شكري المبخوت: على تونس تجريم الخطاب التكفيري

شكري المبخوت: على تونس تجريم الخطاب التكفيري

مشاهدة

20/08/2020

صغير الحيدري

 قال الروائي التونسي شكري المبخوت في حوار له مع “العرب”، إن تفكّك المشهد الديني في بلاده ساهم في بروز ظاهرة التكفير وانتعاشها، وإن التكفير ليس بالظاهرة الدينية بقدر ما هو سلاح سياسي لضرب الخصوم زمن الأزمات، داعيا إلى ضرورة أن يقع تجريم الخطاب التكفيري التحريضي في تونس.

وقال المبخوت، الذي سبق له أن تناول ظاهرة التكفير في تونس في كتاب من جزأين، وقريبا سيصدر له جزآن آخران إضافة إلى العديد من المقالات، إن ظاهرة التكفير عادة ما تولد من رحم الأزمات حيث يعجز المسلمون عن معالجة التحديات التي تواجههم ما يجعلهم يلجأون إلى التكفير.

ويعد الكاتب التونسي من أبرز الروائيين والباحثين في تونس، حيث تحصل على الجائزة العالمية للرواية العربية في العام 2015 عن روايته “الطلياني”.

وللمبخوت العديد من الإسهامات الأدبية والروائية، حيث تراوحت أعماله بين السيرة في الرواية من خلال “الطلياني” و”السيدة الرئيسة” و”مرآة الخاسر” وأعمال تاريخية مزج فيها الكاتب التونسي بين ما هو سردي وما هو تاريخي على غرار كتاب “تاريخ التكفير في تونس”، وهو كتاب يقدم ما يشبه المسح التاريخي للظاهرة في تونس.

كما سبق للمبخوت أن رأس جامعة منوبة، وهي من أبرز الجامعات في تونس، ويدرّس حاليا في جامعة زايد في دولة الإمارات العربية المتحدة.

تجريم التكفير

طالب الكاتب التونسي المبخوت بأن يتم إنشاء مجلة جديدة للحقوق والحريات تُجرّم ظاهرة التكفير الذي قال إن الأزمة السياسية تبقي على هذه الظاهرة في بلاده.

وقال في حواره مع “العرب” إن “التكفير ليس دينيا بل هو سلاح بيد جماعات سياسية معينة تستعمله ضد خصومها.. ولدينا في تونس العديد من الأمثلة حيث راح ضحية التكفير سياسيون تم التحريض عليهم من قبل خصومهم”، في إشارة ضمنية إلى اغتيال الشهيد شكري بلعيد الذي كان في صراع علني ومفتوح مع حركة النهضة الإسلامية قبل أن يتم اغتياله في السادس من فيفري 2013.

ويوضح الكاتب التونسي أن دستور 2014 لم يؤسس لتجريم فعلي وحقيقي للتكفير.

وينص الفصل السادس من الدستور على أن “الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يُحجَّرُ التكفير والتحريض على العنف” وهو فصل مثير للجدل، حيث يرى كثيرون أنه متناقض.

وكان الفصل لا ينص أصلا على تجريم الظاهرة، لكن الضغوط أرغمت آنذاك الإسلاميين على إدخال تجريم التكفير في هذا الفصل وذلك بعد أن كفّر أحد نواب حركة النهضة القيادي باليسار التونسي منجي الرحوي.

وبحسب المبخوت فإن ظاهرة التكفير ليست وليدة اللحظة في تونس، حيث بدأت منذ العام 1904 بتكفير عبدالعزيز الثعالبي وهو مصلح تونسي وزعيم سياسي كانت له مواقف بارزة للدفع نحو النهضة الفكرية في بلاده.

ويشدد الكاتب التونسي على أن “التكفير ليس كلاما فقط بل هو دعوة كذلك إلى الفعل.. أعتقد أن المُكفر يرى أنه هو على صواب وغيره مخطئ، وهو بالتالي يحرّض عليه”.

ويُرجع الكاتب التونسي أسباب ظاهرة التكفير إلى الأزمات التي تعيشها المجتمعات العربية الإسلامية، حيث يقول “عندما يعجز المسلمون عن معالجة التحديات والأزمات التي تواجههم فإن ذلك يجعلهم يلجأون إلى تكفير وإدانة خصومهم”.

وكانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة قد عززت المخاوف من عودة التكفيريين إلى الواجهة من جديد وذلك بعد صعود تيارات شعبوية وإسلامية على غرار “ائتلاف الكرامة” المعروف بأفكاره المتشددة.

وكان على سبيل المثال أحد نواب هذا الائتلاف قد قال في جلسة عامة بالبرلمان “لا يجب أن نخجل من التكفير فهو حكم شرعي”، وهو ما أثار استياء كبيرا لدى المتابعين للشأن السياسي في تونس.

وفي هذا الإطار يحذر المبخوت من أن عدم التمكن من إرساء استقرار سياسي من شأنه أن يعيد الخطاب التكفيري إلى الواجهة في تونس.

ويرهن الكاتب التونسي القضاء نهائيا على التكفير بإنشاء مجلة للحقوق والحريات تُجرّم فيها الظاهرة. كما يشدد على ضرورة أن تهتم القوى المدنية بالبرامج التنموية والاقتصادية لإلحاق الهزيمة نهائيا بالتيارات الشعبوية والإسلامية.

ويقول في هذا الخصوص “هذه التيارات (الشعبوية والإسلامية) فيها ما انتهت منذ مدة وفيها ما تعيش في الهزع الأخير.. كلما طُرحت القضايا الجوهرية والتي تهم الشعوب (التنمية وغيرها) فإن هذه التيارات تظل تحلق في الأفكار العامة وتعود بسرعة إلى مشكلة الهوية.. وثانيا أي مشروع أصلا للجماعات الإسلامية.. عندما ندقق في هذه المشاريع نجدها مجرد شعارات مثل حركة النهضة التي تطنب في الحديث عن الديمقراطية وتدفع البلاد نحو محور من المحاور الذي يتبنى الأفكار الإخوانية، وهذا يتبيّن في تحركات رئيس البرلمان راشد الغنوشي”.

ويُضيف “علينا أن نهتم بالمنوال الاقتصادي في تونس على الأقل لأنه ليس لدى الإسلاميين ولا حلفائهم من الشعبويين ما يقدمونه للتونسيين على غرار بعض القوانين التي تزيد من توريط الدول على غرار قانون التشغيل الذي تمت المصادقة عليه مؤخرا في البرلمان.. وهم في نهاية المطاف إلى الزوال”.

سعيّد لَعن المستقبل

أثار خطاب الرئيس التونسي قيس سعيّد مؤخرا، والذي رفض فيه فكرة المساواة في الميراث، موجة استياء لدى المجتمع المدني وخاصة المنظمات النسوية التي نددت بعدم “إيمان” الرئيس بضرورة إنهاء التمييز بين الجنسين.

وقال سعيد بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة الذي يصادف الـ13 من أغسطس من كل سنة، إن “الدولة ليس لها أي دين لكن قضية المساواة محسومة في القرآن الكريم”.

ونددت جمعيات نسوية بهذا الخطاب، حيث اعتبرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في خطاب الرئيس مغازلة لـ”التيارات الظلامية”.

وفي تعليقه على بيان الجمعية وخطاب الرئيس معا، يقول المبخوت “من حق ومن دور وحتى من واجب الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أن تدافع عن النساء.. لكن لا أعتقد أن الرئيس يعزز من موقف الظلاميين والتكفيريين في حديثه لأنه لدينا تيارات محسوبة على القوى المدنية والمناهضة للإسلاميين ولكنها ترفض فكرة المساواة مثل عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر”.

ويُضيف “أعتقد أن موقف قيس سعيد لم يتغير من المساواة فهو يرفض من قبل فكرة المساواة في الميراث لكن المشكلة تكمن في أن سعيّد لعَن بخطابه المستقبل.. ما الذي أجبره على ذلك؟”.

ويبيّن الكاتب التونسي أن منظومة الحريات والحقوق تخضع إلى جملة من التقييمات من الداخل والخارج معا لذلك تطرأ عليها تغييرات وهو “ما قد يجعلنا نرى في المستقبل مساواة في الميراث، لماذا يلعَن الرئيس المستقبل إذن؟”.

ويضيف “إلى الآن ما زال من يعتبر أنه يجب منع التأويل (تأويل الآيات القرآنية وغيرها) بينما لا يتم تطبيق العديد من الآيات الواضحة لذلك يعد كلام الرئيس متناقضا لأن لدينا آيات أخرى صريحة ومع ذلك لا نطبقها اليوم”.

ويتابع أن هذه القضية يجب أن تحسم في بعدها الاجتماعي والاقتصادي من خلال الخبراء والمختصين في المجال الحقوقي، موضحا “لا يمكن لقيس سعيد أن ينصّب نفسه حاكما على تفكير التونسيين في هذه المسألة”.

ويوضح “مسألة المساواة تُقدم على أنها تعني البرجوازيين والنخب فقط وهذا الخطأ الكبير الذي يقع فيه البعض لأن القضية تهم بالأساس النساء الريفيات والكادحات قبل كل شيء”. وأشار المبخوت إلى أنه من “الخطأ طرح هذه القضية بشكل حدّي: مساواة في الميراث تعني تغرّب، عدم مساواة يعني التمسك بالهوية.. هذا خطأ كبير”.

الزعامة في عمل المبخوت

صدرت مؤخرا لشكري المبخوت رواية “السيرة العطرة للزعيم” وهي رواية ساخرة تقدم بمثابة القراءة لمفهوم ومظاهر الزعامة في تونس لاسيما بعد ثورة 14 يناير 2011.

وفي وصفه للرواية، يقول المبخوت “إن الرواية تسخر من مفهوم الزعامة خاصة تلك التي رأيناها بعد الثورة وهي زعامة تقوم على الأوهام والأكاذيب”.

ومنذ تاريخ صدور الرواية يدور جدل حول الشخصية السياسية في تونس التي قد يكون المبخوت يتحدث عنها في “السيرة العطرة للزعيم” التي روى فيها سيرة العيفة بن عبدالله (البطل) الذي يتحول فجأة في الجامعة التونسية إلى بطل وزعيم نقابي صنعته “الصدفة” والمحيطين به ليكشف بذلك المبخوت عن مسببات فشل اليسار التونسي بالرغم من أنه لم يفصح عن ذلك، لكن معاينته لفترة الصراع بين النظام السابق واليسار والإسلاميين كذلك في الجامعات جعلت المبخوت يستلهم في أعماله من هذا الاستقطاب في الحرم الجامعي.

ولدى سؤاله عما إذا كان يقصد طرفا معينا من خلال شخصية العيفة بن عبدالله وهي شخصية متناقضة وانتهازية، يقول المبخوت “لا، مخطئ من يظن أنني أقصد رجلا سياسيا معينا في تونس في الظرف الراهن.. أنا لم أتحدث لا على حمّة الهمامي ولا قيس سعيّد ولا غيرهما.. أي شخص قد يرى نفسه في الزعيم وفي البطل (العيفة بن عبدالله)”.

واعتمد المبخوت في هذه الرواية على أسلوب المقابلات بين “العفّة والطهارة” من جهة و”النجاسة والنتانة” وغيرها من الصفات من جهة أخرى بغية إبراز تناقضات الشخصية المحورية التي تدور حولها الرواية.

ويقول “بناء شخصية البطل بطريقة ساخرة كان يقتضي أن أعتمد على التناقضات.. أو كيف تتجسد الأكاذيب في حقائق والانعكاسات العملية والواقعية لذلك.. يجب إبراز أن ما بني على كذب لا يمكن أن ينتج حقيقة”.

ويُضيف الكاتب التونسي “بناء هذه الشخصية إذن كان يحتم الاعتماد على أسلوب التضاد: الرائحة العطرة والزكية وفي المقابل الرائحة النتنة و’الزفرة’.. هو جزء من الصراع الذي بُنيت من خلاله الشخصية الروائية في السيرة العطرة للزعيم”.

وتُبرز الرواية تناقضات الزعيم (العيفة بن عبدالله) خاصة في الفصل الأخير الذي قام فيه العيفة بخطاب عرّى تفكيره المتناقض والذي يغيب عنه أي مقوم من مقومات الانسجام وهو في حالة سكر، حيث يعدّ الرجل يساريا ماركسيا ومع ذلك تحدث بروح قومية عروبية وفي نفس الوقت يشيد بالزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ويدعو إلى تحرير فلسطين.

ويقول البطل “يا جماهير طلابنا العظيمة التي دوّخت العالم.. لقد حاصرنا العدو في أرض الجزيرة هنا وفي الشام وفي أرض الكنانة وفي الأطلسي عملاء بن علي (الرئيس التونسي الراحل) والحلاقة التي معه (زوجته)، ولكننا صامدون قادمون لتطهير فلسطين الحبيبة السليبة.. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.. يا عمال العالم اتحدوا.. شعب عربي واحد وطن عربي واحد.. يحيا المجاهد الأكبر، بروح الحبيب (بورقيبة) نخوض اللهيب”.

وفي تعليقه على ذلك، يقول المبخوت “هذا الخطاب نراه اليوم وهو خطاب مفكك يفتقد لأي تناسق وينمّ عن انعدام المرجعيات لدى السياسيين في تونس ما بعد ثورة يناير”.

ويوجه النقاد نقدهم اللاذع للكاتب التونسي المبخوت بسبب التشبث بتطويع الصراعات بين اليساريين والإسلاميين من جهة واليساريين والنظام السابق من جهة أخرى في أعماله الأدبية.

ويقول في هذا الصدد “الأيديولوجيا لا تعنيني في رواياتي.. ففي العمل الأدبي أبحث دائما عن البعد الجمالي لذلك نطرح التساؤل: هل نجد في الشخصيات عناصر الصراع التي تنبني عليها الرواية أم لا؟ هذا ما يهمني بالأساس حين أكتب”.

ويتابع “ما يهمني أيضا هو أن تبنّيك مثلا لأفكار يسارية لا يعني بالضرورة التزامك بهذه المفاهيم والمبادئ اليسارية.. فالشخصيات اليسارية التي اعتمدت عليها في بعض الأعمال هي شبيهة بالشخصيات التي تطرّقت إليها في المجموعة القصصية ‘السيدة الرئيسة’ وهي شخصيات إسلامية.. وهذه الشخصيات هي المنطلق فقط لطرح الهشاشة البشرية والتحولات في المجتمع التونسي”.

وحسب المبخوت فإن الرواية دائما ما تتطرق إلى بطل في زمن “بلا بطولات” لذلك فإن زمن الزعامة قد ولّى، قائلا “انتهت البطولات.. انتهت الملاحم ودخلنا في مرحلة الشك وتهديم اليقين والتردد والقلق وحتى الضياع.. لذلك نستعير بطلا من زمان آخر ونبني عملا أدبيا عنه مثل الزعيم الحبيب بورقيبة”.

ويؤكد المبخوت أن الأفراد هم من يصنعون الزعماء بالأكاذيب والأوهام ضاربا من خلال ذلك مثال استقبال رئيس حركة النهضة في تونس راشد الغنوشي بترديد نشيد “طلع البدر علينا”، قائلا “المشكلة أنه هو نفسه صدّق ذلك.. نحن كذلك نقوم بصفة دورية بصناعة زعيم من خلال الأوهام دون التساؤل عن أفكاره وماذا سيقدم للناس؟”.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية