صلاح سالم: العلمانيون العرب الآن مثل السلفيين

2326
عدد القراءات

2018-06-27

أجرى الحوار: محمد عزت

مؤمن بالعلمانية، ومتمسك بجوهر الفكرة الإيمانية، يرفض تدخل الدولة من قريب أو بعيد في محاربة الإلحاد، ويرفض أيضاً الفاشية العلمانية التي تؤدي بالضرورة إلى تقديس الحاكم وإحلال السلطة السياسية محل الإله، ويمتلك نقداً قوياً للمفكرين العلمانيين في العالم العربي، ويرى فيهم مثالاً للسلفيين، كما يمتلك رؤية خاصة في التعامل مع ملف الإسلام السياسي على الصعيد الفكري. هو الباحث المصري صلاح سالم، الذي صارت كتاباته في الفترة الأخيرة محل متابعة واهتمام من أعداد متزايدة من القراء.

صلاح سالم، باحث مصري، حصل على جائزة الدولة التشجيعية وعمره 33 عامًا فقط، عن كتابه "تحولات الهوية والعلاقات العربية التركية"، وله، وهو الذي لم يبلغ بعد عامه الخمسين، أكثر من 20 كتاباً أثرى بها المكتبة العربية.

"حفريات" التقت صلاح سالم في القاهرة، ودار بيننا الحوار التالي، والذي لم يخلُ من الجرأة التي قد تعد صادمة بالنسبة للبعض، سواء المنتمين إلى التيار العلماني، أو المتأثرين بمقولات الإسلام السياسي، أو حتى المؤمنين بدور المؤسسات الدينية الرسمية.

هنا نص الحوار:

الكثير من العاملين في الحقل الفلسفي بالعالم العربي يرون أنه لكي تكون فيلسوفًا فمن الصعب أن تكون متديناً أو تحمل حساً دينياً أو إيماناً في الوقت نفسه، فهم يرون أنه من غير الممكن أن تكون فيلسوفاً أو تمارس عملية التفلسف إلا من خلال الشك في الدين كبداية، ما رأيك في هذا التصور؟ وهل من الممكن التفلسف مع وجود يقين ديني في نفس الوقت؟

على مستوى الفكر نفسه، في كل الثقافات الكبرى التي مرت بتجربة الانتقال من هيمنة الدين إلى هيمنة الفلسفة، كان الخياران موجودين، بعض العقول الكبرى آمنت بأن التفلسف قرين للإلحاد والشك، وهناك من اعتقد بالعكس وتصور أنه يستطع أن يتفلسف أو يفهم العالم دون أن ينحو نحو الشك؛ بمعنى أنه مثلاً لو أخذنا الفلسفة الألمانية سنجد بعض كبار الفلاسفة كانوا ملحدين، وبعضهم كانوا لا أدريين، وبعضهم كانوا شديدي الإلحاد وكل هؤلاء كانوا ينتمون للثقافة الألمانية وكلهم عاشوا في نهاية القرن الـ18 وبداية القرن الـ19 وجميعهم أبناء الثقافة الأوروبية بجذريها "اليوناني اللاتيني/ المسيحي الغربي".

الفكر العربي قائم على فكرة الاستعارة الشكلية فنحن نفهم التاريخ الحديث الآن من وجهة نظر الذي يؤمن بالغرب

على سبيل المثال، كان كانط وهيغل مؤمنيْن؛ وهيغل وصل في كتاباته الأولى والمتأخرة إلى أنه دافع عن معجزات المسيحية، حتى كانط نفسه دافع عن المعجزات في الكتاب المقدس واعتبرها وسائل أو صيغ بلاغية لتبليغ الشعب "الوعي العام/ العقل العام"، بما لا يمكن أن يفهمه من خلال التفلسف، باعتبار أنّه لم يرَ أنها ضد العقل، ويعتقد أنّ المقالات المسيحية نفسها هي مقولات فوق العقل والمعجزات نفسها هي صياغات بلاغية للوعي المسيحي يمكن أن تبلغ إلى "الوعي العام" فلم ينكرها.

كانط نفسه دافع عن المعجزات في الكتاب المقدس واعتبرها وسائل صيغ بلاغية لتبليغ الشعب

على جانب آخر، بمواجهة كانط وهيغل -وهما العقلان الأعظم في الفكر الفلسفي الحديث-، كان هناك "فيورباخ" بالأساس وماركس ونيتشه والثلاثة كانوا شديدي الإلحاد، وخاصة نيتشه الذي أعلن صراحة عن "موت الله"، واعتبر ماركس أنّ "الدين أفيون الشعوب"، وفيورباخ قال: "لابد أن يسقط الله من فوق العرش وأن يصبح إنساناً"، وكان قريباً من نيتشه في مسألة إرادة القوة "فكرة الإنسان السوبرمان" التي احتلت موقع الإله وقال إن كل تاريخ الألوهية هو تاريخ معكوس للإنسانية، بمعنى أنّ الإنسان فهم الله بقدر ما يتمنى أن يرى هو نفسه، بمعنى أنّ الإنسان يدرك أنه في حاجة إلى عقل كلي أو إرادة كلية. ومن هنا أتى تصور أن هناك خالقاً يمتلك كل هذه الصفات ويختبئ عنه؛ أصحاب هذه الآراء كانوا موجودين وأصحاب الآراء الأخرى كانوا موجودين أيضاً، وكلهم من الثقافة الغربية وتأثروا بالتنوير والمناخ الأوروبي المسيحي.

المسألة في الفكر العربي أكثر صعوبة؛ لأن الفكر العربي قائم في معظمه على فكرة الاستعارة الشكلية، فنحن نفهم التاريخ الحديث الآن من وجهة نظر الذي يؤمن بالغرب، فنحن عشنا قديماً النهضة العربية الأولى، كنا نتحرك على سطح التاريخ ونأخذ موقفنا بشكل حر، ومنذ بداية القرن الـ19 ونحن نرى صورتنا دوماً لا كما هي بشكل مستقل وإنما عبر المرآة، فنحن لا نرى أنفسنا في أعين أنفسنا، هذه المرآة هي الغرب العلماني الذي يتبنى الفكر الحداثي، وبالتالي فالشخص الحداثي عندنا هو الذي يتبنى الحداثة الغربية بينما الذي يمثل الأصالة هو الذي يرفضها أكثر من كونه يعبر عن نفسه، فنحن نرى أنفسنا معكوس الغرب.

مشكلة العلمانيين أو التنويريين في العالم العربي أنهم يحصرون أنفسهم في صيغة "التنوير" الفرنسية/ اليعقوبية التي شغلت العالم

يوجد ثيمة عند الكثير من المثقفين العرب بأنّ الواحد منهم لن يكون مثقفاً حديثاً ولا علمانياً إلا لو قال الثيمة الغربية، بمعنى أن تتحول قبعة سارتر الفكرية إلى قبعة الكثيرين من المثقفين العرب، والكوفية التي كان يرتديها إنجلز إلى كوفية شائعة عند اليسار العربي؛ إنها فكرة الاستعارة الشكلية ومن ثم استعارة المضمون.

جزء من الاستعارة قاسٍ، فالتراث الغربي كان متنوعاً، فعندما تأتي الثقافة العربية تستعير نتيجة الشعور بفقدان الثقة بالنفس أو أحياناً بالنقص المعرفي فتتم الاستعارة من الأشكال الأكثر غرابة على الواقع.

لماذا؟

لأن المثقف العربي –في كثير من الأحيان- حين يستعير لا يستعير ما يجعله أكثر معرفة أو لا يستعير من المعارف ما يمكن من خلاله أن يحل الإشكال الثقافي العربي، من ثم فحين يذهب إلى التنوير لا يستقي الصيغة الأكثر اعتدالاً منه، وكذلك حين يريد "علمنة" فيستقي الصيغة التي تجعله أكثر غرابة عن المألوف منها (لماذا؟)؛ لأن الهدف يكون في إبداء الاختلاف أكثر من رغبة حل المشكلة؛ فامتلاك تصور للحداثة أو أن تظهر بوصفك تنويرياً أو علمانياً أهم عند المثقف من أن يحل مشكلة الثقافة العربية مع العلمنة أو التنوير، فلو لجأ إلى الصيغة الألمانية أو الإنجليزية المعتدلة والمنفتحة على التجربة الدينية في التنوير يجد مشكلة كبيرة؛ لأنه يجد مسارات للاندراج فيها ولا تحقق له ذاته وتميزه، فهو يبحث عن ذات متعالية عن الآخرين، وكلما تحدث أو نطق بخطاب أو مصطلحات أكثر غرابة كان ذلك بالنسبة له أكثر نجاحاً.

نجيب محفوظ فيلسوف لم يطلق فلسفته مجردة لكنه أخرجها من خلال أدب

من رحم حديثك، يحضر إلى الذهن نجيب محفوظ، الذي وصفه المفكر السوري جورج طرابيشي ومن بعده كثيرون في الفكر العربي بأنه فيلسوف بالوكالة، هل ترى في نجيب محفوظ نموذجاً للفيلسوف الذي تريده من هذا النوع الذي يرفض أن يرتدي القبعة الغربية وحاول بجدية في الوقت نفسه أن يحل الإشكاليات القائمة في الواقع الخاصة بحضارته وأمته بالشكل المناسب ودون استعارات؟

بالطبع، هذا نموذج للوعي الفلسفي الحقيقي الذي خرج في شكل أدبي، فالمعرفة كلها والثقافة والإبداع قائمة على فكرة التأمل العقلي، فالتأمل العقلي من الممكن أن يكون تأملاً محضاً، أو يخرج في صورة ذهنية مجردة ومباشرة كما هو في الفكر الفلسفي، أو يخرج مذاباً في أشكال مختلفة من الإبداع، ممكن أن تأخذ الشكل الفني أو الأدبي. لذلك الحداثة خرجت من الفن واللوحات والأدب قبل أن تصل للفكر.

نجيب محفوظ هو فيلسوف حقيقي من داخله، لم يطلق فلسفته بشكل نظري ولا مقولات مجردة لكنه أخرجها من خلال أدب، والرجل كان على قدر رائع من البساطة؛ لأنه مبدع حقيقي لم يشعر ولم يلجأ في يوم لأن يستعير صيغاً غريبة عليه، فهو عاش نمط الحياة البسيط التي نشأ فيها، ولم يحاول أن يقلد أحداً لأنه كان يمتلك ذاته.

يرى كثيرون أنّ الفكر العربي الآن أسير ثنائية العلماني والمتدين. فالمفكر في الثقافة العربية الآن يصنف باعتباره تنويرياً وهو ما يساوي "علماني" بالمعنى التقليدي في الأذهان، أو لديه نظرة إيمانية متدينة ما، فيصنف باعتباره من المقلدين دينياً الذين ينبغي أن يمارس عليهم "التبشير التنويري". كيف تنظر إلى هذه الثنائية، وهل من الممكن ممارسة فعل التفلسف في العالم العربي بعيداً عن هذه الحدية؟

دائماً أقول إن العلمانيين مثل السلفيين، فكلاهما يستعيران من التراث مع اختلاف وجهة التراث، فكلما ركزت على بعد واحد من أبعاد التوجه العقلي بمعنى أنك أمعنت في الموروث الديني باعتباره حالة سلفية نقية صماء فأنت كذلك بعدت عن العقل التنويري، وكلما أمعنت في تبني الغرب باعتباره صورة معاصرة للفهم وصورة وحيدة للعقل فأنت كذلك تصل للموقف السلفي وإن كان سلفك أو تراثك هو التراث الغربي، فهذه أشكال مختلفة للوعي السلفي، لكن الوعي الأكثر حداثة وعصرنة وتقدماً في وجهة نظري، هو الوعي القادر على جمع الصور المتناقضة هو "العقل الجدلي" بالتعبير الهيغلي وهو العقل المتسامي المتعالي القادر على تمحيص نفسه قبل تمحيص العالم بالتعبير الكانطي، هذا العقل المركب المتعدد هو القادر على أن يمحص نفسه ويخضع ذاته للبحث والتأمل ومن ثم النقد والتجاوز. هذا هو العقل الحديث  بالمعنى الحقيقي.

اقرأ أيضاً: العلمانية تعادل "العصر الجاهلي" في الفكر الإخواني

مشكلة العلمانيين أو التنويريين في العالم العربي أنهم يحصرون أنفسهم في صيغة "التنوير" الفرنسية/ اليعقوبية التي شغلت العالم وهي تنوير القرن الـ18، وتصورات القرن الـ18 للتنوير هي مختلفة بكل تأكيد عن القرن الـ19، ففي القرن الـ18 كان حوالي 40% من كنائس باريس قد تحولت إلى مراقص وأماكن لبيع الأحذية وبيع الآلات والفنون، كنوع من النكاية في الكنيسة، لأنّ الكنيسة كانت شريكة في الإقطاع، فالتصور اليعقوبي للحرية والتنوير قائم على فكرة التمثيل والانتقام ممن رأوا أنهم شركاء في إذلال الطبقة الفرنسية الثالثة التي كانت تضم عموم الشعب الفرنسي.

بحلول القرن العشرين تعترفت الكنيسة بالعلمانية كأمر واقع في المجمع الفاتيكاني الثاني

هذا التصور الانتقامي الذي كان موجوداً في القرن الـ18 تم تجاوزه في القرن الـ19، حيث بدأ نوع من المساءلة للراديكالية العلمانية الفرنسية بنهاية القرن الـ19، ثم بحلول القرن العشرين الكنيسة نفسها اعترفت بالعلمانية كأمر واقع في المجمع الفاتيكاني الثاني، وحصل نوع من الفصل الرصين والناضج بين المجال الديني والمجال السياسي بفصل الكنيسة عن الدولة، وصار كلٌ منهما أكثر احتراماً لمجال الآخر، وتم النظر إلى هذا الفصل كطريقة لتقوية الدولة وتقوية الدين وحفظه.

هذا التصور "اليعقوبي" لم ينجح بشكل مطلق في فرنسا نفسها، ناهيك عن أنّ العلمنة والتنوير الإنجليزي جاء بصيغة مختلفة تماماً؛ حيث حدث تطور تدريجي إصلاحي داخل الكنيسة عبر ثورة "كورمويفل" في ستينيات القرن الـ17، كان التطهريون الذين شعروا برغبة في الانفصال، ولم ينفصلوا باعتبارهم المذهب التطهري ضد المذهب الأنجليكاني الخاص بالكنيسة الإنجليزية، وإنما قامت الفكرة باعتبار أنّهم حركة ترغب في ملكية جديدة مستنيرة قوامها "التمثيل البرلماني"، ولبسوا ثياب البرلمانيين باعتبارهم المدافعين عن البرلمان في مواجهة الملك والنبلاء، والباحثين عن الديمقراطية.

تقوم مواجهة الإسلام السياسي فكرياً عن طريق التعليم والتثقيف والاستنارة وعلى أن تكون حركة مجتمعية واسعة وشاملة

عندما حدثت الثورة في فرنسا كان الإنجليز يشعرون أنهم نجحوا في ثورتهم قبل نجاح الفرنسيين. بالمناسبة "فولتير، مونتيسكو" كانا مؤمنيْن جداً بالنموذج البريطاني، ودائماً ما كانا يقنعان الفرنسيين أن يتبنوا نموذجاً إصلاحياً للتطور وليس بالضرورة نموذج الثورة الكاملة، وكانا يدافعان عن فكرة الملك المستنير باعتبار الملكية الإنجليزية ملكية مستنيرة وقامت بحق الشعب من خلال النخبة البرلمانية، لكن "مونتيسكو" مات في الخمسينات و"جان جاك رسو" مات بالرغم من استدعائه في الثورة خاصة من خلال شخصية "هوبسبير"، حيث تم استدعاء الصيغة الذائعة من تنوير "جان جاك رسو" ومن "فولتير" وليس الصيغة المعتدلة، بالإضافة إلى أن فولتير كان صديقاً لملك ألمانيا "فريدريك الثاني" وملكة روسيا التي كانت شديدة الاستنارة لدرجة أنها استضافت فولتير في روسيا لمدة ثلاث سنوات و"مونتيسكو" في روسيا أيضاً.

لذلك التجربة الإنجليزية تطورت في هذا الاتجاه فهي تجربة إصلاحية تدريجية قائمة على التصالح الشديد بين المذهب الديني والدولة، عبر فكرة أن الملك هو رئيس الكنيسة وهو رئيس الدولة في الوقت نفسه. 

اقرأ أيضاً: إسلامي وعلماني يتوافقان على أهمية عدم تدخل الدين في شؤون الدولة

بينما النموذج الألماني كان نموذجاً وسطاً بين النموذج الإنجليزي والنموذج الفرنسي، فلا يوجد فيه تماه قوي كالنموذج الإنجليزي، لكنه ليس قائماً على فكرة العداء كالنموذج الفرنسي، وكانت صيغة وسط سمحت بوجود رجال مثل "كانط وهيغل" ووجود النموذج المقابل مثل "نيتشه وفيورباخ"، فالنموذج الألماني نموذج وسط فيه كل الصيغ ممكنة، فالميل للإلحاد كان موجوداً والميل للإيمان كان موجوداً أيضاً وكان به نوع من المرونة.

العلمانيون الآن لا يفهمون سوى النموذج الفرنسي في القرن الـ18 بسحق الدين في المجال العام، والأخلاق العامة بكل تأكيد، فالتنوير لا يتم فهمه الآن إلا باعتباره حالة عداء شديدة للدين، وكثير من مثقفينا يدبجون المقالات والكتب في نقد رجال الدين والأزهر وتحولهم لمؤسسة كهنوتية، ولكنهم يأتون عند الرأس السياسي للدولة، ويتوقفون عن النقد حتى لو قام رأس النظام السياسي بتغيير الدستور، فكل القرارات ممكنة ومباحة، لكن الاستبداد عندهم لا يتمثل إلا في جانب واحد وهو "الاستبداد الديني"، النقد وطلب الحرية هو فقط من المطلق الديني، دون التساؤل عن "المطلق السياسي".

هنا يتحول العلماني إلى شخص مختزل وشخص انتقائي ويناقض نفسه، فيتحول المجال السياسي الدنيوي عنده إلى مطلق ميتافيزيقي، فيعطي العلماني "التنويري" الحق لنفسه بأن يقول "مات الله" لكنه لا يستطيع أن يقول "مات الحاكم"، فهو ينزل الله من عليائه، ويرفع الحاكم إلى مصاف الآلهة.

نموذج المثقف المعادي بشدة للتدين لكنه في الوقت نفسه مساند بشدة للدكتاتورية السياسية ويدعو دوماً لسحق خصومه السياسيين، هل هذا النموذج له أشباه عبر تاريخ التطور الأوروبي؟ وكيف ترى هذه المفارقة المتمثلة في الدعوة للحرية الدينية ومساندة الدكتاتورية السياسية في الوقت نفسه؟

نعم، فمثلًا "فولتير" كانت علاقته بالملك "لويس الرابع عشر" علاقة رعاية وكان يأخذ بعض المخصصات في بعض الوقت، وكان جزء من تحوله حين عاش لحظة عصيبة عندما قام أحد النبلاء – كان "فولتير"من أصول متواضعة اجتماعياً من الطبقة الوسطى- بتسليط أحد رجاله لضرب "فولتير" وتمت إهانته حتى لا يظن في نفسه أنه واحد من النبلاء، وكانت هذه اللحظة الفاصلة سبب اتجاهه الراديكالي، لكن في بداياته كان يعيش في كنف النبلاء والملوك.

اقرأ أيضاً: هل العلمانية دين جديد؟

يوجد أيضاً شخصية الفيلسوف "لبينتز" الذي لم يكن ضد الدين وكان قريباً من "لويس الرابع عشر"، أول من فكر في الحملة الفرنسية على مصر وقناة السويس، بالإضافة إلى "هيجل" مثلاً الذي لم يكن ضد الدين بشكل ما وكان مهادناً للدولة؛ حيث كرس فلسفته القائمة على البحث عن الحرية التي تتوقف عند الدولة "البروسية" باعتبارها مطلقاً والتي لا يمكن أن تتحقق حرية الأفراد إلا من خلالها، هذه التناقضات كانت موجودة بشكل أو بآخر، لكن هذه الثيمة من الموالاة بين المفكرين والدولة لم تستنفذ إلا في القرن العشرين عندما بدأ يتكون مفكرون أحرار يتبنون أفكارهم ويعيشون لها حتى لو اصطدمت بالعروش، وقد تأخرت هذه الفكرة نتيجة عدة عوامل اقتصادية واجتماعية، لأن ثنائية الأمير والشاعر كانت مسيطرة على التاريخ كله.

الفيلسوف "لبينتز" أول من فكر في الحملة الفرنسية على مصر وقناة السويس

في واقعنا العربي، هذه التناقضات موجودة لكن بشكل فج، فكثير من مثقفينا ينقلبون على أنفسهم ويروجون لأشياء غريبة، فأنا أعرف أحد الأساتذة (من دون ذكر أسماء) ممن شارك في ندوة معي، وحدث أن قام أحد الحضور وكان مسيحياً وسأله أليس من الممكن أن نصبح دولة علمانية ودولة مدنية محترمة وأحافظ على ديانتي، فأجابه بالنفي قائلاً له لا وآن الأوان أن تختار، وكان سؤالاً مثيراً، مما استدعاني للرد بشكل مباشر، على الرغم من أن هذا الشخص دائماً ما يحضر مناسبات الدولة ويثني على حكامها واختياراتها وليست لديه أية مشكلة من أي نوع ضد الاستبداد السياسي.

يظهر في كتاباتك دوماً نزعة إيمانية، ويظهر في حوارنا حتى الآن أن هناك احتراماً منك لاختيار التقليد الديني ونزعة لحرية اختيار التدين الفردي، لكن وعلى الجانب الآخر فقد عارضت وبقوة مشروع قانون مواجهة الإلحاد في مصر وطالبت بإسقاطه، في حين أن العديد من الملاحظين والأزهر نفسه، يرون أنّ الإلحاد ظاهرة تتمدد في العالم العربي وأنه لابد أن تقف الدولة أمام هذه الظاهرة وأنت ترفض دخول الدولة في الأمر، فهل ترى أن الإلحاد ظاهرة ينبغي مواجهتها من قبل المثقفين أو المتدينين والدولة تقف من خلفهم؟

في البداية، أنا لا أدافع عن التقليد الديني بل أدافع عن الإيمان الروحي، والفارق بينهما كبير، فلا علاقة للدولة بمواجهة دين ما أو فكرة دينية ما، أو فكرة إلحادية، فلا الإيمان دور الدولة ولا الإلحاد دور الدولة، فكلاهما مسألة ضمير فردي، وهو اعتقاد فرد وحرية إرادة، والدولة عليها أن تحمي حق الجميع في أن يعتقدوا ما يشاؤون. أما أن يؤدي المناخ العام لتزايد طرف على حساب الأخر فهذه مسألة اجتماعية وثقافية، فلو أنّ الأزهر يدافع عن الإيمان بشكل حقيقي ويعيد فهم الإسلام بشكل غير منفر لما اضطر إلى المناداة بوضع قانون أو خلافه، لأنه ينتج عن ذلك العديد من المشاكل بهذه الطريقة، فكيف ستتعامل مع الملحد إذاً؟ وستضطر في النهاية للبحث في ضمائر البشر، وحينئذ ستتحول المسألة لمحاكم تفتيش، فأنا أدافع عن الإيمان والإلحاد وأنا بشكل شخصي عندي أصدقاء من الطرفين.

أشرت إلى قيام بعض المثقفين بأنسنة "الإله" وتأليه "الحاكم"، ووجود نزعة ضد كل ما هو ديني. واضح أنك ترفض هذه النزعات الفاشية العلمانية ضد الدين والمتدينين، وفي نفس الوقت تعارض التقليد الديني بالشكل السلفي بعيداً عن الاختيار الروحي، كذلك أيضاً لديك موقف معارض بقوة للإسلام السياسي، ففي نظرك، بعيداً عن الطريقة الفاشية العلمانية التي ترفضها ما هي الطريقة الأمثل لمواجهة الإسلام السياسي فكرياً؟

تقوم مواجهة الإسلام السياسي فكرياً عن طريق "التعليم والتثقيف والاستنارة"، وعلى أن تكون حركة مجتمعية واسعة وشاملة، ولابد أن تكون الدولة في قلبها، فالدولة مركزية في العالم العربي، لذلك فمواجهة الإسلام السياسي أو التطرف الديني أو الإرهاب بمقولات الإصلاح الديني غير مجدية؛ لأن أدوات الإصلاح الديني هي أدوات لابد أن تمر من خلال المؤسسات الدينية وتطالبها بإصلاح نفسها وإصلاح خطاباتها وتغيير مناهجها، وهذا غير مطروح في التجربة الإنسانية، فالانتقالات الكبرى كانت تحدث عندما تظهر فكرة تهزم الفكرة المغتربة، لكن أن تطلب الآن من مؤسسات تقليدية "الأزهر/ أو الزيتونة" أن يتخليا عن مرجعية ذاتهم وموروثاتهم التي تمتلك هذه الخزينة الكبيرة والتي هي الدين والتراث والتقليد، وأقيم عليها، فكأنك تطلب من جندي أو محارب أو شخص ما أن يرمي سلاحه.

أن تطلب من مؤسسات تقليدية كالأزهر التخلي عن موروثاته فكأنك تطلب من محارب رمي سلاحه

فالقائمون على التقليد الديني لديهم سلاحهم الخاص الذي يملكونه، ولديهم جمهور عريض واسع يأتمر بأمرهم ويحارب من أجل أفكارهم، والمؤسسات الرسمية لا تستطيع أن تصطدم بهذا الجمهور وتقول له كن "علمانياً" ولو بشكل مستنير معتدل، عندما تقول لذلك الشخص إرم سلاحك هو لن يرميه، فالمتدين يمتلك سلاح الموروث الديني مثل العلماني يمتلك سلاح الاستنارة، البديل والموقف الصحيح هنا أن يكون هناك حركة استنارة واسعة ترعاها الدولة فتخفف الضغط على الدين.

اقرأ أيضاً: الإسلام والعلمانية لأوليفيه روا: توحش الأصوليات الدينية

دائماً ما أقول إن المعروض الديني الموجود لدى المؤسسات الدينية، لا يمكن تغييره فهذه الأدوات المعروضة لديها جمهور مرتبط بها وسلطتها على هذا الجمهور مرتبطة بهذه الأشياء، وهي لن تستطيع أن تغيرها إلا بقدر محدود، والحل هنا أن المجتمع من خلال الدولة ورعايتها تتجاوز كل هذا المعروض، وتخفف الطلب على الدين، فالطلب على الدين يتكثف عندما يكون تعليم الشخص سيئاً واستنارته محدودة وثقافته ضئيلة، فأنت تصنع شخصاً غير مكتمل الأهلية والعقل، هذا الشخص يفكر في العالم من خلال الوسيط الديني بالضرورة، لذلك يرجع إلى رجل الدين، لكن أنت لو صنعت إنساناً متعلماً بشكل جيد ونقدي، فإنه سوف يتلقى موارد متعددة ومنفتحة، وبالتالي هو من سيطرد الوسيط الديني بالأساس.

كثيرون يرون أنّ الإسلام السياسي الحركي معاد للفلسفة بطبيعته، فهو مولود بفكرة رومانسية عن التاريخ، تجعل منه معادياً لعملية الفلسفة والتفلسف والتفكير النقدي، بينما يرى البعض الآخر أن هذا الطرح غير صحيح؛ فالآباء المؤسسون للإسلام السياسي تناولوا الفلسفة وحللوا آراء الفلاسفة مثلما فعل سيد قطب حين تعامل مع نيتشه وفرويد وماركس، ومن ثم حدث نوع من التأسيس الفلسفي. كيف ترى مقولة أن الإسلام الحركي ضد الفلسفة؟ وهل الفلسفة نفسها قادرة على أن تقدم حلاً فعالاً في  قضية الإسلام السياسي؟

الإسلام التقليدي كله وليس فقط الإسلام السياسي أو الجهادي، ضد التفلسف وضد العقل الإنساني، وكل هذه الأفكار قائمة على أساس تحكيم مركزية النص وهامشية العقل، وأن العقل عليه أن يدور في فلك النص ويفسره، لذلك ظهر الأشاعرة في أصول الدين وعلم الكلام، وظهر الشافعية والحنبلية في أصول الفقه، والأشاعرة بالذات كانوا في عناق مع الشافعية؛ فكلاهما يكرس سلطة الآخر، فهذه المنظومة كلها من الوعي التقليدي ضد العقل وترفض الفلسفة باعتبارها منتجاً عقلياً، لكن هناك فارق بين الوعي التقليدي ووعي الجهاد المعاصر، والفرق أنّ الأخير تأثر بالحداثة، بمعنى أنك عندما تقرأ النص الديني بوعي تقليدي لكن في ظل ظرف حداثي يوجد به معرفة وتكنولوجيا يحدث نوع من الاستعارة الخاطئة؛ بمعنى أنك تاخذ الجزء الأساسي بوعي تقليدي وتركب عليه أدوات تنتمي لعالم التكنولوجيا فتجد أن المصحف أصبح رفيقاً للسيف، والنص الديني المتكلس صار رفيقاً للبندقية، وتجد نفسك  تفرض نصك البائد بقوة الرصاص.

الوعي التقليدي الصرف بما هو حنبلي أو سني يرفض الخروج على الحاكم، وهذه هي المفارقة

لذلك فالوعي التقليدي الصرف بما هو حنبلي أو سني يرفض الخروج على الحاكم، وهذه هي المفارقة، فالخروج على الحاكم غير قائم في بنية الوعي السلفي، حتى لو كان فاسقاً أو كان فاجراً وتطالبه بالهداية لكن لا تخرج عليه، لكن هذا العقل بدأ في الخروج على الحاكم تحت وطأة الحداثة وبفعل امتلاك التكنولوجيا، فالتطرف الآن أصبح مالكاً لأدوات عنف غير مسبوقة في التاريخ. لذلك فالأصولية المعاصرة شديدة الخطورة قياساً لما قبلها في كل العصور وأنا أؤكد دائماً أن الحرب على التطرف الديني من خلال اجتهاد فقهي وتنقية التراث أمر عفا عليه الزمن؛ فالأصولي المعاصر ليس هو الأصولي التقليدي الذي يمكن مواجهته بمقولات الإصلاح الديني، فقد أصبح أصولياً جهادياً يمتلك شبكة معلومات طاغية ويمتلك السلاح على كل جانب.

لذلك ردع هذا الجهادي بقوة سلاح الدولة أولاً، ثم سلاح الاستنارة باعتبارها تعليماً جيداً وثقافة جيدة ووعياً نقدياً مغايراً تماماً للإصلاح الديني التي ربما كانت ممكنة حتى عصر محمد عبده في القرن 19.

هناك تيار من المفكرين العرب استطاعوا أن يمارسوا الفلسفة وهم محتفظون بجوهر الفكرة الإيمانية، وعلى رأسهم عبد الوهاب المسيري، لكن البعض في مواجهة ذلك اعتبر أن محاولات المسيري هي مجرد محاولات لمسك العصا من المنتصف ليس أكثر، وأنها ليست سوى محاولات للاحتفاظ بالإيمان في الجوهر مع محاولة ممارسة التفلسف، من ثم فهي ليست محاولات تفكير فلسفي جذري أو حقيقي. كيف ترى هذا النقد للفلاسفة من هذا النوع كالمسيري أو طه عبد الرحمن وغيرهما، خاصة أنه من الممكن أن يتم توجيه هذا النقد لشخصك لأنك تمارس الفلسفة وتحتفظ أيضاً بجوهر الفكرة الإيمانية؟

بالنسبة للدكتور المسيري أعرفه شخصياً وزرته في منزله. وأعتقد أنه رجل متسق مع نفسه، ولولا ذلك لما أنفق من عمره قرابة ربع قرن ليخرج موسوعة الصهيونية معتزلاً الحياة. في اعتقادي أنّ المسيري كان متأثراً بمالك بن نبي، المفكر الجزائري، وكان يكنّ له احتراماً شخصياً كبيراً، وكانت بنية أفكاره قريبة منه.

من اليمين: (د. عبد الوهاب المسيري - د. طه عبد الرحمن)

أما طه عبد الرحمن فأعتقد أنه أكثر سلفية من المسيري، الحقيقة أنا أتخذ على المسيري ما كنت أتخذه على زكي نجيب محمود فهو كان داعية للفكر الغربي لكنه لم يكترث لنقد هذا الفكر، يعني لم يتحدث أبداً عن المركزية الغربية ولا نزوعها للهيمنة، المفارقة أن المسيري أيضاً على الجانب الآخر كمفكر مسلم، توقف عند هذه الأمور وبالغ فيها لدرجة أنه خاصة في "دراسات معرفية للحداثة الغربية" اعتبرها وكأنها المتن الأساسي للفكر الغربي، وأنا أقول إنه كان يجب على "زكي نجيب محمود" وأنا تلميذ له أن يكون أكثر حدة في نقد الغرب ووضع الفكر الغربي في سياقه، وكان على المسيري قبل القيام بعملية التشريح للثقافة الغربية أن يثبت لها ما تستحقه، فمن يقرأ المسيري يظن أنّ الفكر الغربي هو الهامش الكولونيالي الاستعماري الإمبريالي التوسعي، المتناقض مع نفسه، فهو لم يعط الثقافة والتنوير الغربي حقه من الاحترام.

عبد الرحمن يبذل مجهوداً معرفياً لابد من تقديره واحترامه لكن محاولته لن تجدي شيئاً غير تسمية الأسماء

أعتقد أن طه عبد الرحمن يقوم بعمل أكبر وهو أخذ كل مقولات ومفاهيم الحداثة ومنحها وتسميتها بمفاهيم إسلامية، ويعقد من ثم مقارنات مطولة ويبذل مجهوداً معرفياً لابد من تقديره واحترامه، لكن أرى أنّ محاولته في النهاية لن تجدي شيئاً غير تسمية الأسماء، لأن قيمة الحداثة الغربية ليست مجموعة الأفكار النظرية التي صنعتها كمركزية العقل والإرادة وغيرها، فقيمة الحداثة الحقيقية أنها صنعت أجساداً وبنى تحتية وأشكالاً من تنظيم المجتمع.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث

فتصورنا عن النزعة الفردية والعلمانية أنها أنتجت المجتمع المدني في صيغته المعاصرة "الأحزاب / مؤسسات المجتمع المدني/ مؤسسات الدولة المحايدة/ البرلمان /...."، وهي الأفكار النظرية التي استطاعت أن تتجسد في واقع عملي خلال 200 أو 300 سنة فأنتجت تجربة أصبحت مكتملة، فعندما تتبنى هذه الأفكار التي أحرزت نجاحاً كبيراً، لن يجدي أنك توازي "الأخلاقية" بأن تسميها "الإئتمانية" فإعادة تسمية الأسماء لن تغير في الواقع شيئاً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: