ردود فعل الإخوان على سقوط "العدالة والتنمية" في المغرب: هل يتعظون؟

ردود فعل الإخوان على سقوط "العدالة والتنمية" في المغرب: هل يتعظون؟

مشاهدة

14/09/2021

كشفت ردود أفعال عناصر الإخوان المسلمين تجاه هزيمة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب أنّها مسألة تتعدى الشأن المحلي إلى الإقليمي، ولم تكن بالنسبة إليهم مجرد جولة خسروها؛ بل من الواضح أنّها بمثابة زلزال أصاب أحلام وطموحات تنظيم الإخوان العالمي، وتكشف تعليقاتهم كيف يفكر الإخوان وحقيقة مشاعرهم التي يخبئونها في صدورهم ويخفونها عن الناس وتظهرها الضغوط.

منذ ظهورهم كقوة تسلمت مقاليد الحكم في الدول التي شهدت "الربيع العربي" راهن الإخوان على بقائهم عقوداً في السلطة، وأنّ الفرصة التاريخية التي انتظروها كثيراً ها هي أصبحت حقيقة، ففي تونس التي شهدت أول شرارة لـ"الربيع العربي" تسيدت حركة النهضة، وفي مصر اعتلى الإخوان سدة الحكم، وفي ليبيا سيطروا على مؤسسات الدولة، وفي المغرب حصل حزب العدالة والتنمية الإخواني على أعلى الأصوات التشريعية.

اقرأ أيضاً: التّجربة المغربيّة​.. كيف نقرأها؟

كان الرهان على قدرة إخوان مصر تقديم النموذج الإسلامي المنشود في الحكم الذي بشّر به المؤسس، غير أنّ فشل الإخوان في تقديم نموذجهم الإسلامي وفي الإدارة ذاتها، دفع الشعب المصري للخروج في ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، انتهت الثورة بخروج الإخوان من حكم مصر، وظهر كذب ادعائهم ونبذهم العنف، ومن ثم انتقل الرهان على تونس، فهي الدولة الأقرب لنجاح التجربة ويمكن الوصول إلى الحكم الكامل فيها، ولأسباب تونسية محلية تأخر وصولهم إلى الحكم، وإن ظلوا قوة سياسية وحزبية على الأرض، وظل الإخوان في التنظيم العالمي غير قادرين على اعتبار وصول إخوان المغرب إلى الحكم هو النموذج الإسلامي المنشود، وهذا يعود إلى خصوصية المغرب كدولة ملكية دستورية، لا يمكنهم الإطاحة بنظامها في الحكم.

استمر الإخوان في سدة الحكم في ليبيا وتونس والمغرب قرابة 10 أعوام، ثم اكتفت الشعوب من فشلهم وخطابهم المكرر الذي يتهم الجميع، ومن استعلائهم على الناس، فخرجوا في مظاهرات ضد الإخوان في تونس، واتخذ الرئيس التونسي قيس سعيّد قرارات لحماية البلاد والحفاظ على أمنها، فجمّد البرلمان منبع سلطة الإخوان، فخسر الإخوان الحكم في تونس، وفي توقيت مقارب خسروا مكانتهم في ليبيا.

اقرأ أيضاً: الخريطة السياسية الجديدة في المغرب

ومع توالي الهزائم تشبثوا بإخوان المغرب عسى أن يمكن تقديمهم كنموذج للحكم الإسلامي، وكانت القراءات الإخوانية تشير إلى قدرة حزب العدالة والتنمية على الاستمرار لمدة حكم تالية، فتشبث الإخوان بالتجربة المغربية لتكون ركيزة في خطابهم عن عدم فشل تجربة الإسلام السياسي في الحكم، مع ما يرافق مثل هذا الخطاب من تأكيدات على المؤامرة التي يتعرضون لها، وامتلاكهم حلولاً جذرية لكل مشكلات المواطن العربي المسلم، وأنّ الشعوب ما زالت تراهم أملها للسير نحو التنمية والإعمار والنهضة العملية والأخلاقية إلى آخره من تلك الادعاءات، هكذا أصبح الإخوان في المغرب الأمل الوحيد، فهم آخر معاقلهم وآخر الأدلة والشواهد على نجاحهم في الحكم.

كشفت ردود أفعال الإخوان تجاه هزيمة حزبهم بالمغرب أنّها ليست مجرد جولة خسروها

حلت أخبار سقوط الإخوان في المغرب كزلزال أفقدهم توازنهم، فلا مجال لتبرير السقوط بالمظلومية أو الانقلاب أو المؤامرة، فقد حصلوا على فرصتهم كاملة قرابة 10 أعوام في الحكم وبرضا شعبي، وها هو الشعب ينهزم عنهم سياسياً وينصرف، ولأنهم كانوا على ثقة تامة باستمرارهم لذلك لم يستوعب العقل الإخواني الدرس، وهو ما ظهر في ردود أفعالهم في شكل تصريحات و"تحليلات".

جاء هذا مثلاً في تدوينة الناشطة اليمنية الإخوانية توكل كرمان؛ إذ قالت إنّ الانتخابات المغربية أثبتت أنّ الإسلاميين يمكن هزيمتهم بدلاً من الانقلاب عليهم، وهو ما كرّره الإخواني خليل عناني على حسابه في تويتر، وهو ما كتبه عبد الرحمن بن يوسف القرضاوي في موقع "عربي 21" ، أمّا الإعلامي الإخواني سامي كمال الدين، فقد بدا حزيناً على هزيمة الإخوان، فقال: "هزيمة مؤلمة تلقتها جماعة الإخوان المسلمين بعد حصول حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المغربية على 12 مقعداً من 395 مقعداً، ثم عاد وانفجر في وجه إخوان المغرب متهماً إياهم بأنهم سقطوا لأنهم شاركوا في التطبيع مع إسرائيل، وأنّ هذا عقاب الشعب المغربي لهم".

لكن يُلاحظ أنهم بدلاً من محاولة الإجابة عن سؤال: لماذا تعاقب الشعوب العربية الإخوان، سواء في مظاهرات أو في تصويت عقابي؟ إذا بهم يتجاهلون واقع الظاهرة، ليكتفوا بالغمز واللمز على الثورات الشعبية التي خرجت ضد الإخوان في دول الجوار الذين لهم سياقات مجتمعية مختلفة تماماً.

اقرأ أيضاً: الانتخابات المغربية: الدرس الأخير في مستقبل التيارات الإسلامية

غير أنّ الصدمة الكبرى ظهرت فيما نشره المفكر الإخواني التونسي أبو يعرب المرزوقي  على صفحته في "فيسبوك"، وهو عند الإخوان، كما هو معروف، أحد أهم رموزهم الفكرية، كان قد ترشح لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 عن قائمة لحزب حركة النهضة وفاز بمقعد في المجلس الوطني التأسيسي، وعُيّن مستشاراً لرئيس الحكومة حمادي الجبالي، لكنه قدّم استقالته من المجلس في 6 آذار (مارس) 2013 واعتزل السياسة، وأبو يعرب المرزوقي كتب كثيراً حول الظاهرة الإسلامية من داخلها محاولاً الانتصار لأفكارها، ولكنه كتب بطريقة هادئة تتسم ببعض الموضوعية.

هزيمتهم في الانتخابات تتحول إلى نصر من الله ولفظ الشعوب لهم يتحول إلى مؤامرة صليبية صهيونية

 فإذا صحّ أنّه كاتب المقال، إذ لم يصدر منه تكذيب ولم يحذف من الصفحة حتى كتابة هذا المقال، فإنّنا نكون أمام حالة تحتاج إلى الدراسة فعلاً، فممّا كتبه أنّ وصول الإخوان إلى الحكم ضمن فصول المؤامرة على الإسلام والإسلاميين، وهي خطة مرسومة لتذويب الإسلاميين بحكم صوري يحمّلهم مسؤولية فشل الحكم، دون أن يستفيدوا شيئاً من المشاركة فيه!

ويبرر المرزوقي سبب المؤامرة "أنّ الغرب تبين استحالة الانتصار على التيار الإسلامي شعبياً أو عسكرياً فقرر استئصالهم بتسليمهم الحكم ليفشلوا فينصرف الناس عنهم"، ويستكمل: "فإني أعتبر أنّ ما فشل حقاً في انتخابات الأمس هو المخزن (كناية عن حزب التجمع الديمقراطي للأحرار) وليس الإخوان"، ثم بمنطق غير مفهوم يقوم بالهجوم على دول الجوار قائلاً: "كما سبق أن انهزم الجيش في الجزائر في الانتخابات الأخيرة، وكما انهزمت المافيات في تونس في الانتخابات الأخيرة"، وأيضاً "لو كنت محل الإسلاميين في المغرب لاعتبرت ذلك انتصاراً ليس مثله انتصار"، وينتقل في مقاله من نقطة إلى غيرها، إلى أن يصف، في استعلاء واضح، حكومة العثماني أنهم كانوا "أفضل وأطهر وأحسن أبناء المغرب"!

ليس هذا فقط، بل إنّ المرزوقي لا يخفي إعجابه بطالبان، شأنه شأن كل الإسلامويين، فيقول: "سنرى قريباً في بلاد الإسلام كله ما رأيناه في أفغانستان أيضاً، إنّ الإسلام السياسي هو المستقبل الكوني للعالم"، هكذا مرّة واحدة يختزل الكون بتجاربه الإنسانية ومحاولات علمائه لحل مشكلات الإنسان، في شعار الإسلام هو الحل، وكأنما لا يوجد حل لمشاكل العالم إلا عند الإسلاميين.

إنّ ما سطره أبو يعرب المرزوقي سواء في هذه المقالة أو ما بعدها التي أعطاها عنواناً صادماً (طز في أوروبا) يؤكد أنّ الإسلامويين سواء كانوا من المتطرفين أو المعتدلين أو المفكرين أو الميدانيين، لديهم عطب في التفكير ولا يملكون إلا النظر بمنظور عنصر التنظيم، مهما كبر أو تعلم أو تثقف أو حاز على إجازات علمية.

اقرأ أيضاً: المغرب يطوي صفحة العدالة والتنمية.. كيف تبدو ملامح المستقبل؟

تظهر عقلية أحادية التفكير لدى العنصر الإخواني عند كل منعطف، مع نفسية تمتلئ كبراً واستعلاء، فلا يسمعون إلا لأنفسهم، قد يعود هذا لتلقيهم تربية سرّية في تنظيماتهم بشكل متكرر تجعلهم يؤمنون بأنّهم الأعلى وأنّ غيرهم أقل، وأنّ الصواب واحد، وأنّ الفرقة الناجية واحدة، ثم ينكشفون عندما تزداد عليهم الضغوط فتظهر حقيقة أفكارهم، إنّ قصور تصوراتهم يدفعهم لاختزال مخل في قراءة أي مشهد، وللازدواجية في المعايير وتحويل أي موقف حسب موقعه منهم، فهزيمتهم في الانتخابات تتحول إلى نصر من الله، ولفظ الشعوب لهم يتحول إلى مؤامرة صليبية صهيونية، والفشل يتحول إلى نجاح، والثورة ضدهم انقلاب وخروج على الحاكم، أمّا إذا كان العكس، فثورتهم شرعية شعبية مؤيدة من الله، ومنافسوهم عملاء للغرب الصليبي، وأنهم يتعرضون للظلم منذ عقود.

إنّ التربية الإخوانية القائمة على المظلومية وعلى التفرد والاستعلاء وعلى امتلاكهم الحق المطلق والفهم الصحيح، وعلى قدرات عناصرهم الخارقة في حل المعضلات، قد سقطت وتهاوت مع آخر معقل لهم في المغرب، فطاشت كلماتهم، وكشفت عن حقيقة تفكيرهم.

الصفحة الرئيسية