
أجرى الحوار: رامي شفيق
شهد المغرب خلال الفترة الأخيرة موجة احتجاجات قادها شباب "جيل زد"، انطلقت شرارتها من القرى الجبلية المتضررة من زلزال الحوز قبل أن تمتد إلى المدن الكبرى، وهو ما بعث بإشارات عميقة حول طبيعة هذه المطالب ومسار الاحتجاجات والتداعيات التي قد تترتب عليها، خاصة في مدن كبرى مثل أكادير.
(حفريات) التقت الكاتب المغربي رشيد عفيف وطرحت عليه جملة من الأسئلة. بدوره، قال عفيف: إنّ هذه الاحتجاجات، التي بدأت عفوية ومرتبطة بالمطالب الاجتماعية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، سرعان ما اكتسبت بُعدًا سياسيًا واقتصاديًا أعمق بعدما تبلورت في صيغة ملفات مطلبية أوضح، لتكشف حجم الاحتقان الشعبي المتراكم في ظل حكومة عزيز أخنوش. ويؤكد عفيف في حواره أنّ هذه الحركة "لم تكن مجرد صرخة شبابية عابرة، بل إشارة تحذير خطيرة لم تنتبه إليها الحكومة"، مضيفًا أنّها "تعكس أزمة ثقة في المؤسسات أكثر من كونها أزمة مطالب آنيّة".
في المقابل، يلفت عفيف إلى بروز تناقضات حزب العدالة والتنمية وزعيمه عبد الإله بنكيران في التعاطي مع هذه التطورات. فالحزب الذي رفع شعارات تأييد المحتجين عبر شبيبته، عاد ليطالب بوقف التظاهر على لسان أمينه العام. هذا الارتباك، بحسب عفيف، يكشف عن "ازدواجية واضحة تقود أحيانًا إلى نوع من اللبس والغموض"، ويؤكد أنّ بنكيران ما يزال يتقن لعبة التوازن بين خطاب الشارع ومربع الدولة؛ فهو من جهة ينتقد الحكومة الحالية بشراسة ويصف أخنوش بـ "الفشل والعجز"، ومن جهة أخرى يتحاشى التماهي مع جميع مطالب المحتجين. ويُعلّق المحلل السياسي عفيف على ذلك بالقول: "بنكيران مراوغ سياسي بامتياز... يدرك جيدًا أنّ استعادة الشعبية تمرّ عبر اللعب على التناقضات وتوظيف اللحظة السياسية لصالحه".
نص الحوار:
كيف ينبغي أن يكون تدبّر وفهم السياق العام الذي قاد إلى اندلاع موجة التظاهرات الأخيرة في المغرب؟
ـ من الواضح أنّ السياق الذي جاءت فيه احتجاجات شباب "جيل Z زد؟ كان مشحونًا بالكثير من الاحتقان الاجتماعي والشعبي، الذي تراكم خلال ولاية حكومة عزيز أخنوش منذ 2021. بدأت كرة الثلج تتشكل عندما تعالت أصوات المتضررين من زلزال الحوز بسبب تأخر عمليات إعادة الإعمار، رغم الجهود الجبارة التي بُذلت لطيّ هذا الملف. في (يوليو) الماضي بدأ هذا الاحتقان يتحول إلى حركة احتجاجية تُعبّر عن نفسها، عندما فاجأ سكان منطقة آيت بوكماز النائية في جبال الأطلس السلطات بتنظيم مسيرة حاشدة للمطالبة بتنمية المناطق الجبلية وتوفير الاحتياجات الأساسية لسكانها. هذه المسيرة شكّلت في الواقع أخطر إشارة تحذير لم تنتبه إليها الحكومة.
في بداية شهر أيلول (سبتمبر) خرجت موجة الاحتجاج من الجبال إلى المدن الكبرى، وعلى وجه التحديد إلى مدينة أكادير، عندما تجمع عدد كبير من سكان المدينة لتنظيم وقفة احتجاجية أمام مستشفى الحسن الثاني، أكبر مستشفيات هذه الجهة. التركيز على المطالب المتعلقة بقطاع الصحة، وتفاعل الحكومة بشكل باهت ـ ولا سيّما بعد زيارات وزير الصحة إلى العديد من المستشفيات ـ كان سببًا مباشرًا في تبلور الحركة الاحتجاجية الحالية المعروفة باحتجاجات "جيل زد". صحيح أنّ الدعوة إلى الخروج في المظاهرات كانت مفاجئة وغير متوقعة، لكنّ السياق العام الذي سبقها وواكبها كان ملحوظًا لدى الجميع، وهذا يعني أنّ الحكومة كانت مسؤولة مسؤولية كاملة عن اتخاذ إجراءات استباقية لتجنّب الاحتقان، لكنّها لم تفعل ذلك في الوقت المناسب.
ما أهمّ المطالب التي رفعتها الجماهير المحتجة؟ وهل تعكس أزمة اقتصادية واجتماعية؟
الزخم العفوي الذي ميّز هذه الموجة الاحتجاجية الشبابية لم يُفرز مطالب واضحة ومفصلة منذ البداية. لقد كانت الشعارات التي أطلقها شبان وشابات "جيل زد" تركز أساسًا على ملفات اجتماعية تشمل قطاعيْ الصحة والتعليم، وكان ذلك متوقعًا بالنظر إلى أنّ هذه الحركة الاحتجاجية جاءت مباشرة بعد الوقفات التي شهدتها المملكة أمام العديد من المستشفيات. لكن بعد بضعة أيام فقط بدأت البيانات التي تصدرها الحركة الشبابية في منصة "ديسكورد" تتخذ شكل ملف مطلبي مفصل وشامل، لكنّه ظل مفتقرًا إلى التحديد والوضوح. صحيح أنّ بعض هذه المطالب بدا "طوباويًا" أو غير واقعي، لكنّه يعكس أنّ الأزمة التي أفرزت هذه الاحتجاجات ليست اجتماعية أو اقتصادية فحسب، بل تتخذ أيضًا بُعدًا سياسيًا يتعلق بمعضلة الحكامة الجيدة. لذلك تضمنت الوثيقة الأخيرة المتداولة في المنصة عشرة مطالب من قبيل: "إقالة الحكومة الحالية، وإطلاق مسار قضائي نزيه لمحاسبة الفاسدين، وحلّ الأحزاب السياسية المتورطة في الفساد، وضمان الحق في الاحتجاج السلمي"، إلى غير ذلك من المطالب التي لم تعد تحمل مسحة اجتماعية فقط. وهذا يعني أنّ الملف المطلبي لهذه الحركة ما يزال في طور التبلور مع استمرار الاحتجاجات.
في تقديرك، هل كان تعامل الحكومة مع هذه الاحتجاجات هادئًا، أم أنّه عكس توترًا في العلاقة بين السلطة والمجتمع؟
ـ من المؤكد أنّ تعامل الحكومة مع هذه الاحتجاجات لم يكن هادئًا، على الأقل بالمعنى التواصلي ومن زاوية الصورة التي صرّفتها خلال الأيام الأولى. من أكبر الأخطاء التي اقترفتها الحكومة أنّها سارعت إلى تفريق المتظاهرين بمجرد تجمهرهم، رغم أنّ أماكن وأوقات تجمعهم كانت معلنة سلفًا. لقد برّرت السلطات الأمنية ذلك بكون هذه التجمعات غير قانونية وغير مرخصة، وقد يكون هذا التبرير مشروعًا. والجهات الأمنية تؤكد أنّها تدخلت وفقًا لما ينص عليه القانون، وهذا واجبها، لأنّ الدستور يكفل للمواطنين التعبير عن آرائهم ومطالبهم تحت حماية القانون، كما أنّ المملكة أنهت منذ زمن طويل عهد الممارسات القمعية المنبوذة، التي كانت تُستعمل فيها وسائل الرصاص الحيّ أو الاعتقالات التعسفية الواسعة لتفريق المظاهرات. لكن هل كان من الضروري اعتقال المحتجين السلميين؟ ألم يكن من الأفضل السماح لهم بالتعبير عن مطالبهم ورفع شعاراتهم قبل أن ينصرفوا دون تشنج أو توتر؟ اللقطات التي تناقلتها المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي لاعتقال بعض المحتجين أمام الميكروفونات والكاميرات خلقت شعورًا بالحيف والاحتقار لدى الكثيرين، وأساءت إلى الحكومة بسبب مقاربة المنع التي اختارتها. وما زاد الطين بلة أنّ المقاربة الأمنية لم تواكبها أيّ مبادرة تواصلية من أيّ مسؤول حكومي لبعث رسائل التفاعل الإيجابي وطمأنة الرأي العام. وللأسف، سرعان ما ظهرت بؤر احتجاجية غير سلمية ـ لا علاقة لها بشباب "جيل زد" ـ نهجت سلوكيات تخريبية، واقترفت جرائم يعاقب عليها القانون، مثل محاولة اقتحام مقر الدّرك الملكي ببلدة القليعة جنوب أكادير، وهو ما أدى إلى سقوط ثلاثة قتلى. لذلك فإنّ مسألة التوتر بين السلطة والمجتمع واضحة وجليّة في هذه الأحداث، وتعكس في عمقها أزمة ثقة في المؤسسات.
كيف تُقيّم موقف وردّ فعل حزب العدالة والتنمية من هذه التظاهرات مقارنة بمواقفه السابقة عندما كان في السلطة؟
ـ إذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، قد تعامل مع هذه المظاهرات بموقف باهت وغير مقنع، وبدا رئيسه عاجزًا عن اتخاذ المبادرة الضرورية بالسرعة المطلوبة، فإنّ ردّ فعل حزب العدالة والتنمية كان سريعًا وفوريًا. من الظاهر أنّ هذا الحزب يستفيد من موقعه في المعارضة وتَحلّله من أيّ التزام رسمي، وانعدام واجب التحفظ الذي قد يقيّد أحيانًا من هم في مواقع المسؤولية. لكن في الوقت نفسه يبدو موقف حزب العدالة والتنمية متأرجحًا بين تأييد مطالب المحتجين من خلال بلاغ شبيبة الحزب، والمطالبة في الوقت نفسه بإنهاء التظاهر كما جاء على لسان رئيس الحزب عبد الإله بنكيران بعد أن أبدى في البداية عدم اعتراضه على الاحتجاج. هناك ازدواجية واضحة، تقود أحيانًا إلى نوع من اللبس والغموض، على نحو لا يسمح باستبانة الموقف الحقيقي للحزب. لكن الملفت أكثر أنّ هذا الموقف لم يخرج عن دائرة المزايدة والتراشق مع حزب التجمع الوطني للأحرار. لم يتردد بنكيران في آخر لقاءاته الجماهيرية في توجيه الخطاب مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش واتهامه بالفشل والعجز وانعدام الكفاءة، رغم أنّ اللحظة السياسية الحرجة التي تمرّ بها البلاد تتطلب الترفع عن هذه الصراعات الحزبية وحروب الزعامات، والبحث عن التوافق للخروج من أزمة لا تهدد تماسك الحكومة فحسب، بل قد تفتح الباب أمام انفلات غير مرغوب فيه.
هل ترى أنّ الحزب فقد جزءًا من مصداقيته في الشارع بعد تجربته الحكومية، خاصة فيما يتعلق بالدفاع عن الفئات الشعبية؟
ـ لا شكّ أنّ حزب العدالة والتنمية الذي بدأ تجربته الحكومية الأولى سنة 2012 مستفيدًا من سياق الربيع العربي، يختلف تمامًا عن حزب العدالة والتنمية في سنة 2025. والدليل هو اندحاره الانتخابي في آخر اقتراع تشريعي سنة 2021، حين مُني بهزيمة مدوية. ففي انتخابات 2016 حصل الحزب على (125) مقعدًا، بينما لم يحصد في انتخابات 2021 سوى (13) مقعدًا. لذا، فإنّ السؤال الأكثر دقة هو: هل استعاد الحزب مصداقيته وشعبيته بعد التجربة الحكومية الحالية التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار؟ من السابق لأوانه الحسم، لكن إذا أظهرت أيّ استطلاعات أنّ الحزب أعاد ربط الصلات مع قواعده الاجتماعية الشعبية، فمن المؤكد أنّ فشل الأغلبية الحكومية الحالية سيكون السبب المباشر. أعني أنّ عودة الحزب إلى الواجهة ليست مرتبطة باجتهاده التنظيمي أو طرحه السياسي البديل، بل تعود أساسًا إلى فشل الحكومة الحالية في تنزيل وعودها الانتخابية، ولا سيّما تلك التي كانت تستهدف الفئات الشعبية والفقيرة. لكن عمومًا، أظن أنّ الاحتجاجات الحالية التي يقودها شباب "جيل زد" أكدت أنّ الأحزاب السياسية جميعها دون استثناء تعيش أزمة ثقة ومصداقية، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية. ويجب ألّا ننسى أنّ القرارات اللّاشعبية التي أضرّت بالفئات الهشّة والفقيرة كانت من توقيع الحزب نفسه عندما قاد حكومتين متتاليتين، ولعلّ أبرز هذه القرارات رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية وعلى رأسها الوقود.
ما الذي تغيّر في خطاب حزب العدالة والتنمية من موقع المعارضة مقارنة بفترة تحمّله مسؤولية التدبير الحكومي؟
ـ لقد أشرتُ إلى أنّ موقع المعارضة يُخوّل للهيئات الحزبية حرية أكبر وهامشًا أوسع للقراءة السياسية المختلفة، والتعبير عن المواقف التي قد لا تخلو أحيانًا من الشعبوية والمزايدة. وحزب العدالة والتنمية، على غرار باقي أحزاب المعارضة، يجد نفسه اليوم في هذا الهامش الواسع والحرّ، الذي يسمح له بقول ما لا تستطيع أحزاب الأغلبية قوله أو تبنّيه. على سبيل المثال، يمكن للحزب اليوم أن ينتقد السياسات الليبرالية المفرطة التي تنهجها حكومة عزيز أخنوش، لكنّه كان ليبراليًا حتى النخاع عندما قاد حكومتين ما بين 2012 و2021، ولم يتردد في إطلاق استراتيجية إنهاء سياسة الدعم الموجهة للمواد الأساسية مثل الوقود والغاز والدقيق والسكّر. فإذا كانت حكومة عزيز أخنوش قد نفذت قرار الرفع الجزئي والتدريجي للدعم المخصص للغاز المنزلي، فإنّ حكومة عبد الإله بنكيران هي التي أقرت رفع الدعم عن المحروقات. وإذا كان الحزب يستطيع اليوم الدفاع عن حق المتظاهرين في الاحتجاج وانتقاد المقاربة الأمنية، فإنّه لم يفعل ذلك عندما واجه الأساتذة ورجال ونساء التعليم المتظاهرين في شوارع الرباط عام 2016 بمقاربة أمنية متشددة. وهناك أمثلة كثيرة على هذا التناقض الصارخ بين مرحلة الأغلبية ومرحلة المعارضة. لكن الفرق يكمن ـ دون مبالغة ـ في أنّ حزب العدالة والتنمية يتقن لعبة لا تتقنها الأحزاب الأخرى، وهي الدفاع عن هذه التناقضات وتبريرها.
عبد الإله بنكيران عاد بقوة إلى المشهد السياسي بخطاب نقدي، لكن هناك من يرى تناقضًا بين مواقفه الحالية وقراراته حين كان رئيسًا للحكومة. كيف تفسّر هذا التحول؟
ـ في الحقيقة، لم يخرج عبد الإله بنكيران أبدًا من المشهد، على الأقل على المستوى الإعلامي أو التنظيمي. فحتى بعد إعفائه عام 2017 من مهمة تشكيل الأغلبية الحكومية، ثم استبداله برفيقه سعد الدين العثماني، وحتى بعد الهزيمة الانتخابية المدوّية لحزبه، لم يبتعد عن الساحة السياسية، ولا عن ممارسة المعارضة الإعلامية، ولا عن الإدلاء بآرائه المثيرة للجدل في مختلف القضايا التي تشغل الرأي العام. هذا الحضور الدائم ليس مجرد ممارسة روتينية لزعيم متفرغ، بل هو استراتيجية تواصلية مدروسة هدفها الأساس العودة إلى كرسي المسؤولية. من الواضح أنّ الرجل لم يستسغ خروجه المذلّ من رئاسة الحكومة ومحاولة تهميشه وإحالته على التقاعد المبكر، ويؤمن في قرارة نفسه أنّه ما يزال قادرًا على تقديم نفسه كبديل. وهذا ملحوظ في معظم خطاباته ومداخلاته التي يوجه فيها رسائل مباشرة إلى دوائر القرار العليا. ولا يخرج خطابه "النقدي" المواكب للأزمة الحالية عن هذا المسعى؛ فعندما يركز بنكيران على انتقاد رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، فإنّه يحاول دائمًا إظهار الفرق بين رئيس حكومة سابق قادر على التواصل والجدال، وبين رئيس الحكومة الحالي الذي نادرًا ما يخاطب الجمهور، وغالبًا ما تكون رسائله مبهمة أو ذات نتائج عكسية. على سبيل المثال، عندما صرّح عزيز أخنوش أمام البرلمان بأنّ استمرار الانتقادات لعلاقاته برجال الأعمال يعني أنّه "لا أحد في المغرب يستطيع أن يعمل"، بدا كلامه كأنّه تهديد، بينما كان يقصد أنّه يعرف جميع رجال الأعمال دون استثناء، وبالتالي فإنّ أيّ فاعل اقتصادي يحصل على صفقة قد يُتّهم باستغلال علاقاته معه. هذا الارتباك التواصلي أسهم في نفاد رصيد الحكومة، وهو ما استغله بنكيران جيدًا ليقدّم نفسه كبديل افتراضي. واليوم، في سياق احتجاجات "جيل زد"، يكثّف بنكيران ظهوره الإعلامي ليكرر ما فعله عام 2011 في سياق الربيع العربي، وكأنّه يقول: "أنا جاهز".
هل تعتقد أنّ بنكيران يحاول استعادة الشعبية عبر تبنّي خطاب أقرب إلى الشعبوية، رغم أنّه كان سابقًا يبرر سياسات غير شعبية كرفع الدعم وإصلاح التقاعد؟
منذ أن أُعفي من مهمة تشكيل الأغلبية في الحكومة الثانية التي قادها الحزب، لم يتوانَ بنكيران يومًا عن العمل بجد لاستعادة شعبيته، وزاد من ذلك بعد الهزيمة الانتخابية الأخيرة. ومحاولة التقرّب من الشارع لعبة تتقنها الأحزاب الإسلامية عمومًا، بحكم أنّها تعزف على الوتر الديني وتستطيع بفضله ضمان ولاء فئات واسعة من المواطنين. لكنّ هذا الرصيد لم يعد نقطة قوة بعد أن أظهرت التجربة الحكومية للحزب على مدار ولايتين أنّه لا يختلف كثيرًا عن باقي الأحزاب، سواء في إدارة السياسات الكبرى التي تظل مرهونة بالتوجيهات الملكية، أو في الدفاع عن مقومات الهوية الوطنية. بل إنّ الحزب نفسه شارك في شخص رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني في تفعيل اتفاقات إبراهيم للتطبيع مع إسرائيل. وبنكيران زعيم حذر للغاية، يعلم أنّ مساحة المناورة الحكومية محدودة، ولذلك فهو، رغم انتقاداته للحكومة الحالية، لا يتماهى تمامًا مع جميع مطالب المحتجين. إنّه ببساطة يلعب على الحبلين: يضع رجلًا في الشارع عبر تصريحاته ومواقف بعض الهيئات الموازية للحزب، ويضع أخرى في مربع الدولة باعتباره رجل دولة يحرص على التوازنات الكبرى. لذلك فإنّ التناقض الذي يظهر في مواقفه ليس إلا انعكاسًا لهذه الاستراتيجية. فهو ينتقد اليوم أداء الحكومة في التعليم والصحة، وهو نفسه الذي سبق أن صرّح بأنّ على الدولة أن ترفع يدها عن هذين القطاعين.
هل ثمّة مساحة يتحرّك نحوها بنكيران من خلال هذا التناقض واللعب على التوازنات؟
ـ نعم، بنكيران ـ بالمعنى السياسي ـ حيوان سياسي بامتياز. ولا شك أنّه يتحرّك نحو مساحة العمل على العودة إلى منصب المسؤولية. وهو لا يصرّح بذلك، لكنّ سلوكه ونهجه يكشفانه. ربما لأنّه يعتقد أنّ المشهد الحزبي الحالي لم يفرز شخصيات في مكانته وبمستوى خبرته، وربما لأنّه يريد تقديم خدمات للوطن تُدخله التاريخ، وربما لأنّه حريص على خدمة توجّهه الحزبي الإسلامي. لكن من السذاجة الاعتقاد بأنّه يراقب الوضع ويثير الجدل فقط ليملأ وقت فراغه. غير أنّ الأمر لا يتوقف على رغبته وحده، فلولا "مكر التاريخ" الذي هيأ له الظروف عام 2011، لربما انتهى مشواره عند سقف البرلمان.
كيف نتصوّر سيناريوهات المستقبل لبنكيران وحزب العدالة والتنمية؟
ـ من المؤكد أنّ أزمة الاحتجاجات الحالية كشفت غياب أطر حزبية حقيقية وفاعلة قادرة على تأطير الشارع ولعب دور الوساطة بين المواطن والدولة. وهذه هي الأزمة التي تنذر بالخطر. معظم الأحزاب فقدت رصيدها الشعبي وقواعدها الاجتماعية بعد ارتطامها بالمسؤولية الحكومية. حدث ذلك مع حزب الاتحاد الاشتراكي بعد حكومة التناوب التوافقي (1998-2002)، وتكرر مع حزب العدالة والتنمية بعد تجربتيه الأخيرتين، فضلًا عن التجمع الوطني للأحرار والاستقلال وغيرهما. لذلك تبدو سيناريوهات المستقبل مبهمة حتى اللحظة. الأكثر إثارة للقلق هو الغموض الذي يكتنف طبيعة التعاقد الجديد القادر على تحفيز المواطنين للمشاركة في الانتخابات المقبلة. والمشكلة تزداد تعقيدًا في المغرب، باعتباره أحد البلدان القليلة في المنطقة التي تحرص على استمرارية التعددية الحزبية والسياسية، وإتاحة خيارات إيديولوجية متعددة أمام الناخبين. بعبارة أوضح: اللغز الحقيقي ليس مستقبل بنكيران وحزب العدالة والتنمية وحده، بل مستقبل تطوير وتعميق النموذج الديمقراطي والانتخابي التشاركي في بلادنا.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)