عجلات الضمّ تنطلق بسرعة: كيف سيتصرّف نتنياهو؟

عجلات الضمّ تنطلق بسرعة: كيف سيتصرّف نتنياهو؟

مشاهدة

28/05/2020

أعلن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أول من أمس، أن "التاريخ المحدد لبداية الضم هو الأول من تموز، ولا ننوي تغييره". وأن الأمر يتعلق بـ"فرصة لن نسمح لها أن تمر". ما المقصود بالضبط بـ"الضم"؟ بصورة عامة القصد من تعبير "ضم" أو "فرض السيادة" هو الإعلان عن مناطق تعتبر محتلة، حسب القانون الدولي، كجزء لا ينفصل من أراضي الدولة، التي تقوم بالضم، بالأساس من ناحية القضاء والقانون والإدارة التي تسري عليها، بدلاً من الحكم العسكري (أو باسمه الرسمي "الاحتلال بالقوة" المتبع حسب القانون الدولي في المناطق المحتلة).
بشكل عام القصد هو خطوة تتم بصورة أحادية الجانب من قبل الدولة المحتلة، وليس بوساطة المفاوضات واتفاقات سلام مع الطرف المحتل. هكذا مثلا، أعلنت إسرائيل في السابق عن ضم هضبة الجولان وشرقي القدس بواسطة خطوات أحادية الجانب على الأرض، وبمرافقة قرارات حكومية وتشريع في الكنيست. لم تعترف الأغلبية الساحقة في المجتمع الدولي في أي يوم من الأيام بذلك، إلى أن قامت الإدارة الأميركية الحالية، برئاسة دونالد ترامب، وغيرت في السنوات الأخيرة سياسة بلادها بهذا الشأن، واعترفت بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان والقدس، على الرغم من أنها أكدت بأن هذا الاعتراف لا يناقض من ناحيتهم مفاوضات مستقبلية على مصير هذه المناطق.
في هذه الأثناء، يريد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بدعم أميركي أيضا الإعلان عن سيادة إسرائيل في كل المستوطنات التي أنشئت في الضفة الغربية منذ العام 1967 بما في ذلك غور الأردن. أعلن نتنياهو ذلك مرات كثيرة خلال الجولات الانتخابية الثلاث الأخيرة. في البداية ركز على ضم غور الأردن، وبعد ذلك بدأ بالوعد بضم يشمل جميع المستوطنات في الضفة، طبقاً لخطة ترامب.

ما الذي تسمح خطة ترامب بضمه؟
على الورق، تقوم خطة ترامب على حل الدولتين، وترسم مستقبلا بعيدا تتعايش فيه جنبا إلى جنب دولة إسرائيل مع دولة فلسطينية. ولكن من ناحية المنطقة التي ستقام عليها كما يبدو هذه الدولة الفلسطينية، يدور الحديث عن منطقة مقلصة ومقطعة جدا عرضت على الفلسطينيين من قبل المجتمع الدولي. المبدأ الموجه للإدارة في هذا الشأن، حسب أقوال ترامب، هو "عدم إخلاء أي شخص من بيته". لذلك، تسمح الخريطة المرفقة بالخطة لإسرائيل بأن تضم جميع المستوطنات القائمة، إضافة إلى مناطق تحيط بها وطرق للوصول إليها.
حسب الإدارة الأميركية، يدور الحديث عن ضم إسرائيل لحوالي 30 في المئة من أراضي الضفة. ولكن خبراء يقدرون على أساس الخرائط التي طرحها حتى الآن نتنياهو والإدارة الأميركية بأن الأمر يتعلق فعليا بنحو 20 في المئة من الأرض، الى جانب "تبادل أراض وسكان" كما يظهر في الخطة في منطقة النقب والمثلث، والتي من غير الواضح هل لا تزال موجودة ضمن الخطة بعد أن حظيت الخطة بإدانة واسعة.
من المهم التذكير بأنه لم تنشر بعد خريطة مفصلة نهائية. شكلت الإدارة الأميركية لجنة مشتركة من إسرائيل والولايات المتحدة عملت منذ نشر الخطة على ترسيم الحدود الأكثر دقة. وحسب أقوال شخصيات أميركية رفيعة، هذه الخريطة جاهزة تقريبا. إضافة إلى ذلك وتحضيرا لنشر خطة ترامب أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في السنة الأخيرة، بأن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المستوطنات خرقا للقانون الدولي بالضرورة، بل إن إسرائيل حرة في تحديد المكانة القانونية لنفسها، وتعترف الولايات المتحدة بذلك.

هل الضم مشروط بقبول دولة فلسطينية؟
حسب خطة ترامب وأقوال شخصيات أميركية رفيعة، منها وزير الخارجية الأميركي، فإن الضم الإسرائيلي مشروط بقبول كل الخطة، بالأساس بموافقة إسرائيل على التفاوض المباشر مع الفلسطينيين خلال أربع سنوات على الأقل. في هذه الفترة، مطلوب من إسرائيل تجميد أي بناء وأي هدم في المناطق المخصصة للدولة الفلسطينية، وربما أيضا في مناطق أخرى. تشمل الخطة أيضا إنشاء عاصمة فلسطينية في أحياء شرقي القدس وإطلاق سراح سجناء. كل هذه البنود تعارضها جدا قيادة المستوطنين، التي ترى في الخطة تنازلا كبيرا عن "حلم أرض إسرائيل الكاملة"، وهي مترددة في دعم الضم من خلال الأمل بأن ما بقي سيذوب. تشمل الخطة أيضا قائمة شروط طويلة للفلسطينيين، وكما حددها السفير الأميركي في إسرائيل، دافيد فريدمان، اذا تحققت فهذا يعني أن الفلسطينيين "سيتحولون الى كنديين".
مع ذلك، في الوقت الذي عادت فيه الإدارة وأكدت بأن على إسرائيل قبول كل الخطة من اجل الضم، عملت اللجنة الموكلة بترسيم حدود الضم، أي فعليا تستعد إسرائيل والولايات المتحدة لتطبيق الضم حتى بصورة أحادية الجانب، بذريعة أنه اذا أصبحت المنطقة أصلا إسرائيلية في الخطة المستقبلية وكان الفلسطينيون غير معنيين بالمفاوضات، عندها لا يوجد أي مانع كما يبدو لضمها من البداية. في هذا الشأن، تصرح الإدارة مرات كثيرة بأصوات مختلفة وحتى متناقضة. صهر الرئيس ترامب، جارد كوشنير، الذي قاد الخطة، يميل الى إطلاق رسائل مهدئة للعالم العربي تقول، إن الخطة هي رزمة واحدة، في الوقت الذي يطلق فيه السفير فريدمان في المقابل رسائل مهدئة لليمين في إسرائيل تقول إنه فعليا يمكن الضم حتى بصورة منفصلة عن الخطة.

متى سيحدث الضم؟
قال الأميركيون، مؤخراً، إنهم مستعدون لذلك (خلال أسابيع). وحسب الاتفاق الائتلافي بين "الليكود" و"ازرق - "ابيض" فإنه في الأول من تموز، أي بعد شهر، يمكن لنتنياهو أن يقدم الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة بشأن فرض السيادة للنقاش في "الكابنت" وفي الحكومة والمصادقة عليه في الحكومة و/أو الكنيست. أعلن نتنياهو، أول من أمس، في جلسة قائمة "الليكود" في الكنيست بأن "الموعد الهدف لبداية الضم هو الأول من تموز، ولا ننوي تغيير ذلك". وأن الأمر يتعلق بـ"فرصة لن نسمح لها بالمرور". من جهة أخرى، في جميع الاتفاقات الائتلافية فإن ماهية الاتفاق الدقيق الذي سيقدم للحكومة من اجل المصادقة عليه أو للكنيست ضبابية بصورة متعمدة. الشركاء في الائتلاف ملزمون بأي قرار يتفق عليه نتنياهو مع الإدارة الأميركية، سواء أكان ضما أو تأجيلا أو تطبيقا جزئيا أو تدريجيا. أي أنه ما زال من غير الواضح أي صورة بالضبط ينوي نتنياهو طرحها وتطبيقها.

التداعيات المحتملة للضم
منذ العام 1967 نفذت إسرائيل في أراضي الضفة الغربية نشاطات كثيرة تعتبر "ضما زاحفا" أو "ضما فعليا". مثلا من خلال توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية وربطها بإسرائيل بوساطة بنى تحتية، إلى جانب تقييد وهدم بناء فلسطيني في مناطق "ج" في المقابل وخطوات كثيرة أخرى. ستسمح الخطوة الحالية بصياغة هذا الواقع على الأرض، بصورة قانونية شرعية، لكن أيضا تعميقها.
في المقام الأول، سيكون بالإمكان استبدال الحكم العسكري بقانون وإدارة إسرائيلية. بصورة مبدئية، اليوم، الجيش هو السلطة القانونية العليا في "المناطق"، وفوقه توجد وزارة الدفاع. هذا من خلال الاستناد إلى القانون الذي كان قائما في المنطقة قبل الاحتلال الإسرائيلي. مع ذلك، في إطار "الضم الزاحف" يسري القانون الإسرائيلي فعليا على المستوطنين انفسهم (وليس على الفلسطينيين الموجودين في المنطقة ذاتها).
ربما أن الضم الإسرائيلي سيشكل صياغة قانونية للوضع القائم الذي يوجد فيه نظامان قانونيان منفصلان لليهود وللفلسطينيين. ولكن ربما يتضمن ايضا فرض القانون الإسرائيلي على مناطق كثيرة يعيش فيها، اليوم، فلسطينيون، عددهم يرتبط بالخريطة النهائية. في هذا الوضع تطرح أسئلة صعبة بخصوص مكانتهم: هل ستمنحهم إسرائيل الجنسية؟ تداعيات أخرى، على سبيل المثال، ستكون على أصحاب الأراضي الفلسطينية التي سيتم ضمها، والذين يمكن أن يفقدوا نهائيا ممتلكاتهم الخاصة. وحسب د. شاؤول اريئيلي، يدور الحديث عن نحو 23 في المئة من الأراضي المضمومة.
مسألة أخرى هي قانون الأساس: يحتاج الاستفتاء، الذي بحسبه التنازل عن مناطق فيها يسري القانون الإسرائيلي، الى مصادقة 80 عضو كنيست على الأقل أو إجراء استفتاء. حتى الآن لم يشمل هذا القانون الضفة الغربية؛ لأنه لم يسر هناك رسميا القانون الإسرائيلي. إن شمل الضفة الغربية في القانون سيصعب جدا على تنازلات مستقبلية في إطار اتفاقات سلام، إذا كانت هناك اتفاقات كهذه. وبسبب هذه التداعيات وغيرها من التداعيات الكثيرة الأخرى، فإنهم في اليسار يحذرون من أن الضم سيغلق فعليا الدائرة على حل الدولتين، ويؤدي إلى دولة واحدة تعرض للخطر الهوية اليهودية لإسرائيل، أو حكم "ابرتهايد" رسمي، (نظام فصل وتمييز عنصري).

كيف سيرد العالم؟
عند نشر خطة ترامب، رد كل العالم في البداية بدعم مبدئي متحفظ على إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات. ولكن بعد فترة قصيرة، وعند تزايد تصريحات الضم من قبل إسرائيل، عبرت معظم الدول عن معارضة شديدة لعملية أحادية الجانب، وهذا هو الخط البارز، اليوم، في النظام الدولي. أشارت معظم الدول الى أن ضما أحادي الجانب سيشكل خرقا للقانون الدولي، وسيكون بمثابة نهاية لحل الدولتين، ومعه احتمالية تقرير المصير الفلسطيني.
يقود الاتحاد الأوروبي المعارضة الدولية في هذا الشأن، إلى جانب الأردن الذي سيتضرر بالفعل من ضم غور الأردن ودول كثيرة في العالم الإسلامي تقف الى جانبه والى جانب الفلسطينيين. في الأردن، يقولون، إن الضم سيشكل خرقا لاتفاق السلام معهم. مع تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل بدأت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مناقشة العقوبات المحتملة على إسرائيل في حال قيامها بضم المستوطنات.

هل ستفرض أوروبا عقوبات على إسرائيل؟
مثل أي قرار في مجال سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية، تحتاج عقوبات رسمية على إسرائيل إلى إجماع كامل بين الدول الأعضاء. في السنوات الأخيرة لم ينجح الاتحاد في التوصل الى إجماع كهذا في أي موضوع تقريبا، وضمن ذلك أيضا بخصوص إسرائيل والفلسطينيين. دول مثل هنغاريا والنمسا، التي تعتبر مقربة من حكومة نتنياهو، تقطع الطريق مرة تلو الأخرى على بيانات وقرارات مشتركة ضدها.
ولكن هناك أيضا خطوات عقابية لا تحتاج إلى إجماع كهذا، وعلى رأسها إقصاء إسرائيل عن اتفاقات تجارة، منح، وتعاون. يعتبر هذا قرارا ضمن مجال ممثلية الاتحاد وليس ضمن السياسة الخارجية. توجد على الأجندة في هذه الأثناء اتفاقات في مجال الأبحاث والتعليم، التي يمكن أن يضر منع انضمام إسرائيل إليها جدا بالموارد الأكاديمية والعلمية. قرار كهذا يمكن تبريره ايضا بمنع انضمام دول أخرى، أي عقوبات غير رسمية.
خطوات أخرى كهذه يمكن أن تكون في مجال تعميق سياسة مقاطعة المستوطنات. مثلا، وسم المنتوجات. اضافة الى ذلك كل دولة يمكنها أن تقرر بصورة مستقلة القيام بخطوات ضد إسرائيل دون صلة بقرارات الاتحاد. مجموعة دول، على رأسها فرنسا، تفحص في الوقت الحالي القيام بذلك. من المهم أيضا رد ألمانيا التي بشكل عام تقف الى جانب إسرائيل في معظم المواضيع، لكن في هذا الامر تعارض الضم بشدة. في المقابل، أكد المسؤول عن العلاقات الخارجية في الاتحاد، جوزيف بوريل، عدة مرات بأن الطريق الى عقوبات كهذه "لا تزال طويلة". العجلات في بروكسل تتحرك ببطء شديد وبشكل دبلوماسي جداً، ومن خلال الإيمان بأنه من المهم الحفاظ على القنوات مع القدس مفتوحة بقدر الإمكان من اجل الحفاظ على موقف تأثير.

وموقف "أزرق - أبيض"
وقع "أزرق - أبيض" على اتفاق يمكن نتنياهو من أن يقدم خطة الضم من اجل الحصول على مصادقة الكنيست أو الحكومة. وهو تعهد أيضا بعدم إزعاج عملية التشريع إذا تم ذلك في لجان الكنيست. رئيس الحزب، بني غانتس، ووزير الخارجية، غابي اشكنازي، حرصا، مؤخراً، على التصريح فيما يتعلق بخطة ترامب بصورة تعبر عن دعم الخطة بمجملها وليس الضم كعملية أحادية الجانب بصورة منفصلة عن باقي مكونات الخطة.


مصدر الترجمة: نوعا لنداو- "هآرتس"/ نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

الصفحة الرئيسية