صفوان داحول.. الحالم بين الضوء والظلال

صفوان داحول.. الحالم بين الضوء والظلال

صفوان داحول.. الحالم بين الضوء والظلال


24/01/2026

بشرى بن فاطمة

في زمنٍ تتسارع فيه تحوّلات الفن المعاصر بين التجريب المُفرط والعودة إلى الكلاسيكيات، برز اسم الفنان السوري صفوان داحول كواحد من الأصوات التشكيلية المتفرّدة الرصينة والدقيقة التي اختارت أن تؤسّس مشوارها على مهل عميق ودهشة مُتكاملة في حضور الانتماء للفكرة والذاكرة والحلم والمفهوم.

منذ أولى خطواته في أروقة كلية الفنون الجميلة بدمشق، اتجه نحو مشروع بصري بنفس طويل، مشروع لم ينشغل بالمواسم والاتجاهات، بل بالأسئلة الكبرى التي حاولت تفكيك المفاهيم الكامنة في الوجود، العزلة، والإنسان، والمرأة بعوالمها التي كانت كثيفة بحسيات عالية بين الأنوثة والأمومة والشغف والحنين والحلم، هذه الكلمة التي لازمت مفاهيم بحثه وتعلّقت بها تفاصيل عوالمه التي حملت بصمة صاغها في كتابه “أحلم أن أكون رسّاما”.

التجديد في الثابت

لم اكتشف التشكيلي صفوان داحول بالصدفة ولكن بالشغف. منذ رأيت أعماله بالروح أبصرت في تفصيل السواد امتدادا حرا للذاكرة بعيدا عن وجودية الحيرة وتساؤلات الفراغ، تعثرت في أعماله وأحلامه ووقعت عمدا من حنينه إلى حنين روحي ورغبة التجول معه ذات حلم في معرض حملت لوحاته أسئلة أربكت حواسي، خبرت قراءة اللوحة بسذاجتي وذاتيتي، لذلك دوما كنت أقوم بتأجيل الكتابة عن تجربته منذ تماهت اللوحة مع الشخصيات في مسلسل جلسات نسائية، حاكى الفن التشكيلي دراميا وانفعلت معه الألوان والأدوار.

 اليوم وبعد تواصل مع الفنان صفوان داحول عادت بي تلك الرغبة علني أجاري من خلال لغتي بعضا من تفاصيل تجريبه، فهو على عكس الكثير من الفنانين الذين يطوّرون أساليبهم عبر تغييرات جذرية، يقدّم تجربة فريدة للتجديد داخل الثبات، فمن خلال انشغاله المستمر بالحلم، وبالأبيض والأسود، وبالوجه الإنساني، استطاع أن يحوّل الثيمة الواحدة إلى مختبر بصري يفتح احتمالات جديدة حتى يقوم بكشف الانكسار الروحي، وبذلك يكوّن بصمة يعرفها وتعرفه.

هذا التجديد المتفرّد لم يتأت من تغيير الأدوات أو الرؤية العامة داخل اللوحة، بل من التوغّل المستمر في العمق العاطفي، لذلك تبدو اللوحة مثل صحراء لا تُفهم بالمشهد العام بل بالترحال، تتركك للتساؤل من أين أبدأ لتكتشف أنه عليك البدء من ذاتك لتحملك الاتجاهات أعمق.

وهذا ما جسّده في كتابه أيضا، لم يتحدّث كسرد موحّد ومتصاعد بل كتجوّل داخل الحلم وترحال عبر الأسئلة، ففي كتابه “أحلم أن أكون رساما” الصادر سنة 2023 عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، لم يكتب صفوان داحول مسيرته، بل تركها تتسرّب مثل ظلٍّ طويل على جدار الذاكرة، كان هذا الإصدار بمثابة لوحة بلا إطار تنساب، تتحرّك فيها الكلمات كما تتحرّك شخوصه، باردة، متردّدة، مكسورة، ومشدودة إلى صمتها أكثر من صوتها، لم يكن الحلم وعدا بالوصول، بل إقامة دائمة في السؤال، فكل مرحلة من مسيرة داحول كانت تبدو لمتأمليها مثل طبقة لونية داكنة كثيفة في تدرجاتها وتفاعلها مع الضوء، عميقة ناضجة ولا تفصل حلمها عن وجودها، لا تكتمل بالصورة، بل بالغموض.

داحول يكتب مثلما يرسم، يحكي مثلما يحلم، يختزل العالم إلى أثر، والذات إلى ملامح مؤجَّلة، والزمن إلى لحظة معلّقة بين الفقد والرغبة، هكذا يغدو الكتاب سيرة حلم لا ينتهي، وفلسفة جمالية ترى في الفن فعل بقاء في وجه الهشاشة، وفي الرسم محاولة أبدية للإمساك بالحلم، قبل أن يستيقظ، والإنسان، قبل أن يكتمل.

لا يبدو الفن في سرد السيرة اليومية للحلم خلاصا ولا عزاء، بل ضرورة تشبه التنفّس في عالم لا يقدّم تفسيرات كافية، يحكي صفوان داحول تجربته كما لو كان يواجه عبث الوجود بهدوء، بلا احتجاج، مكتفيا بوعي حادّ بأن الحلم هو الشكل الوحيد الممكن للمعنى، المسيرة هنا ليست تصاعدا نحو اليقين، بل حركة دائرية حول فراغٍ مركزي.

تتقدّم اللوحة خطوة كلما تراجع الرسّام عن وهم الامتلاك، بين الجسد، الظل، والوجه المؤجَّل تتحوّل الصورة إلى أسئلة أكثر منها صورا، وإلى إشارات عابرة لزمن لا يحتمل الثقل، في النص، لا يُمنح القارئ تفسيرا، بل يُترك أمام شذراتٍ تتجاور مثل ذاكرة تتفكّك ببطء، كأن الكاتب نفسه يمارس بذاكرته طفولته، ووجوده بفكرة الاكتمال، ليصبح الحلم موقفا كأن تواصل الرسم وأنت تعرف أن المعنى لا يُمسك، ويلحق به ركضا نحو أقاصي ما يمنحه الفن، هو هذا الوعي الصافي بمرور الأشياء، وبجمالها العابر الخالد.

الحلم والسؤال

لم تكن سلسلة “حلم” التي رافقت الفنان في بحثه وعمق تصوراته البصرية مجرّد مفهوم أو محتوى، بل تحوّلت معه إلى لغة تشكيلية مستقلة، مشاهد كثيفة داكنة باردة في انطباع الحضور الأول لصورتها لدى المتلقي، يحمل بها الأسود والرمادي الألوان الباردة، وجوه غامضة تتوارى خلف الظلال، وأجساد تبدو كأنها في لحظة انطفاء أو انطواء على مشاعر أو حنين أو ذاكرة تحاول التوهّج بالحلم، هنا يبتعد داحول عن السردية المباشرة ويتجاوز الواقعية، ليشكّل رؤاه التعبيرية الخاصة مشاهد عميقة، تعتمد على اقتصاد لوني صارم ما يمنح العمل طاقة داخلية مكثّفة وبحثا عن معنى الشعور.

يلتقط داحول من شخوصه ما لا يُرى بين الحلم باعتباره مشهدا داخليا والمرأة بوصفها رمزا للذات الإنسانية، والانكسار كحالة وجودية لا تفصيلا تراجيديا، وتلك لحظة الصدق مع الذات.

لم يكن الجسد الأنثوي مجرد مادة مطروحة كملامح حادة وخطوط مثيرة ولا تناسقات في بنية اللوحة، بل كان اشتغالا على التفكيك وتحويل الجسد إلى علامة رمز تحمل وجها مسطّحا محايدا يشبه قناعا وعينين تتأملان أو تستسلمان. كتل جسدية تتسرّب لتبدو كظل باحث عن كيان، وهو أسلوب لا يلغي المرأة، بل يفصل روحها عن مفاهيم الجسد البصرية، إنها أثر الإنسان ومجازه، مرآة روحية أو انعكاس حالات نفسية، تربط الهشاشة بالانحناءات، والانطفاء القلق بالظلال، والصمت بالاحتواء الداخلي الغامض، صدى لذلك العمق ولأيقونة الحلم.

لا يمكن إغفال أن المرأة في أعمال داحول تحمل أيضاً أثرا خفيّاً من التحوّلات السورية خلال العقدين الأخيرين، ليست امرأة الحرب ولا الضحية ولا الأم، إنها الصوت الصامت لما لا يمكن قوله أو البوح به. تبدو كأنها تتحمّل ثقل زمن كامل دون أن تُفصح، وهذا الصمت هو ما يجعل التجربة أكثر عالمية، لأن المرأة تصبح هنا رمزا للإنسان، يحلم رغم الألم.

كثيرا ما كان التأمل في أعمال داحول يثير إحالات على تجارب فنية عالمية، لكن بتوافق الخصوصية التي يحرص عليها ويسعى لتثبيتها، فبينه وبين التشكيلي النمساوي إيغون شيليه، تتقاطع العزلة الإنسانية وتمجيد الهشاشة، وإن كان شيليه يذهب نحو الانكسار الجسدي، بينما يذهب داحول نحو الانكسار الروحي.

أما التفاصيل التي يبثها جورجيو دي شيريكو الإيطالي، فتأتي من ناحية الحضور الحلمي والفراغات الوجودية، لكن داحول يختار أن يجعل الحلم معتماً، أقل سريالية وأكثر صمتا، أو مع تقاطعات أنسلم كيفر الألماني من باب الانشغال بالذاكرة والجرح، فبينما يستخدم كيفر خامات ثقيلة ليواجه التاريخ، يلجأ داحول إلى اختزال لوني صارم لمواجهة التاريخ الشخصي لا الجمعي، وهنا يثبت داحول بصمته.

أيضا في تفاصيل اللغة كثيرا ما كانت لوحات داحول تعيد تكثيف القصيدة في لون الروح من خلال قراءات شعر يانيس ريتسوس، تلك الرؤية التي تعيد تشكيل الحلم في ضجر المجاز، وهي لقاء آخر في وصف اللغة بالتشكيل حيث يلتقي ريتسوس وداحول في منطقة نادرة من الإبداع، منطقة لا يُعرّف فيها الفن بوصفه تعبيرا، بل أثرا لأن كلاهما لا يروي الحلم، بل يتركه عالقا في الأشياء، في الجسد، في الفراغ الذي يلي الألم.

 الحلم عندهما ليس خلاصا، بل شكل آخر للوعي، فمن القصيدة إلى اللوحة الحل لا يخفّف ثقل الواقع، بل يعيد ترتيبه، وهو حل يقظ مشدود إلى اليومي بين الكرسي الفارغ والنوافذ التي لا تفتح. داحول يتحوّل بمنجزه إلى صور صامتة لكنها صاخبة العمق، غارقة في مشاعرها الداكنة، وهي ما تبقى بعد أن استيقظ الحلم ولم يجد لغته.

بصمته لا تخطئها العين

البصمة البصرية التي ثبّتها داحول لم تكن نتيجة إعادة لمفهوم الحلم، بل تناغما بين الفكرة والمادة من خلاله، فالمساحات السوداء عنده تحتمل عشرات الطبقات، والوجوه المسطّحة لا تخلو من العمق، والخطوط القليلة تحمل توترا داخليا يفوق ما تحمله الأشكال المعقدة.

لا يعيد الرسّام تمثيل الإنسان، بل تمثيل غيابه، عبر تلك المنطقة الهشّة بين الوجود والتلاشي، بين اليقظة والحلم، وهنا لم تقف تجربته عند حدود سورية بل انطلقت أبعد عربيا وعالميا، فقد فتحت أعماله طريقها إلى معارض في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، حيث وجد الكثير من النقّاد في لوحاته لغة بصرية عالمية تجاوزت الحدود الثقافية، فالحلم، كما يرى داحول، ليس امتيازاً جغرافيا ولا ثقافيا، هو مساحة اختبار مشتركة بين البشر.

من خلال مشروعه الفني الممتد، استطاع صفوان داحول أن يقدّم نموذجاً فريداً في التشكيل العربي، فنان لم يلهث خلف الترند الفني، ولم يستعرض تقنيات منفصلة عن المعنى الذي يبحث عن تفاصيله بفلسفته البصرية، بل اشتغل بصبر على بناء عالمه الخاص، عالم يتهامس بالأسود، يتنفّس بالرمادي، ويعترف بأن الحلم قد يكون أصدق أشكال الحقيقة.

إن تجربة داحول، بكل سكونها وعمقها، تُذكّرنا بأن الفن لا يحتاج دوماً إلى صخب كي يكون مُجدِّدا، يكفيه همسٌ طويل ووفاء لفكرة واحدة كي يخترق الذاكرة البصرية ويترك أثرا لا يُمحى.

العرب اللندنية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية