عبدالله رشدي.. لعبة إسلام السوق إلى متى؟

عبدالله رشدي.. لعبة إسلام السوق إلى متى؟

مشاهدة

26/07/2020

على هامش الخطاب الديني التقليدي ظهرَ السوق، وتجلّت الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة بتنويعاتها المتباينة، وقد استخدم أصحابها أحدث آليات التسويق لجذب الجمهور، ومن ثمّ تحقيق أكبر قدر من المكاسب، ما استلزم التماهي بشكل دائم مع ذائقة المستهلك، بإعادة إنتاج الخطاب الأصولي وتطويعه في سياق حداثي، يغازل الطبقة الوسطى، وفق أدوات الرأسماليّة وبنيتها اليمينيّة.

بالتزامن مع (رَسمَلة) المنتج الديني ظهر الدعاة الجدد وانتشر نوع من الخطاب الديني العصري من حيث الشكّل فقط

بالتزامن مع "رَسمَلة" المنتج الديني، ظهر الدعاة الجدد، وانتشر نوع من الخطاب الديني؛ العصري من حيث الشكل، شديد الرجعية من حيث الجوهر، ليصطدم مع المخرجات الإنسانية لأفكار الحداثة، وإن اتسق وبنيتها الرأسمالية، ما أدى إلى ظهور حالة من الجدل المستمر، صاحبت السيولة المفرطة في الفتاوى التي تميزت بها تلك المرحلة.

معطيات الموجة الأخيرة من إسلام السوق

مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وما حققته من انتشار كبير، تعدّدت المنابر، وتمدّد المجال العام الديني، وفق شروط فضفاضة، دفعت عدداً من الهواة والمغامرين إلى اقتحام دائرة الفتوى، وتحقيق جماهيرية بمعايير جديدة، ارتبطت بعدد المشاهدين والمتابعين، ومدى التفاعل الإيجابي مع ما يطرح من محتوى.

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً

انتعش السوق الافتراضي، الذي صاحب عاصفة "الربيع العربي"، وما أحدثته من تفكيك في البنى التقليدية، ما أسهم في إضعاف المؤسسة الدينية الرسمية، واتساع المجال التداولي لجملة من العناصر التي كرّست لخطاب يميل تجاه المحافظة والتزمّت، ويمارس أصحابه عنفاً رمزياً تجاه الآخر، وتمكّن هذا الخطاب المنفلت من إثارة حالة من الفوضى، أدّت إلى رواج السوق الجديد، وظهور نجوم (السوشيال ميديا) كبديل عن نجوم الفضائيات، بكلّ ما يعنيه ذلك من رأسمال مادي ورمزي.

حدّد رشدي جمهوره المستهدف واضعاً المتعصب التقليدي نصب عينيه وربط نفسه بمعايير سوق الفضاء الافتراضي

وعلى إثر تلك الموجة العاتية والمنفلتة، ظهر الداعية عبد الله رشدي محاكياً معايير هذا السوق، ليزرع عدداً من الألغام، انفجرت في تتابع، لتصنع حالة من الجدل، ما زالت تداعياتها مستمرة إلى الآن.

من المنبر إلى ساحة الجدل

بعد وفاة السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، طلب المصريون من زوجها أن يدفنها بينهم، وجمعوا له مالاً وفيراً فرفض، فباتوا في حزن عظيم، حتى خرج عليهم مستجيباً لرغبتهم، فلما سألوه قال: رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول لي: ردّ عليهم أموالهم وادفنها عندهم. ومن يومها أصبح مشهد السيدة نفيسة بمسجدها من المعالم الدينية المركزية في القاهرة، وحين اعتلى الداعية الشاب عبد الله رشدي هذا المنبر، بكلّ ما يحمله من دلالات دينية لدى جموع المصريين المحبين لآل البيت، سارع إلى توظيف هذا الرأسمال الرمزي لصالحه، بالتوازي مع ظهوره على فضائية الفجر وغيرها، قبل أن يواجه إسلام البحيري في المناظرة الشهيرة التي صنعت شعبية رشدي في أوساط المتدينين.

الشاب الحاصل على ليسانس الدعوة الإسلامية من كلية الدعوة الإسلامية، وليسانس الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، قرّر بعد أن حقق شهرة نسبية اقتحام عالم الفضاء الافتراضي، وتموضع كأحد أبرز الدعاة الجدد، وأكثرهم جدلاً، خلع رشدي عمامة الأزهر وجلبابه، مرتدياً الملابس العصرية، وتكرّر ظهوره في صالات الألعاب الرياضية (الجيم)، ليكسر هذا الحاجز المعنوي بين رجل الدين التقليدي والشباب، بارتداء ملابسهم، والتحدث بلغتهم، ومشاركتهم الاهتمامات نفسها، محاكياً هذا النمط البرجوازي، بحيث بات يمثل، لدى البعض، ذلك الفتى الجسور المدافع عن الدين، والمرابط عند ثوابته، يدفع عنه العلمانيين ومن على شاكلتهم، طالباً مناظرتهم، رافعاً سيف الدعوة، وهو يصيح في حماس يحاكي حمية عصور الإسلام الذهبية: هل من مبارز؟

تفجيرات متتابعة..

إنّ أيّ مقاربة لنموذج عبد الله رشدي تفضي بنا إلى نوع من التحليل النفسي المرتبط بالظهير الاجتماعي المؤطر لأيّ ظاهرة، فإذا كان دعاة التسعينيات قد نجحوا في اختراق الطبقة البرجوازية، وإعادة تكييف الدين، أو برجزته، لكسب جمهور جديد يمكنه إنعاش السوق، فإنّ رشدي بتركيبته المتعصبة أخذ جمهوراً جاهزاً، هو مزيج من بعض أبناء الطبقة الوسطى، وبعض المتعاطفين مع التيارات الإسلامية، وعدد ليس بقليل من خريجي الأزهر الذين يرونه خير ممثل لهم، بالإضافة إلى المؤمن التقليدي، الذي يرى في العلمانيّة شراً مطلقاً، وفي التشكيك في بعض ما جاء في التراث كفراً بواحاً.

رشدي بتركيبته المتعصبة أخذ جمهوراً جاهزاً وهو مزيج من بعض أبناء الطبقة الوسطى وبعض المتعاطفين مع التيارات الإسلامية

لكنّ الشريحة الأكبر من مؤيديه تنتمي في الغالب لمحدودي التعليم، ونجح رشدي في عسكرة تلك المجموعات، بمعنى تجييشها اجتماعياً من خلفه، من خلال زرع عدد من الألغام، فجّرها عن قصد، ليضمن تواجده وكسب المزيد من الأتباع من جهة، وليروجّ لخطاب المظلومية في مواجهة المؤسسات الرسمية التي سعت نحو ردعه، من جهة أخرى.

خلع رشدي عمامة الأزهر وجلبابه، مرتدياً الملابس العصرية

 منذ البداية، حدّد رشدي جمهوره المستهدف، واضعاً المتعصب التقليدي نصب عينيه، وربط نفسه بمعايير سوق الفضاء الافتراضي، مستهدفاً أيّ (تريند) لمسايرة جمهوره. ففي أيار (مايو) من العام 2017، أعلن رشدي في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) تأييده للشيخ سالم عبد الجليل، بشأن تكفير المسيحيين، فقرّرت وزارة الأوقاف منعه من اعتلاء المنبر، وتحويله إلى العمل بوظيفة باحث، لكنّه عاد بإصرار عبر صفحته على فيس بوك، إبّان الأعياد المسيحية، في 29 كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، مؤكداً أنّ "تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، مع الرضا بشعائرهم وتعظيم اعتقادهم، كفر لا نزاع فيه".

أعلن رشدي في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) تأييده للشيخ سالم عبد الجليل بشأن تكفير المسيحيين

وفي آب (أغسطس) من العام 2019، عاد رشدي إلى الخطابة من جديد؛ بقرار من المحكمة الإدارية، ومع ابتعاده نسبياً عن دائرة الضوء، قرّر الصدام مرّة أخرى، ليشارك في الجدل الذي أثير على مواقع التواصل بشأن مصير الدكتور، مجدي يعقوب، في الآخرة، حيث كتب رشدي تغريدة قال فيها: "العمل الدنيوي مادام ليس صادراً عن الإيمان بالله ورسوله، فقيمته دنيوية تستحق الشكر والثناء منا نحن البشر في الدنيا فقط، لكنّه لا وزن له يوم القيامة؛ }وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً{، ومن السفاهة أن تطلب شهادة بقبول عملك في الآخرة، من دين لا تؤمن به أصلاً في الدنيا".

وكالعادة، أثارت كلماته حالة من الجدل، دفعت وزارة الأوقاف إلى منعه من صعود المنبر مرّة أخرى، مؤكدة أنّ منشوراته لا تليق بأدب الدعاة، كما أشادت بالسير، مجدي يعقوب، وبجهوده وإمكانياته التي وضعها كلها مُسخّرة في خدمة وطنه وشعبه، دون أن ينظر يوماً إلى دين من يعالج.

انتعش السوق الافتراضي الذي صاحب الربيع العربي وأضعف المؤسسة الدينية الرسمية

وفي أثناء الحوار الذي شغل المجتمع المصري أخيراً حول قضايا التحرّش، خرج رشدي ليؤكد أنّ هناك أسباباً للجريمة عديدة، من ضمنها الملابس الصارخة التي تعتمد على الإغراء، ما أثار استياء جهات المجتمع المدني التي تكافح من أجل مواجهة الظاهرة المتفشية، حيث رأت في تصريحات رشدي تبريراً صريحاً للتحرّش، وهو ما حاول نفيه جاهداً، بعد تصاعد الحملات الإعلامية ضدّه.

 

١-التحرش جريمة..لا تقبل التبرير..ليس لها أعذار..لو كانت المرأة بدون ملابس أصلاً..نرجو الله لنا ولها الهدايةَ..لكن لا...

Posted by ‎عبدالله رشدي - Abdullah Rushdy‎ on Friday, July 3, 2020

ويطرح السؤال نفسه: متى تنحسر الظاهرة ويطويها النسيان؟

لعلّ رشدي نفسه يدرك أنّ استمرار وجوده في المشهد بات مسألة وقت، وأنّ المناظرات القديمة التي صنعت شعبيته، والتصريحات الأصولية التي اجتذبت جمهور المتدينين المحافظين، باتت تحمل خطاباً في طريقه إلى الزوال، فالواقع يفرض جملة من المعطيات، تدفع رياح التغيير في كل وقت إلى تحطيم العديد من المفاهيم المتكلسة، فالطبقة الوسطى تراجعت مساحة وقت الفراغ لديها مع الضغط الاقتصادي، ومن ثمّ لم يعد يشغلها خطاب مثل هذا، والمتدين التقليدي بدأ يبحث عن طرح آخر، بعدما فشل الخطاب التقليدي في الوفاء بوعوده، وخرّيجو الأزهر، بفعل التغير الواضح في بنية المؤسّسة الدينية، وإجراءات فصل الإفتاء عن الأزهر، باتوا أكثر قدرة على التطوّر نحو اعتناق خطاب حداثي، وحتى الفضاء الافتراضي، باتساعه اللانهائي وزخمه بالأفكار المتنوعة، أصبح قادراً على تفكيك الكتلة التي صنعها رشدي، الذي بات يبحث عن أرض جديدة، بمهاجمة قانون التطور، والتصدي لطروحات علمية، سرعان ما كشفت ضحالته الثقافية، أو بوصف العلمانية بالشذوذ والإلحاد، في خطاب راديكالي سقط منذ عقود، ما دفعه إلى العودة لطلب المناظرات مرّة أخرى، ملوّحاً بسيفه المعهود، لعله يظفر بمبارز يعيده إلى الحلبة من جديد.


الصفحة الرئيسية