"زينب بنت علي": حينما تنتصر الذاكرة على لعنة السياسة

"زينب بنت علي": حينما تنتصر الذاكرة على لعنة السياسة

"زينب بنت علي": حينما تنتصر الذاكرة على لعنة السياسة


01/04/2026

لم يشهد تاريخ الإسلام صفحة أكثر ألمًا ولا أطول حزنًا من صفحة كربلاء، ضمن الفصل الأشد قسوة في حادثة الفتنة الكبرى، وصراع علي ومعاوية، انتهاءً بمقتل الإمام علي واستتباب المُلك لمنافسه، الذي أراد وفقًا للمؤرخين أن يقضي على نسل علي، فلم يشأ أن يُبقي ولديه على قيد الحياة ينازعان ابنه يزيد المُلك من بعده، فأوعز لزوجة الحسن، كما يشير العديد من المصادر التاريخية، بأن تدس له السم ووعدها بالمال وأن يزوجها ابنه يزيد الذي سيصبح خليفة المسلمين، ومات حفيد رسول الله مسمومًا. لكنّ معاوية الداهية لم يزوجها ابنه بالطبع وكيف يأتمنها؟ أمر لها بالمال وزوّجها من أحد تابعيه. ثم جاء من بعده ابنه يزيد الذي ارتكب في حق آل البيت النبوي ما يندى له الجبين خجلًا. 

في هذه الحوادث الصعبة كانت هناك امرأة من بيت رسول الله شاهدة على هذه المآسي الكبيرة، إنّها السيدة زينب بنت السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي. فقد ذُكر في المصادر الإسلامية أنّ سيدنا جبريل أخبر النبي بما ستشهده هذه الطفلة الرضيعة من ابتلاءات فبكى النبي من أجلها.

وقد ورد في هذا الشأن الكثير من الأخبار والمرويات التي يصعبُ أن نحكم إذا كانت أخبارًا تاريخية حقيقية أم ابتداع سُمّار، فقد جاء في كتاب (الكامل) لابن الأثير أنّ رسول الله أعطى زوجته أم سلمة ترابًا حمله له أمين الوحي من التربة التي سيقتل فوقها الحسين، وقال لها: إذا صار هذا التراب دمًا فقد قتل الحسين. وقيل إنّ أم سلمة حفظت التراب عندها في قارورة، فلما قتل الحسين صار التراب دمًا، فعلمت أنّ الحسين قتل، وأذاعت النبأ في الناس.

فاجعة أخت الحسين 

تصدع قلب زينب الرؤوم أخت الحسن والحسين وابنة الزهراء عدة مرات، كانت طفلة في الخامسة، وقت وفاة رسول الله، وذبلت فاطمة من بعده عدة شهور، ثم لحقت به، فتيتمت الصغيرة. كانت زينب أمًّا لأخويها وأبيها وأختها الصغرى أم كلثوم وهي لم تزل بعد في السادسة، وكانت زينب منذ مولدها تصحبها نبوءة حزينة بأنّها هي من ستشهد أفجع مأساة في تاريخ الإسلام وسيكون لها دور عظيم فيها، النبوءة التي أحزنت النبي وكسرت عليًا وجعلت الزهراء تحت نوبات القلق والاكتئاب. تقول السيدة عائشة بنت الشاطئ عنها: "تبدو زينب في بيت أبيها ذات مكانة أكبر من سنها، أنضجتها الأحداث، وهيأتها لأن تشغل مكان الراحلة الكريمة، فتكون للحسن والحسين وأم كلثوم، أمًّا لا تعوزها عاطفة الأمومة بكل ما فيها من حنو وإيثار، وإن أعوزتها التجربة والاختبار".

فقدت زينب جدّها "النبي محمد" الذي كان ملء السمع والبصر، ورأت تفجع القلوب وتصدع الأرواح من حولها ودموع الرجال ومن بعده أمها الحنون فاطمة. وحين كانت في زهو شبابها فُجعت في أبيها الذي مات مقتولًا مظلومًا، ثم رأت أخاها الحسن وابنها مسمومًا على مرأى من المسلمين.

كان كل ما مرّ في حياة السيدة زينب إعدادًا للمرحلة المقبلة، وكأنّ الإنسان الذي سيقاسي الأمرين حياتيًا ونفسيًا، تهيؤه الحياة باكرًا. وأيّ حدث أشدّ من نكبة التاريخ الإسلامي الكبرى، من "جراح الحسين"! كم رأى قلب هذه السيدة الشريفة! ألمها ما زال حيًا يعبر إلى قلوب الباحثين في السيرة النبوية عابرًا القرون، أحس بمرارة لسانها وتصدع كيانها كلما استحضرت وقفتها وسط الصحراء المتوحشة بين آل النبي ونسائه وقد تخلت عنهم جموع المسلمين.

لعنة السياسة

رفض الحسين مبايعة يزيد في مجلس الوليد وقال: "أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم". 

وبعدها جمع الحسين زهرة النسب النبوي وآل طالب رجالًا وشبابًا وشيوخًا وصبية وذهب إلى الكوفة بإيعاز من أهلها الذين وعدوه بمناصرته، وبعثوا له الوفود وأرسلوا له آلاف الرسائل يعلنون بيعتهم ومناصرتهم، إنّها الكوفة نفسها التي خذلت أباه وأخاه. ولم يستمع الحسين لكل مُناشدات المشفقين عليه وعلى عصارة النسب النبوي الشريف ممّا سيفعله بهم يزيد بن معاوية، أعرض عن النصح آملًا أن يدخل الكوفة مُؤيدًا كما دخل النبي المدينة. وغادر المدينة المنورة بعد أن ودّع قبر جده وترك وصية مع محمد بن الحنفية أبان فيها هدف خروجه: "إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب".  

 كان يرى أنّ الحق معه، فلا يوجد على الأرض رجل من المسلمين أشرف نَسبًا منه، فأين علي أبوه ابن عم رسول الله وأوّل من آمن به من معاوية، وأين أمّه فاطمة الزهراء بنت رسول الله من أم يزيد، وأين جدته خديجة من هند آكلة الأكباد جدة يزيد؟ إلا أنّ  أمرًا آخر كان ينتظر الحسين.  

سار الركب من آل الطالبيين تاركين المدينة خلفهم بنظرة الحنين والألم لمراتع صباهم وأرض طوت أحبتهم، وسارت معهم السيدة زينب شريكة الحسين وبطلة كربلاء ونسوة آل البيت وقلبها مأخوذ بالخوف على ركب يضم أخاها، وبنيها، وأبناء عمومتها، زهرة الهاشميين وزينة قريش. وفي الطريق عرفوا أنّ معاوية نَكل ومثل بجثة ابن عمهم "مسلم بن عقيل" على مرأى من المسلمين دون أن يدافع عنه أحد. كان الحسين قد بعث بمسلم إلى الكوفة لكي يعرف حقيقة الأوضاع هناك وليأخذ منهم بيعة الإمام، ويهيّئ الأسباب لقدومه. وقد كانت الأخبار سارة في البداية والقلوب مستعدة للثورة، قبل أن تصل أخبار التمرد لصالح الحسين إلى مسامع يزيد، الذي عزل أمير الكوفة وعيّن بدلًا منه عبيد الله بن زياد المعروف بقسوته لكي يقمع التمرد. 

وجاءت كل الأخبار تؤكد أنّ الناس، وإن كانت قلوبهم مع الجمع الشريف، إلا أنّ سيوفهم عليهم. لكن كان الأوان قد فات، فقد عزم الحسين على مواصلة المسير.

كان جيش يزيد يتألف من (4) آلاف رجل، وقيل (30) ألف رجل، بينما كان مع سيدنا الحسين (32) فارسًا و(40) رجلًا من أهله وصحبه ومن ورائهم الصبية والنساء. وضُرب الحصار حول الكوفة حتى لا يتسلل أحدٌ لنصرته.

كان الحسين قد علم باستشهاده من الرؤى وتقدير الموقف إلا أنّه أبى إلا أن يدافع عن حقه السليب، وحين اقترب منه جيش من المسلمين الموحدين، الذين كانوا يقولون في صلواتهم "اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد" رفع صوته فيهم قائلًا: "انسبوني فاعرفوا من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا، هل يصح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأولى المؤمنين بالله؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟ أوليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمّي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وآله ـ  أنّه قال لي ولأخي: أنتما سيدا شباب أهل الجنة؟ أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي؟".

لم يلقَ هذا القول الذي يصدح بالحق بالًا عند جيش أعمل سيوفه في آل بيت النبي ودمه، تركوا نساء البيت النبوي في العراء، كان يؤتى بالرجل مقتولًا إلى زينب، الذي يكون إمّا ابنها او ابن أخويها أو ابن عمها، فقد وضع بين عينيها 4 من أبنائها وإخوتها وأبناء أعمامها.

تُركت هذه الشريفة في صحراء حُرق فيها الحق تجمع أشلاء الأجساد، الأيادي والأصابع المقطوعة، حتى سقط أخوها الحسين بـ 33 طعنة و34 ضربة، وقُطع كتفه الأيسر واحتز رأسه، على أيدي مُسلمين يُصلّون على النبي وآل بيته في كل صلاة، على مرأى من عين زينب التي قدر لها أن تشهد هذا الألم العظيم، وعلى مرأى من أهل الكوفة الذين وعدوا بنصرته. 

وسيق نساء آل البيت والصبية في موكب أسرى على مرأى من جموع مسلمة غفيرة ونواح النساء، الذين لم يحتملوا أن يروا موكب الرؤوس الشريفة المقطوعة، وبنات النبي مُقيدات في الأسر، إلا أنّ زينب لم تسكت، ولم ترضَ عن بكائهن ودموعهن هم الذين خذلوا أباها وأخويها، فقالت كلمتها للتاريخ، كلمة ما زالت تحزّ في القلوب، وهي أطول الكلمات تأثيرًا في حزنها، حُزن أصّل للمذهب الشيعي، ولحركة التوابين النادمين المطالبين بثارات الحسين، قالت عقيلة بني هاشم للمحتشدين في الطرقات: "ابكوا كثيرًا واضحكوا قليلًا، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبدًا... أتدرون أيّ كبد فريتم، وأيّ دم سفكتم، وأيّ كريمة أبرزتم؟ لقد جئتم شيئًا إدًّا، تكاد  السموات تتفطرن منه وتتشقق الأرض وتخرّ الجبال هدًّا".

انتصار الذاكرة

أشعلت زينب ندمًا وحزنًا لم يُطفئه التاريخ ولا تباعد القرون، ما زال كل من يقرأ عن جراح الحسين إلى الآن يحسّ بألم واكتواء لخذلان حق بيّن بهذا الشكل المؤلم. واصلت زينب مد نيران الندم حتى قصر يزيد الخليفة الذي أصبح في مواجهة امرأة تحمل ميراثًا نبويًا، ورجل لم يرَ في الدم النبوي ما يكفي لردعه، رجل تنسب إليه بعض الرويات كلفه بالصيد وإدمانه على الشرب. وكانت مناظرة زينب أقوى مناظرة بين أسيرة تتحدث من منطلق نبل الأصل وامتداد لدم نبوي شريف، فخزته في مقعد الخلافة، وأفسدت عليه نصره، وتركته للندم. فقد واجهته في مجلسه وعلى كرسي خلافته قائلة: "فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُميتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا...".

وقالت أيضًا: "أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى، أنّ بنا هوانًا على الله وبك عليه كرامة؟".

 ولم يجد يزيد مفرًا من تصرّف أرعن وجبان آخر، وهو تفريق ما تبقى من آل البيت في الأمصار، لكي لا يأتي يوم الثأر... وهيهات، فالتاريخ لا يرحم، فقد نبتت من جراحات الحسين ومن ندائه وآلامه قوى ظلت تؤلب عليه حكمه، وتحرك المسلمين ضده حتى سقطت دولة بني أمية.

لم تكن زينب بنت علي مجرد شاهدة على كربلاء، بل كانت الصوت الباقي حين صمتت السيوف، ووعيها الحي حين حاول النسيان أن يطوي الصفحة. لم تحمل سيفًا، لكنّها حملت رواية، ولم تقاتل في الميدان، لكنّها انتصرت في الذاكرة. لقد نقلت المأساة من حدث عابر في صحراء إلى قضية حيّة في ضمير التاريخ، فكانت خطبتها امتدادًا للمعركة، وكان ثباتها إعادة تعريف للنصر والهزيمة. ومنذ ذلك الحين لم تعد كربلاء مجرد واقعة، بل أصبحت معنى، وزينب هي التي حفظت هذا المعنى من الضياع.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية