
تشهد الساحة السودانية منعطفاً دراماتيكياً خطيراً يتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين الجيش وقوات الدعم السريع، لينتقل الصراع إلى "بيت الحلفاء" في معسكر بورتسودان. فالحادثة الأخيرة التي استهدفت منزل القائد الميداني "أبو عاقلة كيكل" في ولاية الجزيرة، لم تكن مجرد اختراق أمني، بل هي مؤشر ساطع على وصول التناقضات الداخلية بين الميليشيات الداعمة للجيش إلى مرحلة "التصفيات الجسدية" وحرب الأجنحة المفتوحة.
حادثة "الكاهلي زيدان": رسائل الدم عبر المسيّرات
لقي 17 شخصاً مصرعهم، من بينهم شقيقا كيكل (عزام ومحمد الصديق)، في هجوم وُصف بأنّه نُفذ بدقة استخباراتية عالية بطائرة مُسيّرة استهدفت قرية "الكاهلي زيدان"، وتشير المعطيات الميدانية إلى أنّ هذا الهجوم لم يكن عشوائياً، بل استند إلى "معلومات استخباراتية داخلية" دقيقة لا تتوفر إلا لجهات تمتلك قدرات رصد متقدمة وتتحكم في مسارات الطيران المسيّر داخل مناطق سيطرة الجيش، كجماعة الإخوان وميليشياتهم التي تتحكم بسلاح الدرون.
هذا الاستهداف يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول هوية "العدو من الداخل". فبينما كانت الطائرات المسيّرة تُستخدم لضرب تمركزات قوات الدعم السريع، يبدو أنّها باتت اليوم أداة لتسوية الخلافات السياسية والإيديولوجية داخل معسكر البرهان.
تغول "الإخوان" والسعي للاستئثار بالقرار
يكمن جوهر الصراع في المحاولات المستمرة من قبل التيار الإسلامي وواجهاته العسكرية، وعلى رأسها "كتيبة البراء بن مالك"، لبسط السيطرة المطلقة على مفاصل القرار العسكري والسياسي.
ويرى مراقبون أنّ تحالف القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مع هذه الميليشيات الإسلامية كان "تحالف ضرورة" في البداية، لكنّه تحول إلى عبء استراتيجي يهدد بتفتيت المؤسسة العسكرية.
وتشير التقارير إلى أنّ "كيكل"، الذي يقود قوات "درع السودان"، بدأ يُصنف داخل دوائر التيار الإسلامي كعنصر "غير منضبط" بعد محاولاته بناء شبكة ولاءات مستقلة بعيداً عن هيمنة "الكيزان". هذا التوجه الاستقلالي اصطدم مباشرة مع أجندة "كتيبة البراء" التي تسعى ليس فقط لدعم الجيش، بل للاستئثار بكافة الامتيازات والمناصب القيادية، وضمان عدم خروج القرار العسكري عن عباءة التنظيم الإسلامي.
خريطة الميليشيات: تحالفات "الضرورة" الهشة
ينقسم معسكر بورتسودان إلى فسيفساء معقدة من الميليشيات التي تتباين في منطلقاتها: الميليشيات الإيديولوجية، مثل "كتيبة البراء" التي تمثل الذراع العسكرية للتيار الإسلامي، والميليشيات الجهوية والعرقية، التي انضمت للقتال بناءً على توازنات قبلية أو مناطقية، مثل قوات كيكل وحركات الكفاح المسلح (جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي)، إلى جانب جماعات المصالح، وهي عناصر استغلت حالة السيولة الأمنية لممارسة أعمال النهب والسلب تحت غطاء الشرعية.
إنّ اتساع الفجوة بين هذه المكونات، خاصة حول إدارة الموارد وتوزيع الغنائم والسيطرة على المناطق المحررة، أدى إلى انفجار التوترات القديمة. وإنّ نشر حركتي جبريل ومناوي لوحدات تابعة لهما في العاصمة أخيراً زاد من وتيرة التوجس لدى الأجنحة الإسلامية والميليشيات الإخوانية، ممّا جعل من "تصفية الحسابات" خياراً مطروحاً بقوة على الطاولة لضمان بقاء الغلبة للتيار الأكثر تنظيماً وتسلحاً.
الطيران المسيّر: سلاح "الغدر" بين الحلفاء
المفارقة المؤلمة في المشهد السوداني الحالي هي تحول السلاح النوعي من وسيلة لحماية الدولة إلى أداة لتصفية الحلفاء. استهداف منزل كيكل يعكس "استثمار" أطراف معينة لحالة الفوضى الأمنية لإزاحة الشخصيات العسكرية التي قد تشكل عائقاً أمام طموحات السيطرة المطلقة.
إنّ استخدام المسيّرات في هذه العمليات يوفر لجهة التنفيذ "نكراناً معقولاً"، حيث يمكن دائماً إلصاق التهمة بالعدو الخارجي أو الخطأ الفني، لكنّ دقة التنفيذ وتوقيته في مناطق خاضعة تماماً لسيطرة الجيش والاستخبارات العسكرية، ينفيان فرضية المصادفة ويؤكدان فرضية "الاغتيال السياسي".
تداعيات الصراع: نحو انفجار داخلي؟
يرى المحللون أنّ هذه الحادثة تمثل "انتقالة سيئة" في الصراع. فإذا ما استمرت سياسة "التصفيات" بين الحلفاء، فإننا بصدد سيناريو "التفتيت". فالجيش السوداني، الذي يعاني أصلاً من ضغوط المواجهة مع قوات الدعم السريع، يجد نفسه الآن مضطراً للتعامل مع "سرطانات" داخلية تنخر في جسد تحالفاته.
إنّ هذا النفوذ المتشدد داخل المؤسسة العسكرية لا يعرقل فقط جهود الإصلاح الأمني، بل يضع عراقيل مستعصية أمام أيّ حل سياسي مستقبلي. فالتيار الإسلامي، عبر ميليشياته، يسعى لفرض واقع ميداني لا يقبل القسمة على اثنين، ممّا يجعل من أيّ محاولة لمشاركة السلطة أو دمج القوات مشروعاً محكوماً بالفشل.
السودان اليوم يقف أمام تساؤل مصيري: هل يستطيع الجيش استعادة زمام المبادرة وتفكيك هذه القنابل الموقوتة داخل معسكره؟ أم أنّ "قطار التصفيات" قد انطلق، ولن يتوقف حتى يزيح كل من يعترض طريق السيطرة المطلقة للإخوان المسلمين؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)