"سلطان القاسمي"... حاكم يصوغ إمارة بالثقافة

"سلطان القاسمي"... حاكم يصوغ إمارة بالثقافة

"سلطان القاسمي"... حاكم يصوغ إمارة بالثقافة


06/10/2026

في معرض الشارقة الدّولي للكتاب عام 2015، وقف الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بين أرفف الحدث الذي أطلقه عام 1982، حتى غدا على مدى عقود أحد أبرز المواسم الثقافية عربيّاً، ولم يقتصر حضوره في تلك الدورة "الرابعة والثلاثين" على دور الرّاعي للمشهد، بل ظهر كاتباً ومؤرخاً، مُقدِّماً إلى الأمير الشاعر خالد الفيصل، الشخصية الثقافية للتظاهرة آنذاك، نسخةً من مؤلّفه "سيرة مدينة".

حينها أطلق خالد الفيصل عبارته الشهيرة: "لكل أمر من الله سلطان، وسلطان الثقافة قاسمي، ولكل أمل في الحياة بارقة، وبارقة الآمال شارقة"، لتختصر تلك اللحظة جانباً من عمق العلاقة بين القاسمي والمشروع الحضاري؛ فهو لا يقود الحركة الثقافية من موقع الرعاية والدعم وبناء المؤسسات فقط، وإنّما يمارسها بشغف من الداخل، جامعاً بانسجام بين دور الحاكم الراعي وحضور الباحث والمثقف.

ولم تكن هذه الصّلة بالمعرفة وليدة كتاب ألّفه أو معرض أطلقه، بل تمتدّ جذورها إلى الشارقة ذاتها؛ ففيها تلقّى تعليمه الأوّل، قبل أن ينطلق لطلب العلم في الخارج، ثم يعود متقلّداً عدداً من المسؤوليات الإدارية، وصولاً إلى تولّيه حكم الإمارة في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1972، ليتجسد ذلك الشغف المعرفي الذي رافقه منذ طفولته تدريجياً في مشروع يمتد عبر مؤسسات الشارقة ومشروعاتها.

النشأة والتكوين... من الشارقة وإليها

بدأت حكاية الشيخ سلطان بن محمد القاسمي مع المعرفة من المكان الذي سيصبح لاحقاً مجالاً لمشروعه العام كلّه: الشارقة؛ ففيها درس القرآن الكريم في طفولته على يد الشيخ فارس بن عبد الرحمن، ومنها بدأ تعليمه النظامي في مدرسة الإصلاح القاسمية عام 1948، ثم واصل تعليمه، فدرس اللغة الإنجليزية، وتنقّل بين الشارقة والكويت في مرحلتي الإعدادية والثانوية، قبل أن يصل إلى مصر ليلتحق بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، التي تخرج فيها عام 1971.

الشيخ سلطان القاسمي خلال تقلّده قلادة الجمهورية في مصر عام 2015

وجاءت رحلته التعليمية وثيقة الصلة بواقع إمارته؛ إذ مارس تدريس اللغة الإنجليزية والرياضيات في المدرسة الصناعية بالشارقة بين عامي 1961 و1963، ثم تولى رئاسة البلدية عام 1965، وعقب تخرجه الجامعي، أدار مكتب الحاكم، قبل أن يُعيّن وزيراً للتربية والتعليم في كانون الأول (ديسمبر) 1971، ثم يتولى حكم الإمارة في كانون الثاني (يناير) 1972.

ولم تَحُل أعباء الحكم دون مواصلة شغفه الأكاديمي؛ فنال درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة إكستر عام 1985، أتبعها بالدكتوراه في الفلسفة في الجغرافيا السياسية للخليج من جامعة درم عام 1999، وبالتوازي مع التحصيل العلمي، ترسّخ اهتمامه بتاريخ الخليج والشارقة والقواسم عبر البحث في الوثائق والأرشيفات والمراسلات والخرائط، لتشكّل هذه العناية بالمصادر الأصلية لاحقاً أساساً للمنهج الذي اتّسمت به كتاباته التاريخية، ومع اتساع تجربته تحوّلت المعرفته التي راكمها على المستوى الشخصي إلى رؤية مؤسَّسية جعلت من التعليم والتاريخ والتراث ركائز متكاملة في صياغة هوية الشارقة وإتاحة المعرفة للجميع.

التاريخ... من الكتاب إلى الوثيقة

ظلّ التاريخ في قلب تجربة القاسمي، لا بوصفه حشداً للوقائع أو تخصصاً أكاديمياً مجرداً، بل إطاراً لفهم التحوّلات التي شهدها الخليج وعُمان وعلاقاتهما بالقوى الأوروبية، انطلاقاً من مصادرها الأولى، وتجسيداً لهذه الرؤية، أرسى منهجاً يقوم على أولوية الوثيقة؛ فبحث في أرشيفات بمباي ولندن وباريس ولشبونة وأمستردام، وقرأ الخرائط واليوميات والمراسلات الدبلوماسية، سعياً إلى إعادة قراءة التاريخ من مادته الأصلية ومقارنتها بالسّرديات المتداولة.

وقد انعكس هذا المنهج جليّاً على نتاجه الفكري؛ حيث اتجّه إلى تحقيق الوثائق ونشرها وتحليل مضامينها، ومن أبرز هذه المؤلفات "تاريخ القواسم" بأجزائه الخمسة، إلى جانب أعمال بحثية تناولت مقاومة خورفكان للغزو البرتغالي، وتاريخ اليعاربة في عُمان، والعلاقات البريطانية بالقواسم، والصراع على التجارة والنفوذ في الخليج.

خالد الفيصل: "لكل أمر من الله سلطان، وسلطان الثقافة قاسمي، ولكل أمل في الحياة بارقة، وبارقة الآمال شارقة"

واحتلت الوثيقة في أعماله مكانة تتجاوز كونها مصدراً للسرد التاريخي، لتصبح مادة بحثية قائمة بذاتها؛ فنشر "سجل مكاتبات السلطان برغش سلطان زنجبار"، واشتغل على مصادر تتصل بتاريخ الخليج والمحيط الهندي والعلاقات العربية والأوروبية، من بينها "جون مالكولم والقاعدة التجارية البريطانية في الخليج"، و"يوميات ديفيد سيتون في الخليج"، و"الخليج في الخرائط التاريخية"، إلى جانب "الوثائق العربية العُمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية".

ولا تنفصل هذه العناية بالمصدر عن غايته من الكتابة التاريخية؛ فهو لا يجعل من البحث وسيلة لإدانة الآخرين، بقدر ما يربطه بما يمكن أن تستخلصه الأجيال من دروس الماضي. وهو ما يوجزه بقوله: "أنا لا أكتب لأُبيّن مساوئ الآخرين، أنا أكتب لأخذ العبرة منهم للأجيال".

التاريخ يتحرك على المسرح

كان المسرح أحد المجالات التي وجد فيها حاكم الشارقة امتداداً لشغفه بالمعرفة والذاكرة؛ فارتبط بهذا الفن مبكراً، ورآه وسيلة لمخاطبة الإنسان وحمل رسائل الوعي والفكر والجمال.

وقد عبّر عن هذا الارتباط، في مناسبات كثيرة، بقوله مخاطباً أهل المسرح: "لقد حملت هموم المسرح على عاتقي وأعاهدكم بأنّي سأحملها إلى الأبد، فإن أخطأت فأرشدوني، وإن وهنت فأعينوني، وإن قضيت فاكتبوا في سيرتي: كان رجلاً عاشقاً للمسرح".

لُقّب القاسمي بعاشق المسرح وهنا جانب من لقائه بفريق عرض الزير سالم

وبهذه الرؤية، لم يكن المسرح عند القاسمي عرضاً ينتهي بإسدال الستار، وإنّما مساحة للتربية والتوعية وطرح الأفكار والإسهام في نهوض المجتمعات. وعبّر عن ذلك بقوله: "إنّ رغبتي شديدة في زيادة الاهتمام بالمسرح ودفع عجلته إلى الأمام، باعتباره أحد مجالات عرض الآداب الراقية".

ومع الوقت، ارتبط اسم القاسمي بالمسرح كتابةً ودعماً، وأسهم في بناء بيئة مسرحية احتضنتها الشارقة عبر مؤسساتها وفعالياتها، وكان تأسيس "أيام الشارقة المسرحية" عام 1984 محطةً فارقة، لتتسع بعدها البيئة المسرحية والفنية في الإمارة عبر برامج ومهرجانات ومسارات للتدريب والتأهيل.

وامتدت علاقته بالمسرح من الدعم وبناء المؤسسات الحاضنة إلى التأليف المسرحي نفسه؛ حيث وجد في الخشبة مجالاً لإعادة قراءة التاريخ وطرح قضايا الإنسان، وهكذا انتقلت الأحداث والشخصيات من صفحات التاريخ إلى نصوصه، لتبرز فيها موضوعات السلطة والصراع والمقاومة، بدءاً من "عودة هولاكو" ثم "القضية" و"الواقع طبق الأصل" و"الإسكندر الأكبر" و"النمرود" و"طورغوت" و"الحجر الأسود" و"كتاب الله.. الصراع بين النور والظلام"، وصولًا إلى "داعش والغبراء".

وفي هذه الأعمال تتعدد الأزمنة والشخصيات، ويبقى التاريخ مادة لقراءة قضايا تتصل بالحاضر ولا تقف عند حدود اللحظة التاريخية نفسها؛ فسقوط بغداد، وصراع القوى، والطغيان، وأحداث القرامطة، وقضايا الأمة، تتحول جميعها إلى أسئلة يطرحها النص. وهكذا تتصل الكتابة المسرحية بعمله مؤرخاً؛ فما يبحث عنه في الوثائق والمراسلات والخرائط، يعيد تجسيده على الخشبة عبر الشخصيات والصراع والحوار.

ولعل عبارته: "نحن زائلون وسيبقى المسرح ما بقيت الحياة" تختصر نظرته إلى "أبو الفنون"؛ فالأفراد يرحلون، لكنّ النصوص والمؤسسات والتجارب الفكرية تظل قادرة على الاستمرار وترك أثرها عبر الأجيال.

الشارقة... حين تصبح الثقافة بنية تحتية

قامت الرؤية الثقافية عند الشيخ سلطان القاسمي على فكرة المشروع طويل المدى الذي يتجاوز الأنشطة الموسمية إلى تأسيس البنى والمؤسسات الكفيلة باستمراره؛ فمع إطلاق دائرة الثقافة والإعلام عام 1981، وتأسيس معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1982، وأيام الشارقة المسرحية عام 1984، تشكّلت اللّبنات الأولى لهذا المشروع، ثم اتسع ليشمل المتاحف والنشر والتراث والفنون.

الشارقة بداية حكاية القاسمي مع المعرفة وفضاء مشروعه الثقافي

وأصبح "معرض الشارقة الدولي للكتاب" من العلامات البارزة في هذا المشهد، إلى جانب "مهرجان الشارقة القرائي للطفل" و"مهرجان الفنون الإسلامية"، إضافة إلى شبكة المتاحف والمواقع التراثية، وصولاً إلى "بيت الحكمة" الذي افتُتح عام 2020 بوصفه فضاءً حيويّاً للقراءة والمعرفة والتفاعل الثقافي.

وشملت العناية بالكتاب إلى جانب تنظيم الفعاليات بناء البيئة التي تنتجه وتنشره؛ ففي عام 2017 افتُتحت "مدينة الشارقة للنشر"، بوصفها أول منطقة حرة للنشر في العالم، وبيئة استثمارية حاضنة للناشرين والعاملين في قطاع النشر من مختلف بلدان العالم، بما توفره من تسهيلات ومرافق لخدمات الطباعة والترخيص والتوزيع.

وترافقت هذه المشاريع، برعاية القاسمي ودعمه، مع مكانة متزايدة للشارقة على الخريطة الثقافية العربية والدولية، فاختيرت عاصمة للثقافة العربية، وعاصمة للثقافة الإسلامية، واختارتها منظمة اليونسكو عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019، وجاءت هذه الألقاب ثمرة لما راكمته الإمارة من مؤسسات وبرامج ومشروعات ثقافية.

الإنسان قبل المؤسسة

ارتبط بناء المؤسسات الثقافية في رؤية القاسمي بالإنسان الذي تستهدفه هذه المؤسسات؛ فالكتاب لا يكتمل أثره بمجرد وجوده في المكتبة، وإنّما حين يصل إلى القارئ ويصبح جزءاً من حياته، وترجمةً لهذا التوجّه، جاءت مبادرة "ثقافة بلا حدود" عام 2008؛ إذ زوّدت آلاف الأسر في الشارقة بمكتبات منزلية تضم كتباً في الأدب والثقافة والعلم وكتب الأطفال، لتغدو القراءة أقرب إلى الحياة اليومية داخل البيت.

وشمل الاهتمام الأطفال والشباب من خلال مبادرات تستهدف تنمية المهارات والمواهب، وتشجيع العمل التطوعي وروح المبادرة والاستكشاف، وفي مقدمتها "جائزة الشيخ سلطان لطاقات الشباب"، وتضع هذه المبادرات رعاية الأجيال الجديدة ضمن مشروع أوسع، يربط بين التنمية والمعرفة وتعزيز المشاركة المجتمعية.

وشكّل التعليم العالي امتداداً طبيعياً لرؤية القاسمي؛ إذ جاء تأسيس "الجامعة القاسمية" عام 2014 لتستقبل طلاباً من مختلف دول العالم، وتوفر لهم بيئة تجمع بين التحصيل العلمي والتكوين الثقافي، ومع هذا التنوّع الطلابي، غدت الجامعة فضاءً للتواصل بين المجتمعات وتبادل المعرفة، إلى جانب دورها الأكاديمي.

شمل اهتمام القاسمي الأطفال والشباب من خلال مبادرات تستهدف تنمية المهارات والمواهب

ولم تقف هذه الرعاية عند حدود الشارقة، بل شملت دعم مؤسسات علمية وثقافية خارجها؛ وفي مقدمتها "المجمع العلمي المصري" عقب الحريق الذي ألمّ به، وتلتقي هذه المبادرات مع نظرة القاسمي إلى المعرفة بوصفها قيمة تتجاوز المكان، وإلى المؤسسات العلمية والثقافية باعتبارها جزءاً من الذاكرة التي تستحق الحماية والاستمرار.

وترتبط هذه الرؤية كذلك بمفهومه للمسؤولية تجاه المال العام، وهو ما عبّر عنه بقوله: "لا أريد شكراً من أحد، ادعوا لي بالصحة والعافية فقط، فأنا وكيل على المال وأنا مسؤول عنه...، حاسبوني قبل أن يحاسبني ربّ العالمين".

العربية... من وعاء الحضارة إلى ذاكرة اللغة

احتلّت اللغة العربية في مشروع القاسمي مكانة خاصة، تتصل بالثقافة وذاكرة الحضارة وهوية الأمة، ولا تقف عند حدود لغة التدريس والكتابة؛ فهي حلقة تصل الحاضر بما راكمته الأجيال من معرفة وأدب وعلوم، وتلتقي فيها عناصر تكوينه الأولى: القرآن، والكتاب، والتاريخ.

وقد بدأ اهتمام القاسمي بالعربية من الميدان التربوي، مع الحرص على أن تظل لغة الضاد حاضرة في حياة الطالب بوسائل تناسب عصره؛ فجاءت مبادرة "لغتي" في الشارقة لدعم تعليم العربية باستخدام الوسائل الحديثة والتقنيات الذكية، وتوفير أدوات إلكترونية للطلبة والمعلمين في المدارس الحكومية.

ومن باب الحرص على صون اللغة وتطوير أدواتها، انتقلت العناية بها من التعليم والمدراس إلى بناء المؤسسات والمشروعات المعنية بدراستها وتوثيقها وتطوير أدواتها؛ ففي عام 2016 صدر المرسوم الخاص بإنشاء "مجمع اللغة العربية بالشارقة"، وتولّى المجمع منذ تأسيسه دعم المجامع اللغوية والعلمية العربية، والتنسيق بينها، ودفع مشاريعها في التأليف والترجمة والتعريب والدراسات اللغوية والمعجمية، وكان القاسمي يرى فيه "همزة وصل" بين هذه المؤسسات، "لا قطباً منافساً لها"، مؤكداً أنّ الغاية من إنشائه تقديم الدعم المادي والمعنوي للمجامع ومساندة جهودها.

أصدر القاسمي المرسوم الخاص بإنشاء مجمع اللغة العربية بالشارقة في 2016

وتجسّد هذا الدور في التعاون مع مجامع ومراكز لغوية في القاهرة والخرطوم والرياض والرباط، إلى جانب دعم إنشاء "مجلس اللسان العربي" في موريتانيا، وإطلاق جوائز ومشروعات تُعنى بالدراسات اللغوية والمعجمية.

وفي صلب هذا الدور برز "المعجم التاريخي للغة العربية"، الذي وصفه الأمين العام للمجمع، الدكتور امحمد صافي المستغانمي، بأنّه "بؤرة رؤية" الشيخ سلطان القاسمي و"لب لباب اهتماماته"، بعد أن ظل حلم المجامع العربية بهذا المشروع متعثراً لسنوات طويلة، قبل أن يدخل مع مجمع الشارقة مرحلة جديدة من العمل والتنفيذ.

وتولّت الشارقة قيادة المشروع الأبرز للعربية في العصر الحديث، بالتنسيق مع اتحاد المجامع اللغوية والعلمية، وقُسّم تاريخ العربية فيه إلى خمسة عصور رئيسة: ما قبل الإسلام، والعصر الإسلامي، والعصر العباسي، وعصر الدول والإمارات، ثم العصر الحديث. واستند العمل إلى مدونة واسعة من المصادر، شملت النقوش والنصوص القديمة، والشعر الجاهلي، والقرآن وعلومه، والحديث، والفقه، والسيرة، والتاريخ، والأدب، والمعاجم، والعلوم اللغوية.

وتلتقي هنا عناية القاسمي باللغة مع اشتغاله بالتاريخ؛ فكما اعتمد في أبحاثه التاريخية على الوثائق والمراسلات والخرائط واليوميات، يقوم العمل المعجمي على تتبّع النصوص والشواهد لتحديد تاريخ الكلمة ورصد تحوّلات معناها. وقد عبّر عن مكانة اللغة بقوله: "اللغة العربية حاوية لكل العلوم والمعارف".

جاءت رحلة القاسمي التعليمية وثيقة الصلة بواقع إمارته

وفي21  أيلول (سبتمبر) 2024 أُعلن اكتمال المعجم في 127 مجلداً، بعد سبعة أعوام من العمل الدؤوب، بمشاركة نحو 500 باحث، إلى جانب قرابة 200 من المدققين والمراجعين والطباعين، ويعكس هذا العدد طبيعة المشروع الجماعية، الذي جمع بين البحث والتحقيق والمراجعة والإخراج، وتوزعت أدواره بين المؤسسات العلمية والباحثين المتخصصين.

وكان القاسمي في مقدمة الداعمين للمشروع، متابعاً مساره ومؤكداً أنّ وضع قواعد اللغة وإضافة ما يستجد إليها شأن ينهض به العلماء المتخصصون؛ إذ قال: "نحن لا نستطيع أن نشرّع في هذه اللغة... فأنتم العلماء الذين نعقد عليهم العزم بحيث نتحرك سوياً إلى الارتقاء بهذه اللغة"، وهكذا جمع دوره بين توفير الدعم للمشروع والدفع به إلى الاكتمال، وإسناد العمل العلمي إلى أهله من اللغويين والباحثين.

ولم ينظر القاسمي إلى المعجم التاريخي بوصفه مشروعاً ينتهي بإصدار مجلداته، بل ربطه بهدف أوسع يتمثل في النهوض بالعربية وخدمتها، والتعريب والترجمة، وإيجاد الألفاظ الجديدة التي تواكب العصر. وفي كلمة له أمام اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، قال: "والمشروع الأساسي الذي قدمنا للحديث حوله هو المعجم التاريخي للغة، وهدفنا منه النهوض باللغة العربية، والتعريب والترجمة العربية، وإيجاد الألفاظ الجديدة المتوائمة والمتماشية مع هذا العصر".

واكتسب المشروع بعد إنجازه حضوراً دولياً؛ إذ أُدرج رسمياً في مكتبة اليونسكو، وكرّمت المنظمة القاسمي في مقرها بباريس في أيار (مايو) 2025 تقديراً لهذا الإنجاز. وفي كلمته بالمناسبة، وصف حاكم الشارقة اللغة بأنّها "الوعاء الأول للثقافة، والمعبر الأصدق عن هوية الشعوب"، معتبراً الاحتفاء بالمعجم احتفاء بأحد عناصر التنوع البشري الذي تمثله العربية بما تحمله من "ثقل حضاري وإشعاع علمي وإنساني".

كرّمت اليونسكو القاسمي في مقرها بباريس تقديراً لإنجاز المعجم التاريخي للغة العربية

واليوم يتكامل مشروع القاسمي اللغوي مع إطلاق "الموسوعة العربية الشاملة"، التي تنقسم إلى أربع مراحل، وتجمع العلوم والفنون والآداب ومصطلحاتها، إلى جانب تراجم الأعلام وسير المؤثرين في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2025 أُطلقت مرحلتها الأولى في 60 مجلداً، بمشاركة 700 عالم، وشملت العلوم اللغوية والأدبية والشرعية بفروعها، وتتناول المراحل التالية العلوم الإنسانية والتطبيقية، ثم تراجم العلماء والأدباء والفلاسفة والمؤرخين وغيرهم من الأعلام، وصولاً إلى بقية الفنون والعلوم المتخصصة، على أن تتجاوز الموسوعة 500 مجلد عند اكتمال مراحلها الأربع.

وربط القاسمي المشروع بهدف أبعد من جمع المعرفة وتصنيفها، بقوله: "لنربط حاضر الأمة بماضيها، ولنقدم لأهل العلم والثقافة موسوعة علمية موثقة إليها يعودون ومنها يتعلمون وينهلون"، وأشار إلى إتاحة الموسوعة عبر الشبكة العنكبوتية، بما يوسع الوصول إلى محتواها.

القرآن وعلومه... من التلقّي إلى مأسسة المعرفة

دخل القرآن الكريم حياة الشيخ سلطان القاسمي منذ طفولته، وبقي حاضراً في تكوينه وشغفه بالمعرفة؛ ليتطور هذا الارتباط من التلقّي والتعلّم إلى رعاية مشروعات علمية في التفسير والقراءات والحديث، تجمع بين إنتاج المعرفة وتوثيقها وتعليمها.

وتُرجمت هذه الرعاية في أيار (مايو) 2026 بإعلان اكتمال "موسوعة التفسير البلاغي" في 68 مجلداً، بعد نحو أربعة أعوام من العمل؛ إذ وصفها القاسمي بأنّها أوّل موسوعة متخصصة في بلاغة القرآن الكريم على وجه التفصيل. وبالتزامن معها، أُطلق مشروع "موسوعة الكلمة القرآنية" لبحث ألفاظ القرآن ودلالاتها وسياقاتها، إلى جانب موسوعتين في القراءات؛ إحداهما لقراءة عاصم الكوفي براوييه حفص وشعبة من طريق الشاطبية في 22 مجلداً، والأخرى لقراءة ابن كثير في 17 مجلداً، بمشاركة 63 عالماً ومتخصصاً.

ولا تنفصل هذه العناية باللغة الأم والموسوعات والمعارف القرآنية عن ارتباط القاسمي العميق بتاريخ الشارقة وتراثها؛ فالمدينة التي تلقّى فيها تعليمه الأول، وبدأ منها صلته بالقراءة والتاريخ، أصبحت مجالاً لمشروعاته في الثقافة والمعرفة وحفظ التراث، وبين ما دوّنه عن ماضيها وما أرساه فيها من صروح، تلتقي سيرة الرجل بسيرة المكان؛ فتظهر الشارقة في كتبه، وتُقرأ ذاكرتها في معالمها وتبقى حاضرة في المؤسسات التي أسهم في تأسيسها ورعايتها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية