زكريا تامر: حدّاد شرس في وطن من الفخار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
820
عدد القراءات

2018-01-08

قليلون هم الأدباء الذين استشعروا وطأة التسلط والهيمنة وإقصاء الإنسان. وقليلون أيضاً، أولئك الذين رصدوا في أدبهم تمثلات الطاغية وتشكيله المستمر لأرواح البشر بعد الاستيلاء عليهم والتمثيل بهم، و"حيونتهم".
ومن بين هؤلاء كان الأديب السوري زكريا تامر، الذي يعدّ واحداً من ألمع كتاب القصة القصيرة في العالم العربي، ويوصف بأنه "شاعر" القصة القصيرة.

النمر لا يمكن ترويضه وإن رُوض فترويضه مؤقت وحين يقدّم عروضه في السيرك يوجد دائماً رجل يحمل بندقية

ويذكر القراء، جلّهم، قصته الفاتنة "النمور في اليوم العاشر" التي تختصر سياسة التدجين والترويض التي تمارسها السلطات الغاشمة في تحويل الإنسان، وإخراجه من حيّزه البيولوجي:
رحلت الغابات بعيداً عن النمر السجين في قفص، ولكنه لم يستطع نسيانها، وحدق غاضباً إلى رجال يتحلقون حول قفصه وأعينهم تتأمله بفضول ودونما خوف، وكان أحدهم يتكلم بصوت هادئ ذي نبرة آمرة: "إذا أردتم حقاً أن تتعلموا مهنتي، مهنة الترويض، عليكم ألا تنسوا في أية لحظة أنّ معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهنة صعبة وسهلة في آن واحد. انظروا الآن إلى هذا النمر. إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، ولكنه سيتغير، ويصبح وديعاً ولطيفاً ومطيعاً كطفل صغير، فراقبوا ما سيجري بين من يملك الطعام وبين لا يملكه، وتعلموا".
وفي تعليقه على هذه القصة، يقول تامر: عندما كتبت تلك القصّة لم يخطر في بالي أن يكون النقّاد جاهلين إلى هذا الحدّ، إلى درجة أنهم لا يعرفون ما هو معروف عن طبائع النمور، فالنمر هو الحيوان الذي لا يمكن ترويضه، وإن رُوض، فترويضه مؤقت، وحين يقدّم النمر عروضه في السيرك، يوجد دائماً رجل يحمل بندقية متأهباً لقتل النمر، إذ لا يمكن معرفة متى يعود النمر إلى طبيعته كنمر. لذا، اتخذت النمر رمزاً للشعب، لأقول للحاكم ألا ينخدع بالشعب الذي يبدو خانعاً مطيعاً لأنك لن تعرف في أية لحظة سينتفض ضدّك".
ولد زكريا تامر في دمشق في عام 1931، ونشأ في حيّ البحصة تحديداً، وعمِل هناك حدّاداً كادحاً قبل أن يتحوّل بعد عقدٍ ونيف إلى الأدب وكتابة القصّة والصحافة، وخلال هذه الفترة انتقل ليعمل نجّاراً أيضاً، بعد أن تلقّى دراسته الابتدائية في دمشق، وتركَها مضطراً. ويقيم حالياً في لندن منذ العام 1981.

يقول في أحد حواراته: تركت المدرسة عندما كان عمري 13 عاماً، وبدأت أقرأ من دون أي توجيه من أحد. لم يكن في بيئتي من يقرأ، كانت بيئة فخورة بجهلها. المرّة الأولى التي رأيت فيها كتاباً غير الكتاب المدرسي، شعرت بأنّي قد سحرت. أظنّ ذلك كان في مكتبة المدرسة. لا أتذكّر إنْ كان كتاب قصّة أو رواية، أتذّكر الكلمات، الكلمة بجوار الكلمة وكيف عرّفتني إلى مدن ورجال ونساء، فوجدتها سحراً خالصاً. وعندما شرعت في القراءة لم أقرأ الكتب الأدبية فحسب؛ بل كنت أقرأ كل ما هو مطبوع، وأجهل السبب الذي دفعني إلى القراءة. أحياناً أضطر إلى الإيمان بأمور وراثية، فأوّل مرة استمعت فيها للموسيقى الكلاسيكية مصادفةً، وكان عمري زهاء 10 سنوات، تذوّقتها على الفور مع أنها كانت صعبة نسبياً، موسيقى لهايدن أو باخ. أستغرب كيف لطفل ابن بيئة شعبية دمشقية أن يتذوّق هذه الموسيقى الكلاسيكية كما لو أنه ابن بيئتها. لا يوجد عندي تفسير لهذا.

زكريا تامر:عندما شرعت في القراءة لم أقرأ الكتب الأدبية فحسب بل كنت أقرأ كل ما هو مطبوع

ويشترك تامر مع الشاعر محمد الماغوط في أنّ الاثنين كانا يتبادلان الهموم ذاتها، ويصدران في كتابتهما عن وجع حقيقي، وعن قهر ساحق. لذلك كتب الماغوط عن صديقه:
"بدأ زكريا تامر حياته حداداً شرساً في معمل، وعندما انطلق من حي البحصة في دمشق بلفافته وسعاله المعهودين ليصبح كاتباً، لم يتخلَّ عن مهنته الأصلية، بل بقي حداداً وشرساً ولكن في وطن من الفخار، لم يترك فيه شيئاً قائماً إلا وحطمه، ولم يقف في وجهه شيء سوى القبور والسجون لأنها بحماية جيدة"!
ولم يكن تامر كسواه من المثقفين والفنانين الذين أمطروا قرّاءهم وجمهورهم بالشعارات "المخادعة" عن الحرية والثورة والانتصار للجماهير، فقد ظل ملتصقاً بفكرته منحازاً لنقاء حروفه. وعندما اندلعت ثورة شعبه السوريّ من أجل الحرية وقف إلى جانب الناس، ورفض محاباة القتلة. وكيف يحابيهم وهو الذي قال في لقاء صحفي "ليس مهماً أن أبقى في أكسفورد أو أعود إلى دمشق. ما هو مهم هو أن تتحرر سورية من هذا النظام الوحشي الذي شوّه المخلوقات البشرية وأفسدها فساداً لا نظير له".
في قصة له بعنوان "سنضحك.. سنضحك كثيراً" يكتب:
في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجباً، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها. وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين.
وفي يوم من الأيام، كانت السماء زرقاء لا تعبرها أي غيمة، فقصدنا أحد البساتين، فإذا رجال الشرطة يدهمون البستان بعد دقائق طامحين إلى الإمساك بنا، ولكنهم لم يوفقوا لأنّي تحوّلت غرابًا أسود اللون، دائم النعيب، وتحوّلت زوجتي شجرة خضراء، غزيرة الأغصان. وضحكنا كثيرًا من إخفاقهم.

زكريا تامر: يحترق الطاغية فيستعيد كلّ مواطن وجهه الإنساني المفقود منذ عقود وينبت الياسمين في دماء الشرايين

وفي يوم من الأيام، تذمرت زوجتي من عملها في المطبخ، فذهبنا إلى أحد المطاعم، وما إن بدأنا نأكل حتى طوّق رجال الشرطة المطعم، واقتحموه عابسي الوجوه، وفتشوا عنّا تفتيشاً دقيقاً، ولم يجدونا لأنّي تحوّلت سكيناً، وتحوّلت زوجتي كأساً من زجاج ملأى بالماء. وضحكنا كثيراً لحظة غادروا المطعم قانطين.
وفي يوم من الأيام، كنّا نسير الهوينى في شارع عريض مزدحم بالناس والسيارات، نتفرج على ما في واجهات الدكاكين من سلع، فإذا رجال الشرطة يحتلّون الشارع، ويعتقلون المئات من الرجال والنساء، ولكنّهم لم يستطيعوا اعتقالنا لأنّي تحوّلت حائطًا، وتحوّلت زوجتي إعلانًا ملوّنًا ملصقًا بحائط. وضحكنا كثيرًا من غباوتهم.
وفي يوم من الأيام، ذهبنا إلى المقبرة لزيارة أمّي، فهاجم رجال الشرطة المقبرة، وقبضوا على أمّي، ولم ينجحوا في القبض علينا لأنّي تحوّلت كلمات رثاء مكتوبة بحبر أسود على شاهد قبر، وتحوّلت زوجتي باقة من الورد الذابل. وضحكنا كثيرًا من سذاجتهم.
وفي يوم من الأيام، هرعنا إلى المستشفى متلهفين، فزوجتي حامل في شهرها التاسع، وآن لها أن تلد. وما إن دنا فم طفلنا من ثدي أمه الطافح بالحليب حتى انقضّ رجال الشرطة على المستشفى، ولكنّهم عجزوا عن الاهتداء إلينا لأني تحوّلت رداءً أبيض وسخًا، وتحوّلت زوجتي مرآة خزانة خشبية ملأى بالثياب، وتحوّل طفلنا بوقًا لسيارة إسعاف مسرعة. وضحكنا كثيرًا من بلاهتهم، وسنظلّ نضحك".

وعن السبب الظاهري لتركه دمشق، يقول زكريا تامر إنه يكمن في "منعي من النشر في داخل سورية وخارجها، ولكن السبب الأعمق والأساسي هو أنّ معركة دامية نشبت قرب بيتي بين رجال الأمن وعضو مطلوب من الإخوان المسلمين، وعندما نفدت ذخيرته، أقدم على تفجير جسده بقنبلتين يدويتين، وظلت أشلاؤه أكثر من ساعتين مرمية على أرض الشارع، ورأيت أطفالاً يلعبون بقطع اللحم الممزق ويتقاذفونها بأقدامهم، عندها شعرت أني أعيش في عالم أعجز عن فهمه، ولا صلة لي به، وأفضل ما أفعله هو الفرار منه. وهذا ما أقدمت عليه غير آسف أو نادم".
وعندما انبثقت ثورة الاتصال، اتخذ تامر لنفسه موطأ في عالم النشر عبر فضاء التواصل الاجتماعي، فأنشأ صفحة عبر "الفيسبوك" سماها "المهماز". وكتب ذات مرة نصاً بعنوان "رئيسنا المقبل":
"الشعب السوري غاضب يطالب رئيسه بالتنحي والرحيل، والسيد الرئيس راغب في تقديم استقالته والاختفاء، لكن تأخرّه يرجع إلى أسباب إنسانية، فابنه البالغ من العمر تسع سنوات عومل منذ أن كان يحبو على أنه سيصبح رئيساً، وسيعدّل الدستور حتى يتاح له أن يتسلم الرئاسة في سن العاشرة، ولو قيل للطفل اليوم إنه لن يصبح رئيساً لبكى وصاح: جدي كان رئيساً وأبي كان رئيساً. ومن المؤكد أنه سيصاب بعقد نفسية لا علاج لها، وهذا أمر لا يقبله أي إنسان شريف!"
وعن النهايات المختلفة للنيران والأشياء والطغاة، يقول زكريا تامر:
يحترق الحطب، فلا يترك وراءه غير الرماد البارد.
يحترق الثائر، فيوقد ناراً تمحو الأسلاك الشائكة المزروعة بين مواطن ومواطن وتخلق القبضة المؤهلة لدحر الوحوش المهيمنة وحفر اللحود الملائمة لها.
أتمنى أن أشتُم بصوت عالٍ كل المسؤولين السوريين من دون أن أشعر بالخوف أو أخشى الاعتقال
يحترق الطاغية، فيستعيد كل مواطن وجهه الإنساني المفقود منذ عقود، وينبت الياسمين في دماء الشرايين.

زكريا تامر: الكتابة بالنسبة إليّ شديدة الارتباط بالحركة الجسدية فما إن أتحرّك حتى تتحرّك قدرتي على التفكير والكتابة

وإذا كان لزكريا تامر، الذي يحمل أعوامه الثمانين بين كفّيه، أن يتمنى فإنّ أمنيته تتمثل في أن يتاح لسورية أن تتحرر من الاستبداد والرعب اللذين تحكما بها طوال خمسين سنة.. "أتمنى قبل رحيلي أن أقعد في مقهى دمشقي وأشتُم بصوت عالٍ كل المسؤولين السوريين مسؤولاً مسؤولاً من دون أن أشعر بالخوف أو أخشى الاعتقال".
صدرت لتامر عدّة مجموعات قصصية منها "صهيل الجواد الأبيض" و"ربيع في الرماد" و"الرعد" و"دمشق الحرائق"، و"النمور في اليوم العاشر" و"نداء نوح" و"سنضحك" و"الحصرم" و"تكسير ركب" و"القنفذ". كما صدرت له أعمال قصصية للأطفال، أبرزها "لماذا سكت النهر" و"قالت الوردة للسنونو". ومن إصداراته أيضاً كتاب عن دار جداول في بيروت عنوانه "أرض الويل"، وهو مجموعة مقالات مكرّسة لهجاء الطغيان والطغاة.
وعن عاداته في الكتابة، يقول زكريا تامر:
الكتابة بالنسبة إليّ هي شديدة الارتباط بالحركة الجسدية، فما إن أتحرّك حتى تتحرّك أيضاً قدرتي على التفكير والكتابة. كما أنها مرتبطة بإحساسي بأني موجود بين الناس.
في دمشق، كنت أكتبُ وأنا أسير في الشوارع أو أنا جالس في مقهى أو مطعم، فحين أكون محاطاً بضجيج الناس تزداد قدرتي على التركيز وأستطيع الكتابة بسرعة وسهولة، ويتحول ذلك الضجيج إلى ما يشبه الموسيقى التصويرية المرافقة لأحداث فيلم من الأفلام. أما في بريطانيا، فقد تعوّدتُ الكتـــابة في الباص والقطار، وكتاب "سنضحك " وكتاب "الحصرم" وكتاب "تكسير ركب"، كتبتُ معظم قصصهم في القطار بين أكسفورد ولندن. وإذا اضطررت إلى الكتابة في البيت بسبب سوء الأحوال الجوية، فإني أكتب بعسر وبطء شديد. أكتب المسوّدة الأولى للقصّة بخط اليد في زهاء ساعة واحدة ثم أنقلها إلى الكومبيوتر؛ حيث يتمّ طوال أيام أو أسابيع أو أشهر التنقيح والتعديل والصياغة الأخيرة. وقد تعوّدت ألاّ أفكر مسبقاً في ما سأكتبه، ولا أفكر في القصة إلاّ لحظة أمسك القلم وأتأهب للكتابة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: