتين في غاية التناقض

وربما أن رؤية السيد، لا تنطبق كاملةً على عدنان إبراهيم، غير أنه يشير في مقالته المنشورة بصحيفة "الشرق الأوسط" عام 2012، إلى أن "أسباب ظهور الدعاة الجدد هو الردّ على التشدّد ضمن الصحوة أو الصحوات، والرد على نشر الروع والخوف من الدين في هذه الصحوات، وقد أثار اجتماع الناس من حول الدعاة الجدد حذر السلطات وتوجّسها في البداية.. لكن الدعاة لم يظهروا أي اهتماماتٍ سياسية".

أثبت عدنان إبراهيم أنّه يتعذر وضع الدعاة الجدد جميعهم في إطارٍ واحد، بقدر ما هو ممكن النظر إليهم كتجارب أو أفرادٍ منفصلين، مما يعني أن حاجتهم للكاريزما وحب الظهور كنجومٍ إعلاميين وحداثيين أحياناً، لا بد أن تبرز، كما لا بد لعلاقاتهم مع المتلقين أن تثير ردود أفعالٍ أكثر عنفاً من قبل دعاةٍ آخرين، يتنافسون فيما بينهم كأفراد من أجل الظهور.

أثبت إبراهيم أنّه يتعذر وضع الدعاة الجدد جميعهم في إطارٍ واحد بقدر اعتبارهم تجارب متمايزة

بصرف النظر عن وصفه "بحجة الإسلام"، و"الدجال العلماني" بين مؤيديه والمختلفين معه، لا يمكن إنكار أنه فتح الباب على مصراعيه أمام هز عروش بعض المسلمات من خلال خطاباته الأقرب إلى الفكر المعتزلي في الجدل.

عدنان إبراهيم كان ولا زال جزءاً من ظاهرة تثير الرأي العام والباحثين، وتتمحور غالباً حول الفرد وتوجهاته كحاملٍ للخطاب، لتلقي به في دوامةِ التقديس أو التنوير أو التكفير، حيث يغرق مضمون خطاب الداعية أحياناً، فيما العيون مشغولةُ بالداعية نفسه.

إبراهيم يتحدث عن البخاري:

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: