صلاح سالم: العلمانيون العرب الآن مثل السلفيين

صلاح سالم: العلمانيون العرب الآن مثل السلفيين
13914
عدد القراءات

2018-06-27

أجرى الحوار: محمد عزت

مؤمن بالعلمانية، ومتمسك بجوهر الفكرة الإيمانية، يرفض تدخل الدولة من قريب أو بعيد في محاربة الإلحاد، ويرفض أيضاً الفاشية العلمانية التي تؤدي بالضرورة إلى تقديس الحاكم وإحلال السلطة السياسية محل الإله، ويمتلك نقداً قوياً للمفكرين العلمانيين في العالم العربي، ويرى فيهم مثالاً للسلفيين، كما يمتلك رؤية خاصة في التعامل مع ملف الإسلام السياسي على الصعيد الفكري. هو الباحث المصري صلاح سالم، الذي صارت كتاباته في الفترة الأخيرة محل متابعة واهتمام من أعداد متزايدة من القراء.

صلاح سالم، باحث مصري، حصل على جائزة الدولة التشجيعية وعمره 33 عامًا فقط، عن كتابه "تحولات الهوية والعلاقات العربية التركية"، وله، وهو الذي لم يبلغ بعد عامه الخمسين، أكثر من 20 كتاباً أثرى بها المكتبة العربية.

"حفريات" التقت صلاح سالم في القاهرة، ودار بيننا الحوار التالي، والذي لم يخلُ من الجرأة التي قد تعد صادمة بالنسبة للبعض، سواء المنتمين إلى التيار العلماني، أو المتأثرين بمقولات الإسلام السياسي، أو حتى المؤمنين بدور المؤسسات الدينية الرسمية.

هنا نص الحوار:

الكثير من العاملين في الحقل الفلسفي بالعالم العربي يرون أنه لكي تكون فيلسوفًا فمن الصعب أن تكون متديناً أو تحمل حساً دينياً أو إيماناً في الوقت نفسه، فهم يرون أنه من غير الممكن أن تكون فيلسوفاً أو تمارس عملية التفلسف إلا من خلال الشك في الدين كبداية، ما رأيك في هذا التصور؟ وهل من الممكن التفلسف مع وجود يقين ديني في نفس الوقت؟

على مستوى الفكر نفسه، في كل الثقافات الكبرى التي مرت بتجربة الانتقال من هيمنة الدين إلى هيمنة الفلسفة، كان الخياران موجودين، بعض العقول الكبرى آمنت بأن التفلسف قرين للإلحاد والشك، وهناك من اعتقد بالعكس وتصور أنه يستطع أن يتفلسف أو يفهم العالم دون أن ينحو نحو الشك؛ بمعنى أنه مثلاً لو أخذنا الفلسفة الألمانية سنجد بعض كبار الفلاسفة كانوا ملحدين، وبعضهم كانوا لا أدريين، وبعضهم كانوا شديدي الإلحاد وكل هؤلاء كانوا ينتمون للثقافة الألمانية وكلهم عاشوا في نهاية القرن الـ18 وبداية القرن الـ19 وجميعهم أبناء الثقافة الأوروبية بجذريها "اليوناني اللاتيني/ المسيحي الغربي".

الفكر العربي قائم على فكرة الاستعارة الشكلية فنحن نفهم التاريخ الحديث الآن من وجهة نظر الذي يؤمن بالغرب

على سبيل المثال، كان كانط وهيغل مؤمنيْن؛ وهيغل وصل في كتاباته الأولى والمتأخرة إلى أنه دافع عن معجزات المسيحية، حتى كانط نفسه دافع عن المعجزات في الكتاب المقدس واعتبرها وسائل أو صيغ بلاغية لتبليغ الشعب "الوعي العام/ العقل العام"، بما لا يمكن أن يفهمه من خلال التفلسف، باعتبار أنّه لم يرَ أنها ضد العقل، ويعتقد أنّ المقالات المسيحية نفسها هي مقولات فوق العقل والمعجزات نفسها هي صياغات بلاغية للوعي المسيحي يمكن أن تبلغ إلى "الوعي العام" فلم ينكرها.

كانط نفسه دافع عن المعجزات في الكتاب المقدس واعتبرها وسائل صيغ بلاغية لتبليغ الشعب

على جانب آخر، بمواجهة كانط وهيغل -وهما العقلان الأعظم في الفكر الفلسفي الحديث-، كان هناك "فيورباخ" بالأساس وماركس ونيتشه والثلاثة كانوا شديدي الإلحاد، وخاصة نيتشه الذي أعلن صراحة عن "موت الله"، واعتبر ماركس أنّ "الدين أفيون الشعوب"، وفيورباخ قال: "لابد أن يسقط الله من فوق العرش وأن يصبح إنساناً"، وكان قريباً من نيتشه في مسألة إرادة القوة "فكرة الإنسان السوبرمان" التي احتلت موقع الإله وقال إن كل تاريخ الألوهية هو تاريخ معكوس للإنسانية، بمعنى أنّ الإنسان فهم الله بقدر ما يتمنى أن يرى هو نفسه، بمعنى أنّ الإنسان يدرك أنه في حاجة إلى عقل كلي أو إرادة كلية. ومن هنا أتى تصور أن هناك خالقاً يمتلك كل هذه الصفات ويختبئ عنه؛ أصحاب هذه الآراء كانوا موجودين وأصحاب الآراء الأخرى كانوا موجودين أيضاً، وكلهم من الثقافة الغربية وتأثروا بالتنوير والمناخ الأوروبي المسيحي.

المسألة في الفكر العربي أكثر صعوبة؛ لأن الفكر العربي قائم في معظمه على فكرة الاستعارة الشكلية، فنحن نفهم التاريخ الحديث الآن من وجهة نظر الذي يؤمن بالغرب، فنحن عشنا قديماً النهضة العربية الأولى، كنا نتحرك على سطح التاريخ ونأخذ موقفنا بشكل حر، ومنذ بداية القرن الـ19 ونحن نرى صورتنا دوماً لا كما هي بشكل مستقل وإنما عبر المرآة، فنحن لا نرى أنفسنا في أعين أنفسنا، هذه المرآة هي الغرب العلماني الذي يتبنى الفكر الحداثي، وبالتالي فالشخص الحداثي عندنا هو الذي يتبنى الحداثة الغربية بينما الذي يمثل الأصالة هو الذي يرفضها أكثر من كونه يعبر عن نفسه، فنحن نرى أنفسنا معكوس الغرب.

مشكلة العلمانيين أو التنويريين في العالم العربي أنهم يحصرون أنفسهم في صيغة "التنوير" الفرنسية/ اليعقوبية التي شغلت العالم

يوجد ثيمة عند الكثير من المثقفين العرب بأنّ الواحد منهم لن يكون مثقفاً حديثاً ولا علمانياً إلا لو قال الثيمة الغربية، بمعنى أن تتحول قبعة سارتر الفكرية إلى قبعة الكثيرين من المثقفين العرب، والكوفية التي كان يرتديها إنجلز إلى كوفية شائعة عند اليسار العربي؛ إنها فكرة الاستعارة الشكلية ومن ثم استعارة المضمون.

جزء من الاستعارة قاسٍ، فالتراث الغربي كان متنوعاً، فعندما تأتي الثقافة العربية تستعير نتيجة الشعور بفقدان الثقة بالنفس أو أحياناً بالنقص المعرفي فتتم الاستعارة من الأشكال الأكثر غرابة على الواقع.

لماذا؟

لأن المثقف العربي –في كثير من الأحيان- حين يستعير لا يستعير ما يجعله أكثر معرفة أو لا يستعير من المعارف ما يمكن من خلاله أن يحل الإشكال الثقافي العربي، من ثم فحين يذهب إلى التنوير لا يستقي الصيغة الأكثر اعتدالاً منه، وكذلك حين يريد "علمنة" فيستقي الصيغة التي تجعله أكثر غرابة عن المألوف منها (لماذا؟)؛ لأن الهدف يكون في إبداء الاختلاف أكثر من رغبة حل المشكلة؛ فامتلاك تصور للحداثة أو أن تظهر بوصفك تنويرياً أو علمانياً أهم عند المثقف من أن يحل مشكلة الثقافة العربية مع العلمنة أو التنوير، فلو لجأ إلى الصيغة الألمانية أو الإنجليزية المعتدلة والمنفتحة على التجربة الدينية في التنوير يجد مشكلة كبيرة؛ لأنه يجد مسارات للاندراج فيها ولا تحقق له ذاته وتميزه، فهو يبحث عن ذات متعالية عن الآخرين، وكلما تحدث أو نطق بخطاب أو مصطلحات أكثر غرابة كان ذلك بالنسبة له أكثر نجاحاً.

نجيب محفوظ فيلسوف لم يطلق فلسفته مجردة لكنه أخرجها من خلال أدب

من رحم حديثك، يحضر إلى الذهن نجيب محفوظ، الذي وصفه المفكر السوري جورج طرابيشي ومن بعده كثيرون في الفكر العربي بأنه فيلسوف بالوكالة، هل ترى في نجيب محفوظ نموذجاً للفيلسوف الذي تريده من هذا النوع الذي يرفض أن يرتدي القبعة الغربية وحاول بجدية في الوقت نفسه أن يحل الإشكاليات القائمة في الواقع الخاصة بحضارته وأمته بالشكل المناسب ودون استعارات؟

بالطبع، هذا نموذج للوعي الفلسفي الحقيقي الذي خرج في شكل أدبي، فالمعرفة كلها والثقافة والإبداع قائمة على فكرة التأمل العقلي، فالتأمل العقلي من الممكن أن يكون تأملاً محضاً، أو يخرج في صورة ذهنية مجردة ومباشرة كما هو في الفكر الفلسفي، أو يخرج مذاباً في أشكال مختلفة من الإبداع، ممكن أن تأخذ الشكل الفني أو الأدبي. لذلك الحداثة خرجت من الفن واللوحات والأدب قبل أن تصل للفكر.

نجيب محفوظ هو فيلسوف حقيقي من داخله، لم يطلق فلسفته بشكل نظري ولا مقولات مجردة لكنه أخرجها من خلال أدب، والرجل كان على قدر رائع من البساطة؛ لأنه مبدع حقيقي لم يشعر ولم يلجأ في يوم لأن يستعير صيغاً غريبة عليه، فهو عاش نمط الحياة البسيط التي نشأ فيها، ولم يحاول أن يقلد أحداً لأنه كان يمتلك ذاته.

يرى كثيرون أنّ الفكر العربي الآن أسير ثنائية العلماني والمتدين. فالمفكر في الثقافة العربية الآن يصنف باعتباره تنويرياً وهو ما يساوي "علماني" بالمعنى التقليدي في الأذهان، أو لديه نظرة إيمانية متدينة ما، فيصنف باعتباره من المقلدين دينياً الذين ينبغي أن يمارس عليهم "التبشير التنويري". كيف تنظر إلى هذه الثنائية، وهل من الممكن ممارسة فعل التفلسف في العالم العربي بعيداً عن هذه الحدية؟

دائماً أقول إن العلمانيين مثل السلفيين، فكلاهما يستعيران من التراث مع اختلاف وجهة التراث، فكلما ركزت على بعد واحد من أبعاد التوجه العقلي بمعنى أنك أمعنت في الموروث الديني باعتباره حالة سلفية نقية صماء فأنت كذلك بعدت عن العقل التنويري، وكلما أمعنت في تبني الغرب باعتباره صورة معاصرة للفهم وصورة وحيدة للعقل فأنت كذلك تصل للموقف السلفي وإن كان سلفك أو تراثك هو التراث الغربي، فهذه أشكال مختلفة للوعي السلفي، لكن الوعي الأكثر حداثة وعصرنة وتقدماً في وجهة نظري، هو الوعي القادر على جمع الصور المتناقضة هو "العقل الجدلي" بالتعبير الهيغلي وهو العقل المتسامي المتعالي القادر على تمحيص نفسه قبل تمحيص العالم بالتعبير الكانطي، هذا العقل المركب المتعدد هو القادر على أن يمحص نفسه ويخضع ذاته للبحث والتأمل ومن ثم النقد والتجاوز. هذا هو العقل الحديث  بالمعنى الحقيقي.

اقرأ أيضاً: العلمانية تعادل "العصر الجاهلي" في الفكر الإخواني

مشكلة العلمانيين أو التنويريين في العالم العربي أنهم يحصرون أنفسهم في صيغة "التنوير" الفرنسية/ اليعقوبية التي شغلت العالم وهي تنوير القرن الـ18، وتصورات القرن الـ18 للتنوير هي مختلفة بكل تأكيد عن القرن الـ19، ففي القرن الـ18 كان حوالي 40% من كنائس باريس قد تحولت إلى مراقص وأماكن لبيع الأحذية وبيع الآلات والفنون، كنوع من النكاية في الكنيسة، لأنّ الكنيسة كانت شريكة في الإقطاع، فالتصور اليعقوبي للحرية والتنوير قائم على فكرة التمثيل والانتقام ممن رأوا أنهم شركاء في إذلال الطبقة الفرنسية الثالثة التي كانت تضم عموم الشعب الفرنسي.

بحلول القرن العشرين تعترفت الكنيسة بالعلمانية كأمر واقع في المجمع الفاتيكاني الثاني

هذا التصور الانتقامي الذي كان موجوداً في القرن الـ18 تم تجاوزه في القرن الـ19، حيث بدأ نوع من المساءلة للراديكالية العلمانية الفرنسية بنهاية القرن الـ19، ثم بحلول القرن العشرين الكنيسة نفسها اعترفت بالعلمانية كأمر واقع في المجمع الفاتيكاني الثاني، وحصل نوع من الفصل الرصين والناضج بين المجال الديني والمجال السياسي بفصل الكنيسة عن الدولة، وصار كلٌ منهما أكثر احتراماً لمجال الآخر، وتم النظر إلى هذا الفصل كطريقة لتقوية الدولة وتقوية الدين وحفظه.

هذا التصور "اليعقوبي" لم ينجح بشكل مطلق في فرنسا نفسها، ناهيك عن أنّ العلمنة والتنوير الإنجليزي جاء بصيغة مختلفة تماماً؛ حيث حدث تطور تدريجي إصلاحي داخل الكنيسة عبر ثورة "كورمويفل" في ستينيات القرن الـ17، كان التطهريون الذين شعروا برغبة في الانفصال، ولم ينفصلوا باعتبارهم المذهب التطهري ضد المذهب الأنجليكاني الخاص بالكنيسة الإنجليزية، وإنما قامت الفكرة باعتبار أنّهم حركة ترغب في ملكية جديدة مستنيرة قوامها "التمثيل البرلماني"، ولبسوا ثياب البرلمانيين باعتبارهم المدافعين عن البرلمان في مواجهة الملك والنبلاء، والباحثين عن الديمقراطية.

تقوم مواجهة الإسلام السياسي فكرياً عن طريق التعليم والتثقيف والاستنارة وعلى أن تكون حركة مجتمعية واسعة وشاملة

عندما حدثت الثورة في فرنسا كان الإنجليز يشعرون أنهم نجحوا في ثورتهم قبل نجاح الفرنسيين. بالمناسبة "فولتير، مونتيسكو" كانا مؤمنيْن جداً بالنموذج البريطاني، ودائماً ما كانا يقنعان الفرنسيين أن يتبنوا نموذجاً إصلاحياً للتطور وليس بالضرورة نموذج الثورة الكاملة، وكانا يدافعان عن فكرة الملك المستنير باعتبار الملكية الإنجليزية ملكية مستنيرة وقامت بحق الشعب من خلال النخبة البرلمانية، لكن "مونتيسكو" مات في الخمسينات و"جان جاك رسو" مات بالرغم من استدعائه في الثورة خاصة من خلال شخصية "هوبسبير"، حيث تم استدعاء الصيغة الذائعة من تنوير "جان جاك رسو" ومن "فولتير" وليس الصيغة المعتدلة، بالإضافة إلى أن فولتير كان صديقاً لملك ألمانيا "فريدريك الثاني" وملكة روسيا التي كانت شديدة الاستنارة لدرجة أنها استضافت فولتير في روسيا لمدة ثلاث سنوات و"مونتيسكو" في روسيا أيضاً.

لذلك التجربة الإنجليزية تطورت في هذا الاتجاه فهي تجربة إصلاحية تدريجية قائمة على التصالح الشديد بين المذهب الديني والدولة، عبر فكرة أن الملك هو رئيس الكنيسة وهو رئيس الدولة في الوقت نفسه. 

اقرأ أيضاً: إسلامي وعلماني يتوافقان على أهمية عدم تدخل الدين في شؤون الدولة

بينما النموذج الألماني كان نموذجاً وسطاً بين النموذج الإنجليزي والنموذج الفرنسي، فلا يوجد فيه تماه قوي كالنموذج الإنجليزي، لكنه ليس قائماً على فكرة العداء كالنموذج الفرنسي، وكانت صيغة وسط سمحت بوجود رجال مثل "كانط وهيغل" ووجود النموذج المقابل مثل "نيتشه وفيورباخ"، فالنموذج الألماني نموذج وسط فيه كل الصيغ ممكنة، فالميل للإلحاد كان موجوداً والميل للإيمان كان موجوداً أيضاً وكان به نوع من المرونة.

العلمانيون الآن لا يفهمون سوى النموذج الفرنسي في القرن الـ18 بسحق الدين في المجال العام، والأخلاق العامة بكل تأكيد، فالتنوير لا يتم فهمه الآن إلا باعتباره حالة عداء شديدة للدين، وكثير من مثقفينا يدبجون المقالات والكتب في نقد رجال الدين والأزهر وتحولهم لمؤسسة كهنوتية، ولكنهم يأتون عند الرأس السياسي للدولة، ويتوقفون عن النقد حتى لو قام رأس النظام السياسي بتغيير الدستور، فكل القرارات ممكنة ومباحة، لكن الاستبداد عندهم لا يتمثل إلا في جانب واحد وهو "الاستبداد الديني"، النقد وطلب الحرية هو فقط من المطلق الديني، دون التساؤل عن "المطلق السياسي".

هنا يتحول العلماني إلى شخص مختزل وشخص انتقائي ويناقض نفسه، فيتحول المجال السياسي الدنيوي عنده إلى مطلق ميتافيزيقي، فيعطي العلماني "التنويري" الحق لنفسه بأن يقول "مات الله" لكنه لا يستطيع أن يقول "مات الحاكم"، فهو ينزل الله من عليائه، ويرفع الحاكم إلى مصاف الآلهة.

نموذج المثقف المعادي بشدة للتدين لكنه في الوقت نفسه مساند بشدة للدكتاتورية السياسية ويدعو دوماً لسحق خصومه السياسيين، هل هذا النموذج له أشباه عبر تاريخ التطور الأوروبي؟ وكيف ترى هذه المفارقة المتمثلة في الدعوة للحرية الدينية ومساندة الدكتاتورية السياسية في الوقت نفسه؟

نعم، فمثلًا "فولتير" كانت علاقته بالملك "لويس الرابع عشر" علاقة رعاية وكان يأخذ بعض المخصصات في بعض الوقت، وكان جزء من تحوله حين عاش لحظة عصيبة عندما قام أحد النبلاء – كان "فولتير"من أصول متواضعة اجتماعياً من الطبقة الوسطى- بتسليط أحد رجاله لضرب "فولتير" وتمت إهانته حتى لا يظن في نفسه أنه واحد من النبلاء، وكانت هذه اللحظة الفاصلة سبب اتجاهه الراديكالي، لكن في بداياته كان يعيش في كنف النبلاء والملوك.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟

يوجد أيضاً شخصية الفيلسوف "لبينتز" الذي لم يكن ضد الدين وكان قريباً من "لويس الرابع عشر"، أول من فكر في الحملة الفرنسية على مصر وقناة السويس، بالإضافة إلى "هيجل" مثلاً الذي لم يكن ضد الدين بشكل ما وكان مهادناً للدولة؛ حيث كرس فلسفته القائمة على البحث عن الحرية التي تتوقف عند الدولة "البروسية" باعتبارها مطلقاً والتي لا يمكن أن تتحقق حرية الأفراد إلا من خلالها، هذه التناقضات كانت موجودة بشكل أو بآخر، لكن هذه الثيمة من الموالاة بين المفكرين والدولة لم تستنفذ إلا في القرن العشرين عندما بدأ يتكون مفكرون أحرار يتبنون أفكارهم ويعيشون لها حتى لو اصطدمت بالعروش، وقد تأخرت هذه الفكرة نتيجة عدة عوامل اقتصادية واجتماعية، لأن ثنائية الأمير والشاعر كانت مسيطرة على التاريخ كله.

الفيلسوف "لبينتز" أول من فكر في الحملة الفرنسية على مصر وقناة السويس

في واقعنا العربي، هذه التناقضات موجودة لكن بشكل فج، فكثير من مثقفينا ينقلبون على أنفسهم ويروجون لأشياء غريبة، فأنا أعرف أحد الأساتذة (من دون ذكر أسماء) ممن شارك في ندوة معي، وحدث أن قام أحد الحضور وكان مسيحياً وسأله أليس من الممكن أن نصبح دولة علمانية ودولة مدنية محترمة وأحافظ على ديانتي، فأجابه بالنفي قائلاً له لا وآن الأوان أن تختار، وكان سؤالاً مثيراً، مما استدعاني للرد بشكل مباشر، على الرغم من أن هذا الشخص دائماً ما يحضر مناسبات الدولة ويثني على حكامها واختياراتها وليست لديه أية مشكلة من أي نوع ضد الاستبداد السياسي.

يظهر في كتاباتك دوماً نزعة إيمانية، ويظهر في حوارنا حتى الآن أن هناك احتراماً منك لاختيار التقليد الديني ونزعة لحرية اختيار التدين الفردي، لكن وعلى الجانب الآخر فقد عارضت وبقوة مشروع قانون مواجهة الإلحاد في مصر وطالبت بإسقاطه، في حين أن العديد من الملاحظين والأزهر نفسه، يرون أنّ الإلحاد ظاهرة تتمدد في العالم العربي وأنه لابد أن تقف الدولة أمام هذه الظاهرة وأنت ترفض دخول الدولة في الأمر، فهل ترى أن الإلحاد ظاهرة ينبغي مواجهتها من قبل المثقفين أو المتدينين والدولة تقف من خلفهم؟

في البداية، أنا لا أدافع عن التقليد الديني بل أدافع عن الإيمان الروحي، والفارق بينهما كبير، فلا علاقة للدولة بمواجهة دين ما أو فكرة دينية ما، أو فكرة إلحادية، فلا الإيمان دور الدولة ولا الإلحاد دور الدولة، فكلاهما مسألة ضمير فردي، وهو اعتقاد فرد وحرية إرادة، والدولة عليها أن تحمي حق الجميع في أن يعتقدوا ما يشاؤون. أما أن يؤدي المناخ العام لتزايد طرف على حساب الأخر فهذه مسألة اجتماعية وثقافية، فلو أنّ الأزهر يدافع عن الإيمان بشكل حقيقي ويعيد فهم الإسلام بشكل غير منفر لما اضطر إلى المناداة بوضع قانون أو خلافه، لأنه ينتج عن ذلك العديد من المشاكل بهذه الطريقة، فكيف ستتعامل مع الملحد إذاً؟ وستضطر في النهاية للبحث في ضمائر البشر، وحينئذ ستتحول المسألة لمحاكم تفتيش، فأنا أدافع عن الإيمان والإلحاد وأنا بشكل شخصي عندي أصدقاء من الطرفين.

أشرت إلى قيام بعض المثقفين بأنسنة "الإله" وتأليه "الحاكم"، ووجود نزعة ضد كل ما هو ديني. واضح أنك ترفض هذه النزعات الفاشية العلمانية ضد الدين والمتدينين، وفي نفس الوقت تعارض التقليد الديني بالشكل السلفي بعيداً عن الاختيار الروحي، كذلك أيضاً لديك موقف معارض بقوة للإسلام السياسي، ففي نظرك، بعيداً عن الطريقة الفاشية العلمانية التي ترفضها ما هي الطريقة الأمثل لمواجهة الإسلام السياسي فكرياً؟

تقوم مواجهة الإسلام السياسي فكرياً عن طريق "التعليم والتثقيف والاستنارة"، وعلى أن تكون حركة مجتمعية واسعة وشاملة، ولابد أن تكون الدولة في قلبها، فالدولة مركزية في العالم العربي، لذلك فمواجهة الإسلام السياسي أو التطرف الديني أو الإرهاب بمقولات الإصلاح الديني غير مجدية؛ لأن أدوات الإصلاح الديني هي أدوات لابد أن تمر من خلال المؤسسات الدينية وتطالبها بإصلاح نفسها وإصلاح خطاباتها وتغيير مناهجها، وهذا غير مطروح في التجربة الإنسانية، فالانتقالات الكبرى كانت تحدث عندما تظهر فكرة تهزم الفكرة المغتربة، لكن أن تطلب الآن من مؤسسات تقليدية "الأزهر/ أو الزيتونة" أن يتخليا عن مرجعية ذاتهم وموروثاتهم التي تمتلك هذه الخزينة الكبيرة والتي هي الدين والتراث والتقليد، وأقيم عليها، فكأنك تطلب من جندي أو محارب أو شخص ما أن يرمي سلاحه.

أن تطلب من مؤسسات تقليدية كالأزهر التخلي عن موروثاته فكأنك تطلب من محارب رمي سلاحه

فالقائمون على التقليد الديني لديهم سلاحهم الخاص الذي يملكونه، ولديهم جمهور عريض واسع يأتمر بأمرهم ويحارب من أجل أفكارهم، والمؤسسات الرسمية لا تستطيع أن تصطدم بهذا الجمهور وتقول له كن "علمانياً" ولو بشكل مستنير معتدل، عندما تقول لذلك الشخص إرم سلاحك هو لن يرميه، فالمتدين يمتلك سلاح الموروث الديني مثل العلماني يمتلك سلاح الاستنارة، البديل والموقف الصحيح هنا أن يكون هناك حركة استنارة واسعة ترعاها الدولة فتخفف الضغط على الدين.

اقرأ أيضاً: الإسلام والعلمانية لأوليفيه روا: توحش الأصوليات الدينية

دائماً ما أقول إن المعروض الديني الموجود لدى المؤسسات الدينية، لا يمكن تغييره فهذه الأدوات المعروضة لديها جمهور مرتبط بها وسلطتها على هذا الجمهور مرتبطة بهذه الأشياء، وهي لن تستطيع أن تغيرها إلا بقدر محدود، والحل هنا أن المجتمع من خلال الدولة ورعايتها تتجاوز كل هذا المعروض، وتخفف الطلب على الدين، فالطلب على الدين يتكثف عندما يكون تعليم الشخص سيئاً واستنارته محدودة وثقافته ضئيلة، فأنت تصنع شخصاً غير مكتمل الأهلية والعقل، هذا الشخص يفكر في العالم من خلال الوسيط الديني بالضرورة، لذلك يرجع إلى رجل الدين، لكن أنت لو صنعت إنساناً متعلماً بشكل جيد ونقدي، فإنه سوف يتلقى موارد متعددة ومنفتحة، وبالتالي هو من سيطرد الوسيط الديني بالأساس.

كثيرون يرون أنّ الإسلام السياسي الحركي معاد للفلسفة بطبيعته، فهو مولود بفكرة رومانسية عن التاريخ، تجعل منه معادياً لعملية الفلسفة والتفلسف والتفكير النقدي، بينما يرى البعض الآخر أن هذا الطرح غير صحيح؛ فالآباء المؤسسون للإسلام السياسي تناولوا الفلسفة وحللوا آراء الفلاسفة مثلما فعل سيد قطب حين تعامل مع نيتشه وفرويد وماركس، ومن ثم حدث نوع من التأسيس الفلسفي. كيف ترى مقولة أن الإسلام الحركي ضد الفلسفة؟ وهل الفلسفة نفسها قادرة على أن تقدم حلاً فعالاً في  قضية الإسلام السياسي؟

الإسلام التقليدي كله وليس فقط الإسلام السياسي أو الجهادي، ضد التفلسف وضد العقل الإنساني، وكل هذه الأفكار قائمة على أساس تحكيم مركزية النص وهامشية العقل، وأن العقل عليه أن يدور في فلك النص ويفسره، لذلك ظهر الأشاعرة في أصول الدين وعلم الكلام، وظهر الشافعية والحنبلية في أصول الفقه، والأشاعرة بالذات كانوا في عناق مع الشافعية؛ فكلاهما يكرس سلطة الآخر، فهذه المنظومة كلها من الوعي التقليدي ضد العقل وترفض الفلسفة باعتبارها منتجاً عقلياً، لكن هناك فارق بين الوعي التقليدي ووعي الجهاد المعاصر، والفرق أنّ الأخير تأثر بالحداثة، بمعنى أنك عندما تقرأ النص الديني بوعي تقليدي لكن في ظل ظرف حداثي يوجد به معرفة وتكنولوجيا يحدث نوع من الاستعارة الخاطئة؛ بمعنى أنك تاخذ الجزء الأساسي بوعي تقليدي وتركب عليه أدوات تنتمي لعالم التكنولوجيا فتجد أن المصحف أصبح رفيقاً للسيف، والنص الديني المتكلس صار رفيقاً للبندقية، وتجد نفسك  تفرض نصك البائد بقوة الرصاص.

الوعي التقليدي الصرف بما هو حنبلي أو سني يرفض الخروج على الحاكم، وهذه هي المفارقة

لذلك فالوعي التقليدي الصرف بما هو حنبلي أو سني يرفض الخروج على الحاكم، وهذه هي المفارقة، فالخروج على الحاكم غير قائم في بنية الوعي السلفي، حتى لو كان فاسقاً أو كان فاجراً وتطالبه بالهداية لكن لا تخرج عليه، لكن هذا العقل بدأ في الخروج على الحاكم تحت وطأة الحداثة وبفعل امتلاك التكنولوجيا، فالتطرف الآن أصبح مالكاً لأدوات عنف غير مسبوقة في التاريخ. لذلك فالأصولية المعاصرة شديدة الخطورة قياساً لما قبلها في كل العصور وأنا أؤكد دائماً أن الحرب على التطرف الديني من خلال اجتهاد فقهي وتنقية التراث أمر عفا عليه الزمن؛ فالأصولي المعاصر ليس هو الأصولي التقليدي الذي يمكن مواجهته بمقولات الإصلاح الديني، فقد أصبح أصولياً جهادياً يمتلك شبكة معلومات طاغية ويمتلك السلاح على كل جانب.

لذلك ردع هذا الجهادي بقوة سلاح الدولة أولاً، ثم سلاح الاستنارة باعتبارها تعليماً جيداً وثقافة جيدة ووعياً نقدياً مغايراً تماماً للإصلاح الديني التي ربما كانت ممكنة حتى عصر محمد عبده في القرن 19.

هناك تيار من المفكرين العرب استطاعوا أن يمارسوا الفلسفة وهم محتفظون بجوهر الفكرة الإيمانية، وعلى رأسهم عبد الوهاب المسيري، لكن البعض في مواجهة ذلك اعتبر أن محاولات المسيري هي مجرد محاولات لمسك العصا من المنتصف ليس أكثر، وأنها ليست سوى محاولات للاحتفاظ بالإيمان في الجوهر مع محاولة ممارسة التفلسف، من ثم فهي ليست محاولات تفكير فلسفي جذري أو حقيقي. كيف ترى هذا النقد للفلاسفة من هذا النوع كالمسيري أو طه عبد الرحمن وغيرهما، خاصة أنه من الممكن أن يتم توجيه هذا النقد لشخصك لأنك تمارس الفلسفة وتحتفظ أيضاً بجوهر الفكرة الإيمانية؟

بالنسبة للدكتور المسيري أعرفه شخصياً وزرته في منزله. وأعتقد أنه رجل متسق مع نفسه، ولولا ذلك لما أنفق من عمره قرابة ربع قرن ليخرج موسوعة الصهيونية معتزلاً الحياة. في اعتقادي أنّ المسيري كان متأثراً بمالك بن نبي، المفكر الجزائري، وكان يكنّ له احتراماً شخصياً كبيراً، وكانت بنية أفكاره قريبة منه.

من اليمين: (د. عبد الوهاب المسيري - د. طه عبد الرحمن)

أما طه عبد الرحمن فأعتقد أنه أكثر سلفية من المسيري، الحقيقة أنا أتخذ على المسيري ما كنت أتخذه على زكي نجيب محمود فهو كان داعية للفكر الغربي لكنه لم يكترث لنقد هذا الفكر، يعني لم يتحدث أبداً عن المركزية الغربية ولا نزوعها للهيمنة، المفارقة أن المسيري أيضاً على الجانب الآخر كمفكر مسلم، توقف عند هذه الأمور وبالغ فيها لدرجة أنه خاصة في "دراسات معرفية للحداثة الغربية" اعتبرها وكأنها المتن الأساسي للفكر الغربي، وأنا أقول إنه كان يجب على "زكي نجيب محمود" وأنا تلميذ له أن يكون أكثر حدة في نقد الغرب ووضع الفكر الغربي في سياقه، وكان على المسيري قبل القيام بعملية التشريح للثقافة الغربية أن يثبت لها ما تستحقه، فمن يقرأ المسيري يظن أنّ الفكر الغربي هو الهامش الكولونيالي الاستعماري الإمبريالي التوسعي، المتناقض مع نفسه، فهو لم يعط الثقافة والتنوير الغربي حقه من الاحترام.

عبد الرحمن يبذل مجهوداً معرفياً لابد من تقديره واحترامه لكن محاولته لن تجدي شيئاً غير تسمية الأسماء

أعتقد أن طه عبد الرحمن يقوم بعمل أكبر وهو أخذ كل مقولات ومفاهيم الحداثة ومنحها وتسميتها بمفاهيم إسلامية، ويعقد من ثم مقارنات مطولة ويبذل مجهوداً معرفياً لابد من تقديره واحترامه، لكن أرى أنّ محاولته في النهاية لن تجدي شيئاً غير تسمية الأسماء، لأن قيمة الحداثة الغربية ليست مجموعة الأفكار النظرية التي صنعتها كمركزية العقل والإرادة وغيرها، فقيمة الحداثة الحقيقية أنها صنعت أجساداً وبنى تحتية وأشكالاً من تنظيم المجتمع.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث

فتصورنا عن النزعة الفردية والعلمانية أنها أنتجت المجتمع المدني في صيغته المعاصرة "الأحزاب / مؤسسات المجتمع المدني/ مؤسسات الدولة المحايدة/ البرلمان /...."، وهي الأفكار النظرية التي استطاعت أن تتجسد في واقع عملي خلال 200 أو 300 سنة فأنتجت تجربة أصبحت مكتملة، فعندما تتبنى هذه الأفكار التي أحرزت نجاحاً كبيراً، لن يجدي أنك توازي "الأخلاقية" بأن تسميها "الإئتمانية" فإعادة تسمية الأسماء لن تغير في الواقع شيئاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حوار متخيّل مع المودودي.. ملهم الجماعات التكفيرية

2020-06-03

يعد المفكر الهندي/ الباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903-1979)، أحد أبرز منظّري التيار الإسلامي في العصر الحديث، وهو إن حمل لواء الدفاع عن قضايا الأمة في بداياته مع تأسيس الجماعة الإسلامية في لاهور بالهند التي انتُخب أميراً لها العام 1941، إلا أنّ أفكاره بدأت تأخذ طابعاً متشدداً تمثل بدعوته لتحقيق شرع الله بالقوة؛ حتى ذهب البعض إلى أنّ كتاباته كانت السبب الرئيسي لتبني سيد قطب أفكار تجهيل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وخصوصاً ما سطّره حول مبدأ الحاكمية.

في هذا الحوار المتخيل مع صاحب "الجهاد في الإسلام" و"الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة"، نحاول التعرف، من خلال ما كتبه بنفسه، على أبرز معالم مشروعه الفكري الذي حوله إلى مرجعية لمعظم الجماعات التكفيرية التي اعتمدت عليه في تأصيل الكثير من أسسها العقائدية:

بدايةً، هل كنت تتخيل يوماً أنّك ستعتبر مؤسس ظاهرة الإسلام السياسي؟ ليس ذلك فقط؛ بل أن تكون كذلك من أبرز ثلاثة رموز فكرية في هذا التيار مع حسن البنا وسيد قطب؟ بل وأكثر من ذلك، صرت بوصفك أمير "الجماعة الإسلامية" الباكستانية بعد رحيل حسن البنّا الملهم الأول لفصائل شباب الإسلاميين على امتداد العالم الإسلامي.

لم أكن أتصور ذلك بالطبع في حياتي، لكنني كنت أعلم أنّ إخلاصي لدين الله، ودعوتي لهيمنة حكمه في الدولة -التي يجب أن تصبح إسلامية في نهاية المطاف– سيجعلان كلماتي كالنار التي تلهب حماس المسلمين حتى بعد رحيلي عن هذا العالم.

أعرف أنّك تدرك قوة كلماتك، ناهيك عن أسلوب الخطابة الذي تبرع فيه بامتياز. تمتلك -ومعك البنا وقطب- الحلم نفسه: حاكمية الله.. دفع سيد قطب ثمن هذا الحلم غالياً، بينما تم تخفيف حكم الإعدام عليك العام 1954 إلى السجن مدى الحياة قبل أن يُفرجَ عنك بفضل الضغوط الشعبية العارمة.

كان قطب مدركاً لتضحيته الكبيرة في سبيل إعلاء كلمة الله.

سيد قطب

لكنني أرى أنّ السياق الهندي-الباكستاني سمح لك برسم ملامح حلمك الأكبر على أرض الواقع، لقد قمت باستغلال كل لحظة، بحسب مقتضيات الحال، لكي تخطو خطوة إضافية أو عدة خطوات، في كل لحظة، في اتجاه حلمك: "الدولة الإسلامية" ــ حتى من قبل انفصال باكستان عن الهند العام 1947.. لكنني لاحظت أمراً بدأ يتكشف في هيئة جديدة، حين بدأت بشائر الانفصال في الظهور أمام عينيك.

ما الذي لاحظته تحديداً؟

صار خطابك أكثر حسماً؛ لا شكّ في ذلك، حين لاحت أمامك الفرصة، وأعني نشوء دولة جديدة تريد أن تجعلها إسلامية صافية، صار خطابك يتحدث عن الإسلام باعتباره قانوناً تشريعياً مكتملاً يضاهي القوانين الغربية؛ بل ويتفوق عليها. لا يحتاج لأي مصدر تشريعي بجانبه؛ الإسلام عندك قانون يكتفي بذاته، على مستوى أحكامه ونظام عقوباته، صرت تتحدث عن الانقلاب الإسلامي بشكل أوضح، ولتحقيق ذلك الأخير مثلاً اتخذت موقف الرافض للدولة القومية.

أختلف مع ما ذهبتَ إليه بشأن تطور خطابي للحسم بمرور الزمن، كانت قناعاتي واضحة، وقمت بتضمينها في كتابي "منهاج الانقلاب الإسلامي" وهو كتاب يضم المحاضرة التي ألقيتها في الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) 1940 على طلبة جامعة عليكرة وأساتذتها، وقد ألقيت المحاضرة إبان احتدام الصراع بين أصحاب النظرية القومية الهندية والمسلمين، في شبه الجزيرة الهندية، لم تكن رؤيتي تنتظر من الواقع أن يستجيب أو أن يمنحني الفرصة لأعرض أفكاري.

كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال الإصلاح؟

أما عن قولك بأنني ضد الدولة القومية، فبالتأكيد هذا صحيح، وليس ثمة سبيل لأي تدرُّج إصلاحي من خلالها، والآن دعني أسألك:

كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح الأساسي وإنجاز مهمته؟ ... فإنّ السلطة في الحكومات الديمقراطية لا ينالها إلا من رضي عنه الجمهور ووضعوا ثقتهم فيه، فإن لم تكن العقلية الإسلامية والفكرة الإسلامية تغلغلتا في عروق الناخبين وامتزجتا بلحومهم ودمائهم، وإن لم تكن الأخلاق والسجايا الإسلامية الزكية مهوى أفئدتهم ومقصد آمالهم، وإن لم يكونوا مستعدين للاستسلام والخضوع لذلك العدل الإلهي النزيه وتلك المبادئ الثابتة الراسخة التي هي قوام الدولة الإسلامية وقطب رحاها، إن لم يكن الجمهور متصفين بهذه المزايا، فلا يمكن لمسلم تقي صادق النزعة كامل الإيمان أن يُنتخب عضواً في مجالسهم النيابية والتشريعية بأصواتهم وآرائهم وإنما ينال السلطة والتغلب بهذه الطريقة كل من يشهد سجل الإحصاء الرسمي له بالإسلام، وإن لم يعرف من الإسلام إلا اسمه، وشهدت نظرياته وأعماله بالمروق عن الدين والجهل بمبادئه.

لماذا نُسفِّه أحلامنا ونحمق أنفسنا بإضاعة قوانا وصرف مجهوداتنا في سبيل إقامتها وتوطيد دعائمها

ومعنى ذلك أنه إن انتقل زمام الأمر إلى أمثال هؤلاء الرجال، لا يكون موقفنا في دائرة حكمهم إلا مثل ما يكون تحت الحكومات التي لا تدين بالإسلام، بل الحق أن موقفنا في دائرة حكمهم يكون أكثر عنتاً، وأسوأ حالاً؛ لأن الدولة القومية التي اتخذت لنفسها شارة من الإسلام خداعة، تكون أجرأ بكثير من الدول غير الإسلامية على القيام في وجه الانقلاب الإسلامي واضطهاد القائمين به، فالأعمال التي تعاقب عليها الدول غير الإسلامية بالحبس مثلاً لا تتحرج تلك الدول القومية من المعاقبة عليها نفسها بالإعدام والنفي. كما أن زعماءها وقوادها لا يزالون مع هذا وذلك، يُلقبون بالغزاة المجاهدين في حياتهم ويُعَدُّون من الشهداء الصالحين بعد مماتهم. فالخطأ، كل الخطأ، أن نظن أن مثل هذه الدول القومية يمكن أن تساعدنا في مهمتنا وتؤازرنا في إحداث الانقلاب الإسلامي بوجه ما ...

فما الذي يمنعنا من انتهاج هذا المسلك والجري على هذه الخطة، وما لنا نضيع الأوقات سدى في انتظار الدولة القومية المرجوة المتسمة بالإسلام كذباً وزوراً؟ ولماذا نُسفِّه أحلامنا ونحمق أنفسنا بإضاعة قوانا وصرف مجهوداتنا في سبيل إقامتها وتوطيد دعائمها ونحن نعلم علم اليقين أن تلك الدولة القومية ستكون عقبة كؤوداً في سبيل غايتنا، فضلاً عن أن تكون مؤازرة لنا ومساعدة في مهمتنا؟".

هل يمكنك أن تشرح لي كيف ترى الجمهور؟

أثبتت لنا التجارب أن العامة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم، فإن البشر قد خلقهم الله على ضعف بشري فطري كامن في نفوسهم؛ فيرون في أكثر أمور الحياة جانباً من الحقيقة، ولا يرون بعضه الآخر، ولا يكون حكمهم مرتكزاً على نقطة العدل عموماً، وهم في الغالب يكونون مغلوبين على أمرهم من العواطف والميول فيرفضونها لأجل غلبة العواطف والشهوات على أنفسهم".

وصلت فكرتك لجميع تيارات الإسلام السياسي؛ الوسطيون منهم والمتشددون يمتلكون نفس النظرة التي تنتقص من قَدْرِ الإنسان ووعيه، أنت تسعى لحكم ديني إسلامي بامتياز، نراه في إيران الآن. وهو أيضاً حكم لا يُحرِّر الإنسان بأي درجة، ولا يفي بوعوده التي لوَّح كثيراً بها ... لقد رحلتَ بعد اندلاع الثورة الإيرانية بأقل من سنتين، وكم كنت أتمنى أن تكون حياً لترى ولو النزر اليسير من نتائج الرهان على هيمنة الفكر الديني على مستوى الدولة.

للإسلام جانبه الثيوقراطي، وكذلك الديموقراطي، يمكنني الحديث معك عن مفهوم "الثيوقراطية - الديموقراطية" أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" إن شئت.

أرفض الديمقراطية Democracy، لأن الديمقراطية عبارة عن "منهاج للحكم، تكون السلطة فيه للشعب جميعاً فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلا برأي الجمهور ولا تسن إلا حسب ما توحي إليهم عقولهم. فلا يتغير فيه من القانون إلا ما ارتضته أنفسهم وكل ما لم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور.

الثيقراطية التي جاء بها الإسلام لا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة

هذه خصائص الديموقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء. فلا يصح إطلاق كلمة الديموقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيراً كلمة الحكومة الإلهية أو الثيقراطية Theocracy ولكن الثيقراطية الأوروبية تختلف عنها الحكومة الإلهية (الثيقراطية الإسلامية) اختلافاً كلياً فإن أوروبا لم تعرف منها إلا التي تقوم فيها طبقة من السدنة Priest class مخصوصة، يشرعون للناس قانوناً من عند أنفسهم حسب ما شاءت أهواؤهم وأغراضهم – لم يكن عند البابوات القساوسة المسيحيين شيء من الشريعة إلا مواعظ خلقية مأثورة عن المسيح -عليه السلام- ولأجل ذلك كانوا يشرعون القوانين حسب ما تقتضيه شهوات أنفسهم ثم ينفذونها في البلاد قائلين إنها من عند الله، كما ورد في التنزيل: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّـهِ لِيَشْتَرُ‌وا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: 79) – ويسلطون ألوهيتهم على عامة أهل البلاد متسترين وراء القانون الإلهي، فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة الإلهية.

وأما الثيقراطية التي جاء بها الإسلام فلا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ، بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشؤونها وفق ما ورد به كتاب الله وسُنَّة رسوله. ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لآثرت كلمة "الثيقراطية الديموقراطية" Theo-democracy أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" لهذا الطراز من نظم الحكم لأنه قد خول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة Limited Popular Sovereignty. وذلك تحت سلطة الله القاهرة وحكمه الذي لا يغلب، ولا تتألف السلطة التنفيذية Executive  إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشيء إلا بإجماع المسلمين.

... فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي ديمقراطياً Democracy إلا أنه – كما تقدم ذكره من قبل – إذا وجد نص من أمراء المسلمين أو مجتهد أو عالم من علمائهم ولا لمجلس تشريعي Legislature لهم، بل ولا لجميع المسلمين في العالم أن يصلحوا أو يغيروا منه كلمة واحدة ومن هذه الجهة يصح عليها إطلاق كلمة "الثيقراطية"[3].

لكن الحكومة الإلهية أو الثيقراطية  Theocracyتبدو لي غير ذلك. لأنها، وبكل بساطة، ستأتي كبديل عن سلطة قائمة، ويتعلق الأمر بمجرد استبدال سلطة بسلطة، لكن الأزمة هنا أن الحكومة التي توصف بكونها إلهية، كيف يمكن التنافس معها في المستقبل؟ وما السبيل لتغييرها حينئذ؟ تتحدث عن حكومات أزلية هنا!

إن كل ما يصدر من أعمال من قِبَلِ أي حكومة تقوم على أساس شرعة أخرى غير شرعة الله  وقانونه الذي جاء به الأنبياء من لدن رب الكون وإلهه باطل لا قيمه له ولا وزن، مهما اختلفت هذه الحكومات فيما بينها من تفاصيل في الشكل والنوع، وحكمها غير شرعي البتة، فإذا كان المالك الحقيقي لم يعطها سلطاناً – نعني بالسلطان السلطة التي تسلم بأن الله مالك الملك وتعترف بنفسها خليفة لله وتؤمن بالله رسولاً من عند الله وبالقرآن كتاباً منزلاً من الله تعمل بمقتضى الشريعة الإلهية – فـأنّى لها أن تكون حكومات شرعية؟

إنّ القرآن يرى كل ما تقوم به هذه الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون – وأعني بهم رعايا الله الأوفياء – وجود هذه الحكومات باعتبارها أمراً واقعاً خارجاً عن إرادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل في أموره وقضاياهم؛ إذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الأصلي (الله)، أو قبولهم حكماً في مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الأوفياء مهما ادَّعى الإسلام والإيمان .

للمشاركة:

عادل لطيفي: تيارات الإسلام السياسي استفادت من غياب الحريات

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2020-05-28

أجرى الحوار: عيسى جابلي


يؤكد الباحث التونسي عادل لطيفي أنّ مقاومة الإرهاب تكون بإحياء المجتمع المدني. ويلفت إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية.

لطيفي باحث أكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر بجامعة باريس الثالثة. درس بدار المعلمين العليا بسوسة وناضل صلب الإتحاد العام لطلبة تونس، وعمل مدرّساً بمدينة فريانة مسقط رأسه (1990-1995). ناقش أطروحة دكتوراه سنة 2001 عن "تاريخ الزاوية التليلية بفريانة والطرق الصوفية في العصر الحديث والمعاصر". صدرت له بفرنسا ثلاث دراسات علمية عن الإسلام في بلاد المغرب. يكتب عادل لطيفي في مجلات ومواقع عربية عديدة. "حفريات" التقته وأجرت معه الحوار التالي:

من وجهة نظر علم التاريخ وعلم الاجتماع، ما الأسباب التي ساهمت في ظهور ما بات يعرف بـ"الإسلام السياسي"؟
قبل الإجابة مباشرة علينا رفع بعض اللبس؛ إذ عادة ما نلاحظ خلطاً بين الإسلام كدين؛ أي كتجربة تاريخية، والإسلام السياسي. كما نلاحظ خلطاً، أحياناً أخرى، بينه وبين الوهابية والإصلاح الإسلامي. تتفق أغلب الأبحاث التاريخية على اعتبار الإسلام السياسي أيديولوجيا سياسية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في خضم الإصلاحات التي شهدنها الإمبراطورية العثمانية، سواء في مركزها أو في أطرافها مثل؛ مصر وتونس. وهي إصلاحات مرتبطة عموماً بظهور الدولة الحديثة بقوانينها الوضعية وإدارتها المعقلنة وبمبادئها مثل الحرية والمساواة. استغلت بعض الفئات المرتبطة بالوظائف الدينية المشاكل المالية للدولة، واستعمار بعض البلدان العربية، كي تثور ضد الإصلاحات وضد إطارها؛ أي الدولة الوطنية. في هذا الإطار بدأت عملية إعادة صياغة للإسلام كي يكون بديلاً عن الدولة الحديثة.

تراجع تأثير الفكر القومي العربي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنموّ التيار الإسلامي والسلفية الجهادية

فكانت الدولة الإسلامية بديلاً عن الدولة الوطنية، والشريعة بديلاً عن القانون، والعدل بديلاً عن الحرية. وانتقلت هذه الأفكار لاحقاً عبر شخصية رشيد رضا إلى مصر أين تأسس أول تنظيم يحمل هذه الأفكار مع الإخوان المسلمين. في الهند ظهرت الجماعة الإسلامية مع أبو الأعلى المودودي على خلفية رفض المسلمين البقاء في دولة واحدة مع الهندوس. فتشكلت باكستان على أساس الهوية الإسلامية مما يفسر قوة المجموعات الإسلامية وفاعليتها إلى اليوم هناك. أي إن إشكالية الدولة كانت دائماً وراء ظهور الإسلام السياسي. بعد موجة الاستقلال، وخاصة مع نهاية السبعينيات بدأ تأثير فكر الإخوان المسلمين يتوسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية. من بين العوامل الداخلية الأزمةُ الاجتماعية التي زادت من تنقل السكان إلى الريف وظهور الأحياء المهمشة التي ستصبح خزاناً لتأطير الشباب. نضيف إلى ذلك تراجع تأثير الفكر القومي العربي الذي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنمو التيار الإسلامي. أما العامل الحاسم في انتشار الحركات الإسلامية، حسب رأيي، فيتمثل في تأثيرات الثورة الإيرانية سنة 1979. فقد أعطت مثالاً على أنّ يوتوبيا الثورة الإسلامية يمكن أن يتحقق وينتصر على الغرب.

 

عداء الدولة الوطنية      

هل يعني هذا أنّك تقصي عاملاً آخر كثيراً ما يبرر به صعود الإسلام السياسي، أعني فشل الدولة الوطنية في إرساء مشروع حداثي حقيقي، وهو فشل يراه كثيرون سبباً مباشراً في إيجاد "بيئة خصبة" تطرح فيها تيارات الإسلام السياسي نفسها كبديل؟

هذا التبرير يقدمه الإسلام السياسي ذاته، وللأسف يقع في فخه عديدون؛ لأنّ هذا التبرير مبني أصلاً على عداء مع الدولة الوطنية بما يشرع البحث عن بديل عنها وهنا يلتقي مع الإسلام السياسي. من جهة ثانية، أعتقد بأنّ أصحاب هذا الرأي ليست لهم دراية بمعنى الدولة الوطنية ولا بمسار تشكل الدولة في العالم العربي. في حالة تونس مثلاً نجحت الدولة الوطنية إلى حد ما في عقلنة الدولة والإدارة، والعلاقات الاجتماعية وكان ذلك في إطار دولة الاستقلال مع بورقيبة.

بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف

ففي فترة بناء الدولة الوطنية لا يمكن الحديث في الحقيقة عن دمقرطة والدولة هشة. والحقيقة أنّ ما جعل تونس تصمد بعد الثورة وتتجنب الفوضى هو نجاحات الدولة الوطنية المتمثلة في المجتمع المدني وفي النخبة وفي الإدارة وفي المحكمة الدستورية وفي عمق التمسك بالهوية الوطنية. ونفس هذه المكاسب هي التي صمدت أمام محاولة الإسلاميين تحويل وجهة الدولة لصالح حزبهم. أكبر دليل على أن الدولة الوطنية وتحديثها قد صمدا في وجه الأسلمة هو عدد النساء اللواتي حسمن الانتخابات الماضية لصالح الباجي قائد السبسي. في الحالات العربية الأخرى، ما عدا المغرب، هيمنت إشكالية بناء الحكم على بناء الدولة، وهو ما جمّد تحديث الدولة والمجتمع، ولم يمكّن من قيام قوى أخرى تثري المجتمع السياسي مثل النخبة والمجتمع المدني. صحيح أن تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية. غير أننا لاحظنا تاريخياً أنها تستغل الانتخابات للانفراد بالحكم عبر السيطرة على الدولة، وعبر تنظيم العنف الموازي في شكل مليشيات كما حصل خلال الثورة الإيرانية، وكما حصل في الجزائر خلال التسعينات، وكما حصل في تونس مع مليشيات "روابط حماية الثورة". واقع ما بعد الثورات، وبخاصة في تونس، أثبت فشل رهان الإسلام السياسي على مواجهة الدولة الوطنية وطرح نفسه بديلا عنها. وهو ما يفسر ضياع هذه الحركات اليوم بين واقع الدولة وبين يوتوبيا الإسلام السياسي.  

لنتناول الآن علاقة الغرب بتيارات الإسلام السياسي أو بعضها على الأقل، فيرى بعض الملاحظين أنّ بين الإسلام السياسي والغرب علاقة معقدة تتراوح بين التأييد هنا والرفض هناك، برأيك ما الذي يحكم هذه المواقف؟
تحليلنا السابق لظهور الإسلام السياسي يعطي الأولوية للميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية. وهذا يفند ما يشاع من أن الحركات الإسلامية وليدة الاستعمار؛ لأن ذلك مظهر من مظاهر عقلية المؤامرة التي تحكم جزءاً كبيراً من نخبنا. من ناحية ثانية، لا يمكننا أن نتحدث عن الغرب وحدةً سياسيةً تجمعها المصالح نفسها. أعتقد أنّ العلاقة اختلفت تاريخياً بحسب نوعية الاستعمار وبحسب ثقافة الدولة المستعمرة. فالاستعمار الانجليزي كان دوماً استعماراً غير مباشر ولا يتدخل عادة لتغيير التوازنات التقليدية، عكس الاستعمار الفرنسي المطبوع برؤية الثورة الفرنسية الإصلاح النابليوني. لذلك كان الإنجليز عادة منفتحين على الثقافة التقليدية بما فيها الإسلام السياسي عكس الفرنسيين. أما خلال العشريات الأخيرة، فأعتقد بأنّ هناك عاملين أساسيين حكما هذه العلاقة: عامل احترام حقوق الإنسان الذي حتم استقبال المضطهدين من الإسلاميين؛ وكذلك عامل الخيار الشعبي الداخلي في حال انتخاب قوى إسلامية مما يحتم احترام هذا الاختيار. لذلك أعتقد أنه لا يوجد تقارب استراتيجي وهيكلي يحكم العلاقة بين الطرفين. فالغرب يتعامل مع مخرجات مجتمعاتنا تعاملاً واقعياً يراعي مصالحها من ناحية، ولكنه يراعي أيضاً خصوصية البلدان الصديقة له. لكنني أعيد الـتأكيد على أن الغرب غير متجانس في موقفه، كما أنّ وضع البلدان العربية بدوره مختلف. فبريطانيا مثلاً منفتحة كثيراً على الحركات الإسلامية، عكس فرنسا التي تهيمن عليها صرامة الرؤية اللائكية. في حين يتميز الأنجلوسكسونيون بانفتاحهم الثقافي والديني.  
إذاً، تنفي الطرح القائل بأن الإسلام السياسي ما هو إلا أداة يتوسلها الغرب لتحقيق أجندات خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

قلت إنّ ذلك يعدّ تجسيداً لفكرة المؤامرة التي تهيمن على الفكر السياسي العربي منذ الفترة الاستعمارية. ويعزى ذلك إلى عقدة الهزيمة العسكرية التاريخية التي حولت كل الاهتمام نحو الآخر لا نحو الذات. فحتى العلوم الاجتماعية التي تمكننا نظرياً من فهم الميكانيزمات الداخلية لمجتمعاتنا، تمت أقلمتها مع هاجس المؤامرة مما أفقدها الكثير من مصداقيتها العلمية. علينا أن نعي بأن العالم تغير كثيراً بعد موجة الاستقلال، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة. فتراجع التنافس الجيوستراتيجي حول العلاقات الدولية من هاجس الهيمنة والتبعية إلى فكرة الاستقرار والتهاون الاقتصادي. فأجندات الغرب ليست واحدة وهي لا تعطي قيمة كبيرة في الواقع لعالم العرب مقارنة مع شرقي آسيا.

حركة النهضة والتيارات السلفية

أغلب القيادات في الجماعات الإرهابية كانت في يوم من الأيام منتمية إلى الإخوان المسلمين مثل؛ أيمن الظواهري وبن لادن وغيرهما، هل يمكن الجزم بأن حركات الإسلام السياسي قد تخلت عن خيار العنف نهائياً وقطعت مع الإرهاب؟
العلاقة بين المنظمات الإخوانية والتنظيمات الجهادية محل نقاش سواء من الناحية التنظيمية أو من الناحية الفكرية، فالمعلوم أنّ أولى التنظيمات الجهادية كانت الجهاد الإسلامي في مصر سنة 1964 وأغلب قياداتها كانوا في الإخوان. كما أن ظهورها يتزامن مع توتر العلاقة بين عبد الناصر ومنظّر الإخوان سيد قطب. فكأنّ التطرف الجهادي جاء نتيجة لفقدان الثّـقة في القدرة على تغيير المجتمع باتجاه الأسلمة وذلك بسب دور الحكام السلبي. وظهرت في نفس الوقت الجماعة المقاتلة في سوريا. غير أنّ العامل الحاسم في توسع الجماعات الجهادية يتمثل في اعتبار أفغانستان أرض جهاد منذ غزوها من طرف الاتحاد السوفييتي. ومثّل ذلك نقطة نوعية في الانتقال من الجهاد الداخلي ضد الحكام إلى الجهاد الخارجي ضد الاستكبار الغربي. في نفس الوقت واصلت الحركات الإخوانية محاولة التطبيع مع الواقع السياسي بتناقضاته إلى حدود الثورات العربية الأخيرة.

المنافسة السياسية تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية، ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية

وقد كشفت السنوات الأولى في الحقيقة تقارباً بين التوجهين، كما لاحظنا ذلك في تونس زمن الترويكا. لكن بسبب التحولات الإقليمية، وبسبب الصمود المدني في تونس، أجبرت حركة النهضة على القطع مع التيارات السلفية بعد أن كانت قد شجعت على انتشارها بالرغم من عنفها. فالتيارات الإخوانية والجهادية تنتمي إلى التوجه نفسه وهو الإسلام السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون بديلاً عن ذلك. والبديل الحقيقي عن الفكر الإرهابي هو الفكر المواطني العقلاني وليس الأصولية الإسلامية.      
ثمة من يرى بأن "تأييد" الغرب لهذه الجماعات إنما هو لسحب البساط من تحت أقدام الإرهاب، الذي يحظى بدوره بمباركته في مناطق أخرى من العالم. ألا ترى في هذا التوجه تناقضاً قد يعود على الغرب ضرره؟
يمكن القول بأن الغرب، وبخاصة منه النخب السياسية، لم تفهم جيداً ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ نلاحظ أنّ هناك خلطاً كبيراً لديها بين الإسلام كهوية اجتماعية وثقافةً وبين الإسلام السياسي. فعديد الحركات اليسارية الغربية مثلاً كانت ترى في الإسلام السياسي نوعاً من مناهضة الأمبريالية، وبالتالي أعطتها نوعاً من الشرعية النضالية. ولدى جمهور آخر من الباحثين في مجال العالم العربي والإسلامي، يرون في الإسلام السياسي تعبيراً عن حداثة ذات خصوصية ثقافية تتميز عن الحداثة الغربية. وقد نظر إلى هذه التوجهات عديد المفكرين مثل؛ برنارد لويس وميشال كامو وبرتراند بادي. وقد ساهمت هذه المقاربات في إعطاء نوع من الشرعية السياسية والثقافية للحركات الإسلامية التي استقرت في الغرب خاصة وقد ذهبت لاجئة من قمع الدكتاتوريات.
وقد ازداد هذا التقارب نسبياً بعد توسع الأنشطة الإرهابية للجماعات الجهادية وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. إذ بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف، والحال أنه كان في الحقيقة يساعد على انتشار التطرف. ذلك أنّ حركات الإسلام السياسي التي كانت تنشط في ثوب الجمعيات كانت تربي منخرطيها على الخصوصية الدينية التي تميزهم على الغرب كما كانت تشجع على الانطواء الديني ورفض الآخر. كل هذا كان يمثل الأرضية الأولى لتشكل الاستعداد للفعل الجهادي. لقد تغير الوضع نسبياً مؤخراً بسبب التقارب الذي لوحظ بين الجماعات الإسلامية الانتخابية وبين الجماعات الجهادية كما كشف عنه الوضع في سوريا. لذلك بدأت عديد البلدان تحذر الحركات الإخوانية أيضاً.

ينادي الغرب بالديمقراطية وضرورة اعتمادها آلية مدنية لتنظيم الاجتماع السياسي الإنساني، غير أنّ هذه الآلية قد أسفرت صناديقها عن صعود حركات الإسلام السياسي غير المرغوب فيها في أكثر من بلد عربي، غير أنّ التعامل لم يكن نفسه؛ إذ تمت مباركة صعودهم في تونس كما تمت مباركة إسقاطهم في مصر مثلاً، كيف يفهم عادل لطيفي هذا الموقف الغربي المزدوج من الإسلام السياسيّ؟

الديمقراطية ليست مقترحاً غربياً بل هي قبل كل شيء مطلب من داخل حاجتنا. دون ذلك فنحن نشرّع للاستبداد. مثل هذا القول يوحي بأن الديمقراطية منتوج غربي، وهذا غير صحيح لا في التاريخ الحديث ولا المعاصر. فالديمقراطية القرطاجنية ليست غربية، وحتى أثينا كانت تتبع عالم الشرق؛ لأن الغرب لم يوجد بعد آنذاك. أما خلال الفترة المعاصرة فقد لاقت الديمقراطية مصاعب عدة كي تستقر في المجتمعات الغربية. لم تبدأ الديمقراطية في التأكد إلا بعد ثورات 1848. كما لم تخرج إسبانيا والبرتغال من الاستبداد سوى في أواسط السبعينيات من القرن العشرين. الحقيقة أن الديمقراطية باعتبارها شكلاً من أشكال تمثيلية الأمة في الدولة، فرضت نفسها في إطار مسار تشكل الدولة الوطنية بغض النظر عن الثقافات. من جهة ثانية تتطور كل الأنظمة أينما كانت باتجاه الديمقراطية، وهذا مسار لا مناص منه في تاريخ تشكل الدولة الحديثة. بقي أن البلدان الغربية حققت أسبقية في هذا الميدان وبدأت تضغط بالفعل على البلدان النامية عموماً. لكن في الوقت نفسه علينا الإقرار بأنه ليست الحكومات الغربية وحدها من يدفع باتجاه الدمقرطة. بل لا يجب أن ننسى المنظمات الدولية والحقوقية العالمية. أما صعود الإسلاميين فهذا لا يعود إلى آلية الديمقراطية، فهذه الآلية تمثل عاملاً كاشفاً عن طبيعة التناقضات المجتمعية. وبالنسبة إلى نجاح الإسلام السياسي في أول انتخابات حرة في العالم العربي فيعلمه المتخصصون والدارسون منذ فترة. وكان غسان سلامة ذاته قد أورده في أحد كتبه منذ التسعينيات. لكن هذا يخص أول انتخابات، وليس ما سيلحق، حيث يتوقف الأمر على مدى جاهزية القوى المعارضة للإسلام السياسي.

الديمقراطية والإسلام السياسي
في عالمنا العربي يتوق كثيرون إلى تحقيق مطلبين في لحظة واحدة: الديمقراطية، وفشل الإسلام السياسي في الفوز بالانتخابات، برأيك كيف يمكن التوفيق بين الأمرين: تطبيق الديمقراطية وضمان عدم صعود حركات الإسلام السياسي؟

علاقة القوى الديمقراطية مع الإسلام السياسي ليست علاقة إقصاء بل علاقة منافسة، لكن هذه المنافسة تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية. ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية وحول مدنيتها؛ إذ لا يمكن تصور ديمقراطية خارج الدولة المدنية. مسألة مدنية الدولة ومسألة العنف هي من أهم الملفات التي وجب على الحركات الإسلامية أن تقدم فيها نقداً ذاتياً ومراجعة فكرية كي تكون خصماً سياسياً في إطار ديمقراطي. وبالتالي فتحقيق الديمقراطية يمكن أن ينجح عموماً في ظل حركات إسلامية معقلنة، أي تعود إلى المرجعية الدينية كأخلاق لا كقانون موازٍ لقانون الدولة. وهذا باعتقادي يسمح بوجود الحركات الإسلامية في المشهد السياسي ولكن لا أعتقد أنه يضمن لهم الوصول إلى السلطة. فالأمر يتوقف هنا على مدى صلابة الأحزاب الديمقراطية واليسارية وواقعيتها.

للمشاركة:

خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:



منع انتخاب مرشح تركيا بالتزكية رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

منعت عدد من الدول انتخاب المرشح التركي، فولكان بوزكير، بالتزكية رئيساً للدورة السنوية الـ75 الراهنة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ما يعني أنّه بات يحتاج الآن إلى إجراء عملية انتخابية لم يحدد موعدها بعد، وسيحتاج خلالها إلى الحصول على 51 في المئة من الأصوات.

مارست الإمارات العربية المتحدة، وأرمينيا، وقبرص، واليونان، حقّ النقض (الفيتو) لمنع تسلم تركيا لهذا المنصب المهم في المنظمة الدولية، وفق صحيفة "الشرق الأوسط".

الإمارات وأرمينيا وقبرص واليونان، تمارس حقّ النقض لمنع تسلم تركيا رئاسة الجمعية العامة

وأكدت المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة، لانا نسيبة، أنّ اعتراض الإمارات العربية المتحدة لا يتعلق بشخص بوزكير، بل بالتدخلات العدائية لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في الشؤون الداخلية للدول العربية، مطالبة إياه بتقديم "تأكيدات" لضمان "وفائه بمسؤولياته بطريقة مستقلة ومحايدة"، وبأن "ينأى بنفسه صراحة عن أفعال تركيا".

وكتبت نسيبة، رسالة إلى رئيس الجمعية العامة أفادت فيها أنه "بناء على تعليمات من حكومة الإمارات العربية المتحدة بشأن انتخاب التركي فولكان بوزكير، وبالإشارة إلى رسالة وجّهتها كل من أرمينيا وقبرص سوياً، ورسالة أخرى من اليونان، التي اعترضت بشكل منفصل على انتخاب بوزكير عن طريق الإجراء الصامت، وطلب إجراء انتخاب رئيس الجمعية العامة في دورتها الـ75 بالاقتراع السري، وبالإضافة إلى القضايا التي أثارتها أرمينيا وقبرص واليونان، والتي نعترف بها ونتقاسمها بالكامل، ومن دون كسر الإجراء الصامت، تودّ حكومتي أن تعرب عن مخاوفها طويلة الأمد حيال تدخل تركيا المتواصل في الشؤون السيادية للدول العربية، ما ترفضه الإمارات العربية المتحدة بشكل قاطع، وتسعى بكل احترام إلى الحصول على تأكيدات بأن بوزكير سيفي بمسؤوليات رئيس الجمعية العامة بطريقة مستقلة ومحايدة".

وكررت نسيبة باسم بلادها "التنديد بانتهاكات تركيا المتصاعدة للمجال الجوي اليوناني، والنشاطات التركية غير القانونية المستمرة في المياه القبرصية، وأعمالها الاستفزازية الأخرى في المنطقة، ومن أبرزها الإعلان المشترك الذي اعتمده وزراء خارجية قبرص ومصر وفرنسا واليونان والإمارات العربية المتحدة في 11 ايار(مايو) الماضي 2020"، مؤكدة أنّ "مذكرات التفاهم للتعاون البحري والعسكري التي أبرمتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني (الليبية) - على التوالي - تتعارض مع القانون الدولي وعقوبات مجلس الأمن على ليبيا".

المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة: طموح تركيا للسيطرة على الأراضي العربية ذات السيادة يهدد استقرار المنطقة

وأعلنت "رفض دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة خطط تركيا للقيام بنشاطات حفر بموجب اتفاق باطل يتعارض مع المبادئ المعية للقانون الدولي"، مضيفة أنّ "التدخل العسكري التركي في ليبيا، واستمرار (تركيا) في توفير الأسلحة ونقل المقاتلين من سوريا في انتهاك لالتزامات تعهدت بها في مؤتمر برلين في فبراير (شباط) 2020، يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في ليبيا والدول المجاورة في شمال أفريقيا"، كما أنّها "تحبط آفاق الحل السياسي السلمي للنزاع في منطقة الساحل، وتزعزع استقرار المنطقة، وتنتهك القانون الدولي".

وندّدت "بأشدّ العبارات" بـ "النشاطات العسكرية المستمرة لتركيا في كل من سوريا والعراق، في انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجامعة العربية ذات الصلة".

وقالت نسيبة إنّ "هذا السلوك غير القانوني يضعف هذه الدول، ويخلق الظروف التي يمكن للمنظمات الإرهابية مثل (داعش) استغلالها".

وعبّرت عن "مخاوف جدية أبدتها أرمينيا وقبرص بشأن سياسة تركيا المستمرة، المتمثلة في إنكار الإبادة الجماعية للأرمن التي ارتكبت في الإمبراطورية العثمانية".

وخلصت إلى أنه "في ضوء هذا الإرث وآثاره الضارة المستمرة، نشعر بالجزع من إيواء تركيا للمتطرفين الدينيين، والطريقة التي تسعى من خلالها إلى استخدام تحريضهم على الكراهية الطائفية لتعزيز الأجندة السياسية التركية في مصر وليبيا وعدد من الدول العربية الأخرى".

ورأت أنّ "طموح تركيا للسيطرة على الأراضي العربية ذات السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية العربية في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط يأتي على حساب السلام والاستقرار عبر المنطقة ويتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة".

للمشاركة:

شركة طيران الإمارات تستأنف رحلات الركاب إلى هذه المدن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

تفوقت شركة طيران الإمارات على مثيلاتها من الشركات العالمية بسرعة تجاوز تبعات جائحة كورونا والتي عصفت بالقطاع، وأطاحت بشركات عالمية، حيث أعلنت الشركة، اليوم، استئناف تسيير بعض رحلات الركاب، وذلك بعد أن أعلنت حكومة الإمارات إعادة فتح المطارات أمام الخدمة الترانزيت، التي يتوقف الركاب بموجبها في الدولة لتغيير المسارات، أو لتزود طائراتهم بالوقود.

وقالت طيران الإمارات، التي تتخذ من دبي مقراً لها، وهي إحدى أكبر شركات الطيران التي تسير رحلات طويلة المدى في العالم، إنّها ستسير رحلات ترانزيت إلى 29 وجهة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية بحلول 15 حزيران (يونيو) الجاري، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

شركة طيران الإمارات تعلن استئناف تسيير رحلات الركاب وتقديم خدمات الترانزيت

وذكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي، في بيان صحفي، أنّ رحلات الركاب أصبحت متاحة بين دبي و16 مدينة تشمل كلاً من: البحرين ومانشستر وزوريخ وفيينا وأمستردام وكوبنهاغن ودبلن وجي.إف.كيه بنيويورك وسول وكوالالمبور وسنغافورة وجاكرتا وتايبه وهونغ كونغ وبرث وبريسبان.

وأضاف البيان أنّه بمقدور الركاب المسافرين بين آسيا والمحيط الهادي وأوروبا والأمريكيتين، استخدام رحلات ربط بشكل آمن وفعال عبر دبي.

كما جاء في البيان أنّه اعتباراً من 8 حزيران (يونيو) الجاري، ستقدم طيران الإمارات رحلات إلى كراتشي ولاهور وإسلام آباد لإعادة المقيمين في دولة الإمارات والمسافرين من باكستان الراغبين في استقلال رحلات ربط إلى وجهات إماراتية أخرى.

وبذلك يرتفع عدد الوجهات التي تغطيها الرحلات المنتظمة لطيران الإمارات من دبي إلى 29 مدينة، بما في ذلك الرحلات التي تعمل حالياً إلى كل من: لندن هيثرو، فرانكفورت، باريس، ميلانو، مدريد، شيكاغو، تورنتو، سيدني، وملبورن، بالإضافة إلى مانيلا اعتباراً من 11 الشهر الجاري.

للمشاركة:

الأردن يخفف إجراءات مواجهة كورونا.. هذه القرارات الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

أعلن رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز، اليوم، بدء تخفيف إجراءات مواجهات فيروس كورونا المستجد.

وتتضمن الخطة، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، سلسلة من الإجراءات والقرارات لإعادة تشغيل المزيد من القطاعات الاقتصادية والخدمية.

الأردن يفتح غالبية القطاعات ويخفف القيود على حركة وتنقل المواطنين ابتداء من يوم السبت

وتستند الخطة إلى مصفوفة إجراءات مرتبطة بمستوى الخطورة الصحي؛ حيث من المنتظر أن ينتقل الأردن مع بدء تنفيذ الخطة إلى مستوى خطورة صحية جيد يسمح بفتح القطاعات المختلفة وتخفيف القيود على حركة وتنقل المواطنين.

وقررت الحكومة الأردنية فتح مجموعة من القطاعات والأنشطة التجارية اعتباراً من يوم السبت المقبل من الساعة 6 صباحاً حتى الساعة 12 ليلاً، وفتح المساجد والكنائس أمام المصلّين لأداء جميع الصلوات، وفتح الحضانات، مع الالتزام بالضوابط والقيود الصحيّة والوقائيّة.

كما تقرر فتح المطاعم والمقاهي وفق ضوابط وقيود، وفتح الأندية والفعاليات الرياضية (بدون جمهور)، وفتح قطاع الفندقة والضيافة والذي يشمل الفنادق والنُزُل، وفتح المواقع السياحيّة لغايات السياحة المحليّة، والسماح بالطيران الداخلي، والسماح بالزيارات الى السجون ودور الرعاية، وإلغاء نظام الزوجي والفردي على المركبات مع السماح بالتنقل للمواطنين بين كافة محافظات المملكة.

وقال رئيس الوزراء: إنّ الاجراءات الحكومية حققت "انفراجاً" في عدة قطاعات، لافتاً إلى أنّ الأردن في مستوى "معتدل الخطورة".

فتح الأردن المساجد والكنائس أمام المصلّين لأداء جميع الصلوات مع الالتزام بالضوابط والقيود الصحيّة والوقائيّة

وذكر الرزاز أنّ "البدء مبكراً في إجراءات الوقاية ساهم في النتائج التي وصلنا إليها اليوم"، مشدداً على ضرورة المحافظة على التشاركيّة التي تعزّزت بشكل كبير خلال الأزمة.

وبما يتعلق بالقطاع الاقتصادي قال الرزاز: لسنا بمعزل عن الانكماش الاقتصادي العالمي، الذي سببه تعطّل القطاعات الحيويّة؛ كالسياحة والتجارة وغيرها، مشيراً إلى أنّ ٤٩٨ ألف عامل أردني استفادوا من برامج الحماية التي أطلقها البنك المركزي، والمؤسّسة العامّة للضمان الاجتماعي وصندوق المعونة الوطنيّة.

وأضاف رئيس الوزراء: تأتينا طلبات من دول عربية للقدوم والعلاج في الأردن، وسنبدأ ذلك وفق خطة في الأيام المقبلة، مؤكداً أنّ صادرات المملكة زادت من المواد الطبية والزراعية منذ بداية الجائحة.

للمشاركة:



الدوحة تدفع ثمناً باهظاً لسياسة 3 أعوام من المكابرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-05

 بعد ثلاثة أعوام على قرار المقاطعة العربية والخليجية لقطر، تجد الدوحة نفسها نتيجة سياسة المكابرة والعناد والارتهان لإيران وتركيا اللتين تعاملتا مع ورطتها بمنطق الغنيمة، في أزمة هي الأسوأ في تاريخها.

 وتشير مؤشرات وبيانات رسمية وتقارير هيئات مالية دولية إلى ارتفاع قياسي في ديون قطر الخارجية وخسائر طالت معظم قطاعاتها الحيوية من الطيران إلى السياحة إلى القطاع المصرفي وهبوطا في الإيرادات وارتفاعا في النفقات وتعثرا للعديد من المشاريع نتيجة أزمة سيولة واستنزاف للمالية العامة بسبب نفقات منشآت مونديال 2022 وحملة علاقات عامة مكلفة للغاية لتلميع صورتها في الخارج التي لطختها الارتباطات المشبوهة بجماعات  متطرفة.

وتؤكد الإمارة الخليجية الصغيرة أن اقتصادها نجح في التكيف مع المقاطعة وأنه قادر على الصمود، لكن الواقع بمنطق الأرقام يشير إلى عكس ذلك ويؤكد وفق بيانات محلية ودولية صادرة في العام الماضي وبدايات العام الحالي أن الوضع أسوأ بكثير مما تقدمه الرواية الرسمية.

 واضطرت قطر بعد قرار المقاطعة العربية والخليجية للبحث عن مسارات جوية وبحرية بعيدة ومكلفة جدا لتأمين حاجاتها الأساسية وتسيير رحلاتها الجوية والبحرية.

وأقرت الخطوط القطرية على لسان رئيسها التنفيذي أكبر الباكر بأنها تواجه وضعا صعبا مع استمرار تسجيلها لخسائر لم تتوقف منذ قرار المقاطعة العربية في الخامس من يونيو/حزيران 2017.

وتضاعفت خسائر الناقلة الجوية القطرية بنحو ثماني مرات خلال العام المالي المنتهي في 31 مارس/آذار الماضي، لتبلغ 640 مليون دولار ارتفاعا من خسائر بلغت في 2019 حوالي 69.55 مليون دولار، وفق مجلة 'فوربس' ووفق حسابات معلنة في منتصف يناير/كانون الثاني من العام الحالي.

ومثلت الخسائر التراكمية للشركة بنهاية السنة المالية أيضا نحو 9.1 بالمئة من رأسمالها مقابل 4.5 بالمئة بنهاية السنة المالية المنتهية في مارس/اذار 2018.

وأعلنت الخطوط القطرية في الفترة الأخيرة أنها ستقوم بتسريح العديد من الموظفين والعاملين فيها بسبب الضغوط التي فرضها تفشي فيروس كورونا ومنها انخفاض الطلب على الطيران.

وتسبب فيروس كورونا في خسائر كبيرة وضرر لكل اقتصادات العالم، إلا أنه عمق أزمة قطاعات الاقتصاد القطري الحيوية ومنها قطاع الطيران الذي يواجه منذ نحو ثلاثة أعوام ضغوطا مالية تراكمية بفعل عزوف المسافرين عن الحجز عبر الخطوط القطرية لأكثر من سبب أولها كثرة الشبهات حول ارتباط الدوحة بالإرهاب وأيضا لبعد المسارات الجوية التي تسلكها.

وفتحت الناقلة الجوية القطرية العديد من المسارات والوجهات في ظل المقاطعة، إلا أن كل الحلول الترقيعية لم تكبح خسائرها.

وكان أكبر الباكر قد قال في تصريحات سابقة لوكالة رويترز "قد نستغني عما قد يصل إلى 20 بالمئة من الموظفين في المجموعة" بسبب الصعوبات الناجمة عن أزمة كورونا.

وكانت الخطوط القطرية قد حذّرت بدورها من تسجيل ثالث خسارة على التوالي في السنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس/اذار من كل عام حتى قبل ظهور وتفشي جائحة كورونا وتأثر الطلب العالمي على السفر.

وتخطط الخطوط القطرية وفق ما أعلنه رئيسها التنفيذي لبيع 5 طائرات من طراز بوينغ 737 ماكس من أسطولها، في محاولة لتقليل الخسائر.

وأشار الباكر أيضا في تصريحاته السابقة لرويترز إلى أن إيرباص وبوينغ قد ترفضان طلبات تأجيل تسلم طائرات تقدمت بها الخطوط الجوية القطرية المملوكة للدولة، مضيفا "نتفاوض مع بوينغ وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل أن يلتزم المنتجان" بذلك.

وأوضح كذلك أن عشر طائرات من طراز إيرباص إيه 380 لن يحلق حتى منتصف أو أواخر 2021 على الأقل، فيما تخطط الشركة لتقليص أسطولها البالغ حاليا نحو 200 طائرة.

وهبطت أصول الشركة بنحو 5.6 بالمئة خلال العام المالي الماضي إلى 27 مليار دولار، فيما كانت في العام المالي الذي سبقه 28.7 مليار دولار.

وأمنت الخطوط القطرية في خضم جائحة كورونا عشرات الرحلات للمئات من العالقين من الرعايا الأجانب لأكثر من وجهة، وحظيت بإشادة أوروبية على المبادرة، لكن الكلفة كانت عالية جدا باعتبار أنها جازفت بنقل العدوى في ذروة تفشي الفيروس.

وفي الثاني من يونيو/حزيران الحالي اضطرت اليونان لتعليق الرحلات من وإلى قطر على خلفية مخاطر انتقال العدوى. وجاء القرار اليوناني بعد رصد  مصابين بفيروس كوفيد 19 بين ركاب رحلة آتية من الدوحة.

وأعلن جهاز الحماية المدنية اليوناني في بيان أن الفحوص أظهرت إصابة 12 مسافرا من أصل 91 كانوا على متن طائرة تابعة للخطوط القطرية هبطت في أثينا، بفيروس كورونا.

وبين المصابين تسعة باكستانيين يقيمون في اليونان ويونانيان يعيشان في أستراليا وأحد أفراد أسرة يونانية يابانية.

تراجع عدد السياح الأجانب

وبسبب ارتباطات قطر بجماعات متطرفة وأيضا بفعل تأثيرات تفشي فيروس كورونا في الإمارة الخليجية الصغيرة، لم تعد الدوحة وجهة سياحية مفضلة على خلاف ما كان عليه الوضع قبل قرار المقاطعة.

وأظهرت بيانات وزارة التخطيط والإحصاء القطرية مؤخرا، انخفاض أعداد السياح الوافدين إلى قطر خلال الأربعة أشهر الأولى من العام 2020، بنحو 30.6 بالمئة على أساس سنوي.

وانخفض عدد السياح الأجانب إلى 547 ألفا و175 سائحا بنهاية أبريل/نيسان، مقارنة بـ789 ألفا و27 سائحا في الفترة نفسها من العام 2019.

ومثلت النسبة الأكبر للسياحة الأجنبية الوافدة من أوروبا بنحو 41 بالمئة أو 226 ألف زائر، ثم من الدول الآسيوية الأخرى وأوقيانوسيا بنسبة 31 بالمئة (186.8 ألف سائح) ومن دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 10 بالمئة لنحو 53.788 ألف زائر

وكانت أعداد السياح الوافدين لقطر، ارتفعت بنسبة 17.4 بالمئة خلال عام 2019 إلى 2.136 مليون سائح.

وتسعى الدوحة إلى جذب 5.6 ملايين سائح سنويا بحلول 2023، إلا أن جائحة كورونا كان لها تأثير على قطاع السياحة العالمي والذي يستمر عدة سنوات حتى تتعافى مرة أخرى. وارتفعت إصابات قطر بفيروس كورونا لأكثر 60 ألف

وتشير البيانات لحركة السياحة في قطر إلى تأثر القطاع الحيوي بفيروس كورونا، إلا أن التراجع في عدد الوافدين الأجانب مرتبط أيضا بسجل الدوحة في دعم التطرف وهو ما دأبت الحكومة القطرية على نفيه.

ديون قطر تتفاقم

وأظهرت بيانات البنك المركزي القطري ارتفاعا في ديون الدوحة الخارجية خلال السنوات الماضية، وهي واحدة من المؤشرات على حجم الضغوط المالية التي تفاقمت منذ قرار المقاطعة العربية والخليجية قبل ثلاث سنوات.

ومع تصاعد الالتزامات المالية لقطر، اضطرت الحكومة إلى اللجوء في السنوات الأخيرة إلى الاقتراض ما فاقم الأعباء المالية للدين الخارجي الذي ارتفع إلى مستويات قياسية عند 55 مليار دولار بنهاية العام 2019، مقارنة بـ43.4 مليار دولار في العام 2018 بنمو سنوي بنحو 25.34 بالمئة، أو ما يعادل نحو 11 مليار دولار.

وبحسب ما تشير إليه بيانات المركزي القطري، فإن ديون قطر الخارجية قفزت في السنوات العشر الأخيرة حتى نهاية 2019 بنحو 179 بالمئة، معظمها منذ قرار المقاطعة.

وتؤكد قراءات أن الارتفاع القياسي في نسبة الدين الخارجي للدوحة يأتي نتيجة أزمة السيولة في السوق القطرية في السنوات الأخيرة وأن هذا الوضع ناجم أساسا عن سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها القيادة في مواجهة تبعات المقاطعة العربية والخليجية.

تراجع فائض الميزان التجاري

وتظهر بيانات رسمية أيضا تراجع فائض الميزان التجاري السلعي لقطر في أبريل/نيسان الماضي بنسبة 66.9 بالمئة على أساس سنوي، في ظل تداعيات فيروس كورونا المستجد.

وبحسب بيان وزارة التخطيط والإحصاء القطرية فإن الميزان التجاري (الفرق بين إجمالي الصادرات والواردات) خلال أبريل/نيسان الماضي، سجل فائضا بقيمة 1.18 مليار دولار انخفاضا من 3.57 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2019.

وانخفضت الصادرات القطرية خلال أبريل/نيسان بنحو 48.2 بالمئة على أساس سنوي مقابل ارتفاع قيمة الواردات القطرية بنسبة 17 بالمئة.

وتراجع الفائض التجاري لقطر 16 بالمئة في 2019 إلى 44.4 مليار دولار مقارنة مع 53 مليار دولار في العام 2018.

وتعتبر قطر أكبر منتج ومصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال وتواجه منافسة صعبة على الحصة السوقية حول العالم مع زيادة صادرات موردين جدد من أستراليا والولايات المتحدة.

إيران وتركيا ومنطق الغنيمة

وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تسارع الدوحة إلى مصالحة مع محيطها الخليجي والإقليمي بالتخلي عن سياسات تؤكد دول المقاطعة الأربع أنها باتت تشكل خطرا على الأمن القومي العربي، سارعت قطر إلى اللجوء لإيران وتركيا.

وليس خافيا أن أنقرة وطهران تشكلان منذ عقود خطرا متربصا بمنطقة الخليج خاصة والمنطقة العربية عموما ضمن طموحات التمدد المحكومة بالمطامع التوسعية وبالأجندات الإيديولوجية.

والعلاقات بين الدوحة من جهة وطهران وأنقرة من جهة ثانية قائمة سرا وعلانية، إلا أنها تعزز خلال سنوات المقاطعة، فقطر التي وجدت نفسها في عزلة بعد غلق المنافذ الجوية والبحرية والبرية وهي شرايين حيوية للاقتصاد القطري، توجهت إلى تركيا وإيران بحثا عن بدائل حتى لو كانت مكلفة سياسيا واقتصاديا.

لكن سياسة الهروب إلى الأمام التي انتهجتها القيادة القطرية، أوقعتها في فخاخ منطق الغنيمة التي تعاملت على أساسه كل من طهران وأنقرة.

وبمنطق الربح والخسارة بغض النظر عن سبب ومسببات الأزمة، وجدت الدوحة نفسها فريسة للأطماع الإيرانية والتركية، فإيران التي تئن تحت ضغوط اقتصادية ومالية شديدة بفعل العقوبات الأميركية، كانت في حاجة ملحة لمنفذ مالي ينفس أزمتها الاقتصادية.

أما تركيا التي يواجه اقتصادها حالة من الركود وتعرضت عملتها الوطنية (الليرة) لموجة هزات عنيفة خلال السنوات الأخيرة بفعل سياسات رئيسها رجب طيب أردوغان وتدخلاته العسكرية الخارجية في كل من سوريا وليبيا وخصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء الغربيين، فكانت بحاجة إلى إنعاش اقتصادها وتمويل حروبها الخارجية.

وعلى هذا الأساس تعزز التحالف القطري الإيراني والقطري التركي، فقد استغل أردوغان ورطة قطر لتوقيع اتفاقيات تجارية وعسكرية خففت من وطأة الأزمة الاقتصادية في بلاده ومنحته فرصة إيجاد موطئ قدم في الخليج من خلال بناء وتوسيع قاعدة عسكرية في الدوحة وتصدير منتجات تركية للسوق القطري وهو ثمن يعتقد الرئيس التركي الذي يتعامل بمنطق البراغماتية أن على الدوحة دفعه.

وقد سارع أردوغان لإعلان دعمه لقطر وحاول تأجيج الخلاف بينها وبين دول المقاطعة، حتى لا يخسر مصدرا يمكن الاستفادة منه لإنعاش الاقتصاد التركي المتعثر وممولا مهما لتدخلاته العسكرية في سوريا وليبيا.

وبالفعل تعهدت قطر بضخ استثمارات بنحو 15 مليار دولار لدعم استقرار الليرة التركية التي هوت في أكثر من مرة إلى هوة عميقة.

كما تشير تقارير غربية إلى أن أنقرة طلبت من الدوحة التكفل بتمويل نقل مرتزقة من الفصائل السورية المتطرفة الموالية لتركيا، إلى الغرب الليبي لدعم حكومة الوفاق الوطني في مواجهة هجوم يشنه الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لتحرير العاصمة طرابلس من الإرهاب. وسمم الارتباط القطري الإيراني تحالفات قطر التقليدية خاصة مع الولايات المتحدة التي لديها أكبر قاعدة عسكرية في الدوحة، وسط أنباء عن وجود خطة أميركية لنقل تلك القاعدة بعد أن اتضح للحليف الأميركي الدور القطري في تخفيف العقوبات على إيران من جهة والارتباط الوثيق بجماعات على "القائمة الأميركية السوداء للجماعات الإرهابية".

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب علق في السادس من يونيو/حزيران 2017 على قرار المقاطعة العربية والخليجية لقطر قائلا في تغريدة على حسابه بتويتر إن دول الخليج قالت "إنها ستعتمد نهجا حازما ضد تمويل التطرف وكل الدلائل تشير إلى قطر"، مضيفا "قد يكون ذلك بداية نهاية رعب الإرهاب".

وذّكر الدوحة بأن لديها سجلا طويلا في دعم التطرف، إلا أنه غيّر لهجته بعد ذلك إزاء قطر التي تضمّ أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

 وأبرمت الدوحة عقود تسليح ضخمة بمليارات الدولارات في صفقات تفوق حاجتها وقدراتها أصلا ضمن محاولة شراء تحالفات خارجية وتعزيز ارتباطاتها الخارجية على أمل إيجاد منافذ لتفكيك عزلتها في محيطها وفضائها الخليجي والعربي واستقدام ضغوط غربية على دول المقاطعة، لكن الأخيرة تمسكت بتنفيذ قطر قائمة من 13 مطلبا أهمها فك الارتباط بإيران وتركيا والجماعات الإسلامية المتطرفة والتراجع عن سياساتها الخارجية المهددة للأمن القومي العربي والخليجي.

عن "ميدل ايست أنولاين"

  

 

للمشاركة:

قطر لم تتعلم من دروس المقاطعة بعد 3 أعوام: استمرار العزلة ونسيان الملف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-05

بدأ اليأس يسيطر على المواطنين القطريين من إمكانية وجود مخرج لأزمة بلادهم مع الدول العربية التي بادرت إلى مقاطعتها بسبب سياساتها المزعزعة للاستقرار، والعودة إلى فتح الحدود وتبادل الزيارات والمصالح، وذلك بسبب عناد السلطات القطرية التي تستمر في الاستثمار الإعلامي لمعاناة مواطنيها وغربتهم وانقطاع صلات الرحم مع أقاربهم في بلدان مجاورة.

ومع دخول المقاطعة عامها الرابع لا يبدو أنّ قطر بصدد الاستفادة من دروسها، ومن المواقف الحازمة للدول الأربع، والتي وضعت الدوحة أمام معادلة واضحة، إما الاستجابة للشروط الثلاثة عشر التي قدمت لها دون مناورة أو التفاف أو تجزئة، أو إغلاق الملف بشكل نهائي مثلما هو قائم حاليا، حيث بات الملف في حكم المنسي لدى كلّ من السعودية والإمارات ومصر والبحرين بالرغم من محاولات قطر لتحريكه عبر الوسطاء والتصريحات المتناقضة.

ودأبت قطر على تلقف أي تصريح من مسؤول أميركي بشأن "ضرورة حلّ الخلاف الخليجي" للإيهام بأن واشنطن تقف في صفها، وأنها تسعى لرفع المقاطعة عنها، مع أن مختلف التصريحات الأميركية لم تكن تحتمل "الفرح القطري" كونها تصريحات روتينية معروفة في السياسة الأميركية.

وسبق أن أكد الرئيس دونالد ترامب للقطريين أن عليهم أن يفكوا ارتباطهم بالتطرف، وهو أمر لم يتحقق منه شيء، ولا تزال الدوحة تمول جماعات خارجية مختلفة مثل الإخوان المسلمين، وهي تستقبل عناصر تلك الجماعات على أراضيها وتفتح لهم أبواب الإعلام القطري.

ويقول متابعون للشأن الخليجي إن القطريين لا يخفون حاجتهم الملحّة إلى انفراجة في علاقتهم مع دول مهمة بالنسبة إليهم مثل السعودية والإمارات ومصر، لكن دوائر من داخل الأسرة الحاكمة ومن محيطها تعمل في كل مرة على زيادة التوتر بحملات إعلامية تتكفل بها قناة الجزيرة بالدرجة الأولى.

وتخضع القناة إلى سيطرة واضحة من جماعة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الدوحة منصة لمهاجمة دول المقاطعة، وخاصة مصر، وتعتقد أن بقاء أزمة المقاطعة يخدم مصلحتها ويوفر لها ملاذا آمنا.

كما يكشف تناقض المواقف القطرية من الجهود الكويتية لحلحلة الأزمة، عدم قدرة قطر على السيطرة على الملف وصياغة موقف متماسك منه، حيث دأبت الدوحة على الترحيب بتلك الجهود لفظيا، وعرقلتها عمليا من خلال مواصلة التهرّب من الالتزامات التي تعرف الكويت نفسها مدى إصرار دول المقاطعة على الإيفاء بها لإعادة العلاقات إلى سالف عهدها. كل ذلك فيما لا يكفّ الإعلام القطري، الذي تحوّل إلى ما يشبه الكيان الموازي بفعل كثرة المتدخّلين الأجانب فيه وتحديدا من عناصر جماعة الإخوان، عن مواصلة توتير الأجواء والرفع من سقف الإساءة لبلدان المقاطعة ورموزها إلى أعلى حدّ ممكن.

وفي أحد أوضح الأدلّة على عدم استفادة قطر من درس العزلة القاسي الناتج عن المقاطعة، تمادي القيادة القطرية في اتّباع منهج تبسيطي وسطحي يقوم على إمكانية تعويض العزلة عن المحيط المباشر باللجوء إلى كلّ من إيران وتركيا رغم ما يطرحه هذا المنهج من محاذير.

ويمكن لجرد حساب بسيط لمدى استفادة كل طرف من تطوير العلاقات القطرية التركية، أن يظهر أن الاستفادة من تلك العلاقات تسير في اتّجاه واحد، بعد أن تمكّنت أنقرة من إيجاد موطئ قدم عسكري وأمني لها على الأراضي الخليجية لم يكن يحلم به أكثر الأتراك تفاؤلا، فيما وجدت حكومة العدالة والتنمية بما يميّزها من انتهازية مدخلا للوصول إلى الثروة القطرية والاستفادة منها في ترميم الوضع المالي التركي المتذبذب.

وأصبحت قطر بآلتها الإعلامية ومقدّراتها المالية في خدمة مخططات التوسّع التركي، لاسيما في سوريا وليبيا، حيث تصارع أنقرة لتحقيق مكاسب عملية فيما لا يبدو واضحا مكسب قطر من تدخّلها في تلك الملفات بشكل يضرّ بشعوب المنطقة ويجلب إلى الجانب القطري المزيد من النقمة والعداوة.

عن صحيفة "العرب" اللندنية

للمشاركة:

المقاطعة الخليجية: هل أدركت قطر أنّ الرهان على الوقت لحل الأزمة خاسر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

مرت 3 أعوام على قرار الدول الأربع؛ السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في 5 يونيو/حزيران 2017، قطع العلاقات الدبلوماسية وخطوط النقل مع قطر بسبب إصرارها على دعم التنظيمات المتطرفة في المنطقة والعالم، ورغم ذلك لا تزال الدوحة سائرة في سياساتها التي تعمق الأزمة.

فمنذ هذا التاريخ، حاولت الدول الأربع جاهدة إعادة تصويب سياسات الدوحة التي تتبنى دعم التطرف وزرع الفتن، للعودة إلى الصف العربي والخليجي، غير أن قطر تمسكت بموقفها ورفضت الفرصة تلو الأخرى لإظهار حسن نواياها.

ولم تكتف قطر بذلك فقد انتهجت خطاباً إعلامياً وسياسياً، محوره الكذب وتزييف الحقيقة.

ومع مرور 3 أعوام على مقاطعة قطر، ما زالت الدوحة تتمسك بنفس الخطاب الساعي لتزييف الحقيقة، وتكرر المزاعم نفسها بالطريقة نفسها، متجاهلة أن تلك الفترة كانت كفيلة أنها تثبت بالفعل صواب مواقف دول الرباعي العربي.  

3 أعوام على المقاطعة وما زالت الدوحة تصر على خطاب إعلامي وسياسي معتمد على رسالتين متناقضتين، الأولى موجهة للخارج تحمل مظلومية وتشكو من حصار مزعوم، والأخرى موجهة للداخل وتتحدث عن انتصار وهمي وإنجازات من درب الخيال تكذبها الأرقام والحقائق على أرض الواقع.

وتحاول الدوحة اختزال سبب الأزمة في التصريحات التي نشرتها وكالة الأنباء القطرية في 24 مايو/أيار ٢٠١٧ لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والتي أعلن فيها رفض تصنيف جماعة الإخوان ضمن الجماعات الإرهابية، وكذلك دافع عن أدوار حزب الله وحركة حماس وإيران والعلاقة معها، وزعمت قطر بعد ذلك أن الوكالة تم اختراقها.

الحقيقة أنّ الأزمة أعمق من ذلك بكثير، الأزمة جاءت نتيجة سياسة قطرية متواصلة لدعم التطرف وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، تعود لسنوات مضت، طالما حذرت منها الرباعية العربية. 

وبينت دول المقاطعة أن قطر لا تزال تواصل سياساتها، والتدخل في شؤون دول المنطقة، وتستخدم وسائل إعلامها لترويج خطاب الكراهية. 

وتعيد "العين الإخبارية" التذكير بأسباب الأزمة وخلفياتها، ولوضع الأمور في نطاقها الصحيح، حتى تكون الحقيقة واضحة للرأي العام الخليجي والعربي والعالم. 

ولفهم أزمة قطر الثانية (5 يونيو/حزيران 2017)، لا بد من العودة إلى أزمتها الأولى (5 مارس/آذار 2014)، لارتباط بعضهما ببعض. 

جذور الأزمة 

بدأت أزمة قطر الأولى يوم 5 مارس/آذار 2014 بإعلان السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من الدوحة، لعدم التزامها باتفاق مبرم في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، بالرياض، ووقّعه أميرها تميم بن حمد آل ثاني، بحضور العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وأيده بقية قادة دول مجلس التعاون الخليجي.

وانتهت الأزمة يوم 16 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بتوقيع قطر اتفاقا جديدا في اليوم نفسه، وتعهدها بالالتزام بكلا الاتفاقين (اتفاق الرياض 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 واتفاق الرياض التكميلي 16 نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٤). 

وأبرز بنود الاتفاقين التي وقع أمير قطر تميم على الالتزام بها: وقف دعم تنظيم الإخوان، وطرد العناصر التابعة له من غير المواطنين من قطر، وعدم إيواء عناصر من دول مجلس التعاون تعكر صفو العلاقات الخليجية، وعدم تقديم الدعم لأي تنظيم أو فئة في اليمن يخرب العلاقات الداخلية أو مع الدول المحيطة. 

كما تعهد تميم أيضاً بالالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني دول المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دولته إلا في حال موافقة دولته. 

ومن أبرز البنود أيضا الالتزام بالتوجه السياسي الخارجي العام الذي تتفق عليه دول الخليج، وإغلاق المؤسسات التي تُدرِّب مواطنين خليجيين على تخريب دولهم. 

كما وقّع تميم على بند يمنح دول الخليج الحرية في اتخاذ إجراءات ضد قطر في حال عدم التزامها. 

وافت المنية العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز يوم ٢٣ يناير/كانون الثاني ٢٠١٥، وانقلبت قطر كليا على تعهداتها وأطلقت الحبل على الغارب لدعم جماعة الإخوان، ودعم وإيواء المتشددين وتوفير ملاذات آمنة لهم، وتنفيذ أجندات  تضر بالأمن القومي الخليجي والعربي بالتعاون مع حلفاء الشر (تركيا وإيران). 

تمادي قطري
وبعد أن استنفدت دول الرباعي العربي كل الوسائل لإقناع قطر بالرجوع إلى طريق الحق والالتزام بما تعهدت به ووقف دعمها للتطرف، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر في يوم ٥ يونيو/حزيران ٢٠١٧ قطع علاقتها مع قطر، بسبب إصرار الأخيرة على دعم التنظيمات المتشددة في عدد من الساحات العربية.

وفي 22 يونيو/حزيران ٢٠١٧، قدمت الدول الأربع إلى قطر، عبر الكويت، قائمة تضم 13 مطلبا لإعادة العلاقات مع الدوحة، كلها تدور في فلك ما سبق أن تعهد به أمير قطر في إطار اتفاق الرياض ٢٠١٣ واتفاق الرياض التكميلي ٢٠١٤. 

وبدلا من أن تبدأ قطر في تنفيذ المطالب الـ13 للدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب الهادفة إلى تصويب سياسة نظامها استمرت في المكابرة، والتدخل في شؤون دول المنطقة الداخلية بشكل يمس أمنها القومي، عبر التآمر مع العملاء على الأرض أو عبر شن حملات افتراء وترويج أكاذيب منظَّمة وممنهجة تقوم بها قناة "الجزيرة" وإعلام قطر، وتنظيم منتديات ومؤتمرات تستهدف الدول المقاطعة. 

وبدأت قطر تعمل في تحالفات علنية وبشكل صريح تضم تركيا وإيران للإضرار بأمن واستقرار دول المنطقة، والعمل على شق الصف الخليجي والعربي. 

فرصة ضائعة 
وحرصا على الشعب القطري ومصالحه، وتجنيب الشعب تداعيات سياسات النظام القطري، منحت دول الرباعي العربي النظام القطري فرصة لتسوية أزمته، وبدأت السعودية محادثات مع قطر لهذا الغرض.

وبعدم جدية واضحة أجهضت قطر مبكراً المحادثات مع السعودية، رغم حاجة الدوحة الشديدة لإنهاء المقاطعة المستمرة، بحسب ما نقلته "رويترز" عن مصادر متعددة. 

وتحدثت المصادر عن عدم جدية قطرية في التعامل مع هذه المحادثات التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رغم أن الرياض فتحت الباب أمام الدوحة للتعهد بإحداث تغيير جوهري فيما يرتبط بسياستها الخارجية تجاه المملكة والإمارات ومصر والبحرين. 

وأمام الموقف القطري أنهت السعودية المحادثات عقب القمة الخليجية التي عقدت في الرياض، ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتغيب عنها أمير قطر. 

كما ظهر جلياً خلال تلك المحادثات استمرار قطر في سياساتها التخريبية، عبر محاولة استغلال تلك المحادثات لمحاولة شق صف دول الرباعي العربي، لكن الرد نزل عليها حاسما من دول الرباعي العربي بأننا دول الرباعي يد واحدة.  

الحل في معالجة الأسباب
وقبل عدة شهور وجهت السعودية ٣ رسائل حاسمة وواضحة للنظام القطري عبر كلمة ألقاها وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل بن أحمد الجبير في البرلمان الأوروبي.

بتلك الرسائل يضع الجبير العالم وقطر أمام مسؤوليتهما، حيث حدد ٣ أسباب لاستمرار الأزمة، تتضمن في جوهرها تقييما مهما يعكس مدى تجاوب النظام القطري مع الدعوات المتتالية لتغيير سياساته وسلوكياته لحل أزمته. 

والأسباب الثلاثة لاستمرار الأزمة هي أن قطر لا تزال تواصل دعمها للتطرف، والتدخل في شؤون المملكة ودول المنطقة، وتستخدم وسائل إعلامها لترويج خطاب الكراهية، وهو ما تنفيه قطر. 

تصريحات الجبير تضمنت ٣ رسائل واضحة ومباشرة للنظام القطري تؤكد أولها أنه لن يكون هناك حل لأزمة قطر، إلا عبر استجابتها لمطالب الدول الأربع، وتوقّفها عن دعم الجماعات المتطرفة، والكفّ عن التدخل في شؤون تلك الدول، وإعادة تصويب خطابها الإعلامي المروج للكراهية التي تتبناه وسائل إعلامها، وعلى رأسها "الجزيرة". 

الرسالة الثانية، وشملت دعوة مباشرة للنظام القطري لتغيير سياساته، وهو ما يعكس حرصا سعوديا متواصلا على حل الأزمة حرصا على الشعب والعلاقات الأخوية. 

وجاءت الرسالة الثالثة في تصريحات الجبير لتؤكد أن المملكة كانت وما زالت حريصة على عدم تأثير أزمة قطر على سير أداء مجلس التعاون الخليجي، وهو ما برهنت عليه بالفعل عبر توفير التسهيلات اللازمة للوفود القطرية للمشاركة في الاجتماعات الخليجية بالمملكة وتوجيه الدعوة لأمير قطر تميم بن حمد للمشاركة في القمة الخليجية الأخيرة التي استضافتها الرياض ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وغاب عنها أمير قطر. 

متفقا مع الجبير، جاءت أيضا تصريحات الدكتور أنور بن محمد قرقاش وزير وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في أكثر من مناسبة والذي أكد من خلالها على أن أزمة قطر كانت نتاجا طبيعيا للسياسات التدخلية للدوحة، وحلها "لا يمكن دون معالجة الأسباب".

تصريحات الجبير وقرقاش حملت رسالة واضحة لقطر بأن رهانها على معيار الوقت لحل أزمتها دون حل مسببات الأزمة، هو رهان خاسر ولا حل للأزمة دون تلبية مطالب الرباعي العربي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية