رؤوس إيرانية صلبة في مواجهة الدبلوماسية

رؤوس إيرانية صلبة في مواجهة الدبلوماسية

مشاهدة

29/04/2021

رغم التفاهمات الإيجابية التي خلص إليها المنخرطون في محادثات فيينا، مؤخراً، والتي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، بينما تشارك فيها الولايات المتحدة، بصورة غير مباشرة، لكن، على ما يبدو، فإنّ الملفّ النووي الإيرانيّ ما يزال تحت وطأة تأثيرات التجاذبات السياسية والأيدولوجية بين جناحي النظام في طهران، وتباين وجهات نظرهما، تبعاً لمصالحهما المتفاوتة، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الإيرانية، المزمع إجراؤها منتصف العام الحالي، والتي ترفع من حمّى المنافسة.

إيران في حاجة إلى مقاربة أمريكية جديدة، تراعي فيها المتغيرات التي حدثت منذ صيف عام 2015، وتجد ضمانات حقيقية لوقف أنشطة طهران المعادية

وبينما كان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير خارجيته، محمد جواد ظريف، في مرمى هجوم التيار الأصولي القريب من الحرس الثوري، والمرشد الإيراني، علي خامنئي، منذ الانسحاب "الأحادي" للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات على طهران، فإنّ استئناف المحادثات في فيينا لإنقاذ الاتفاق الدولي حول الملف النووي، يواجه معوقات جمّة من قبل التيار الأخير الذي يسعى إلى تطويق النشاط الدبلوماسي الإيراني والأمريكي، وذلك عبر جملة مطالب متشددة، من بينها رفع العقوبات الأمريكية باعتبارها خطوة إجرائية أولى للعودة للاتفاق.

ويرى مراقبون أنّ هناك مماطلة متعمدة من قبل التيار الأصولي بغية تعطيل المفاوضات لحين وصولهم إلى مقعد الرئاسة المحتمل، ومن ثم، يضحى الملف في قبضتهم عملياً، وبالتبعية، يتمّ قطع الطريق على التيار الإصلاحي لاستثمار نجاح المفاوضات لحساباتهم في الانتخابات المقبلة.

اقرأ أيضاً: تقرير استخباراتي ألماني يكشف تلاعب طهران بالاتفاق النووي... ما الجديد؟

وبالتزامن مع بدء الجولة الأولى من محادثات فيينا، انخرط عدد من نواب البرلمان الذي يحوز غالبية من التيار الأصولي والمتشدد، إضافة إلى جنرالات سابقين في الحرس الثوري الإيراني في الهجوم على المفاوضات النووية بفيينا؛ حيث رأوا أنّ مفاوضات فيينا تؤدي إلى "تنازلات" من دون تحقيق أيّة مكاسب لإيران، وقال كريمي فيروزجائي، عضو هيئة رئاسة البرلمان الايراني، إنّ مفاوضات فيينا عبارة عن "خدعة أمريكية جديدة"، كما أوضح أنّ "اشتراط واشنطن تراجع إيران عن تقليص التزاماتها النووية يعدّ فخاً سياسياً وخداعاً وقع فيه المفاوضون الإيرانيون".

خارج توصيات المرشد

وحذّر عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني المفاوضين الإيرانيين من الخروج على خريطة الطريق التي فرضها المرشد الإيراني، وقال: "يجب على المفاوضين ألّا يفعلوا أيّ شيء خارج توصيات المرشد"، كما دان نائب رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان الإيراني، إحسان خاندوزي، سياسات وزير الخارجية الإيراني في محادثات فيينا، ورأى أنّها تؤدي إلى"تنازلات"، وأضاف: "لم يستفد الاقتصاد الإيراني من عملية رفع العقوبات بعد عقد الاتفاق النووي، عام 2015، وذلك بسبب التهاون في المفاوضات النووية من قبل المفاوضين".

وتابع: "قبول وزارة الخارجية بنهج رفع العقوبات بشكل قانوني، وليس بشكل عملي، كان نتيجة التهاون وتبسيط الأمور في المفاوضات، ونتيجة هذا التهاون، لم يستفد الاقتصاد الإيراني من إلغاء العقوبات؛ فهي ألغيت على الورق فقط ولم تُرفع بالكامل".

ومن ناحية أخرى، صرّح الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في أعقاب الجولة الثانية من المفاوضات الجارية في فيينا، بأنّه قد تمّ "حلّ 60 إلى 70 في المئة من القضايا"، لكن البرلمان الإيراني، في جلسته، مطلع الأسبوع الحالي، شنّ هجوماً عنيفاً على المفاوضات بل رفضوا التسوية المحتملة إذا لم تكن متوافقة مع "القانون الإيراني"، حيث قال النائب الإيراني، علي رضا سليمي، أنّ "نتائج المفاوضات النووية في فيينا يجب أن تكون متماشية مع القانون الإيراني، وإلا ستكون غير قانونية".

اقرأ أيضاً: هل اقتربت إيران من القنبلة النووية؟

وبحسب وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية، فإنّ المطالبات التي يفرضها المتشددون تقتضي "الالتزام برفع العقوبات بصورة كاملة كشرط ضروري للعودة إلى الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه، عام 2015، وأيّة تسوية جزئية لرفع العقوبات بصورة جزئية لن تكون لها أيّة قيمة قانونية، طالما لم يقرّها البرلمان".

تفجير منشأة نطنز والعودة المتعجلة للاتفاق

وإلى ذلك، يرى المحلل السياسي الإيراني، مهيم سرخوس؛ أنّ النظام في إيران يتجه بأقصى درجة إلى منحنى التشدّد، وإقصاء التيار الإصلاحي، ونبذ كافة سياساته، كما أنّ المرشد الإيراني يدعم هيمنة جنرالات الحرس الثوري على مؤسسات الدولة، بعد سيطرتهم على القضاء، الذي يتولّاه إبراهيم رئيسي، صاحب أحكام الإعدام الشهيرة إبان الثورة الإيرانية، عام 1979، لتصفية القوى المدنية، الليبرالية واليسارية، وحتى رجال الدين من التيار الإصلاحي، وكذا البرلمان الذي يرأسه محمد باقر قالبيقاف، وهو جنرال سابق في الحرس الثوري، يحفل سجله بانتهاكات جمّة، وتلاحقه قضايا فساد في القضاء بطهران، منذ كان يتولّى عمدة طهران، لذا، فإنّ الاتفاق النووي بالتبعية تهيمن عليه هذه "الرؤوس الصلبة"، وبينما تحقق الدبلوماسية الإيرانية تقدّماً، أو تعلن عن تسوية محتملة وناجحة، يتحرّى الطرف الآخر الإفشال ووضع المزيد من العراقيل والتعقيدات.

ويضيف سرخوس لـ "حفريات": "لم تعد هناك فرصة للتفاوض على أسس جديدة في ما يخص الاتفاق النووي، تبعاً للتغيرات التي حدثت منذ انسحاب ترامب وحتى اليوم؛ إذ إنّ إدارة بايدن، التي تعتمد على الدبلوماسية المرنة عوضاً عن التعاطي من خلال الضغط وسياسة ترامب الخشنة، لا تكاد تختلف سوى في الوسيلة لكنّ الأهداف والمنطلقات واحدة، بالتالي، لا أرى أنّ ثمة تقدم؛ فالأزمة الآن في انتهاكات إيران لبنود الاتفاق، وبرنامج الصواريخ الباليستية، والشكوك حول امتلاكها قنبلة نووية، فضلاً عن سلوك الميليشيات المدعومة من طهران في المنطقة، وهو الأمر الذي يفرض حسابات جديدة ومختلفة تجعل من الضروري مراعاة حلفاء واشنطن، ولا يعدّ تفجير منشأة نطنز النووية الإيرانية من قبل إسرائيل ببعيد عن هذا السياق".

المحلل السياسي الإيراني مهيم سرخوس لـ"حفريات": النظام في إيران يتجه إلى منحنى التشدّد، وإقصاء التيار الإصلاحي، ويدعم هيمنة جنرالات الحرس الثوري على مؤسسات الدولة

ويرى المعارض الإيراني، عارف باوه جاني؛ أنّ المفاوضات في فيينا لإحياء الاتفاق النووي تنطلق من رغبة أو قناعة لدى الرئيس الأمريكي بأنّ سياسة العقوبات التي اتبعها ترامب لن تكون ذات أثر وفعالية لمواجهة إيران، لافتاً، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّه "منذ انسحاب الرئيس الأمريكي السابق من الاتفاق النووي، قامت طهران بالتخلي عن التزاماتها، وخرق بنود الاتفاق المتمثل في زيادة تخصيب اليورانيوم بخلاف النسبة المقررة، وهو ما تسبّب في تنامي مخاطر امتلاكها لقنبلة نووية، الأمر الذي جعل عدة قوى إقليمية تخشى حالة الانفلات الإيراني وخروجها عن السيطرة".

المعارض الإيراني عارف باوه جاني

 ويشير المعارض الإيراني إلى أنّ إيران في حاجة إلى سياسة، أو بالأحرى مقاربة، أمريكية جديدة، تراعي فيها المتغيرات التي حدثت منذ صيف عام 2015، وتجد ضمانات حقيقية لوقف أنشطة طهران المعادية، خاصة مع تهديداتها المتكررة لحرية الملاحة الدولية، وهجماتها على المنشآت النفطية وإمدادات الطاقة، موضحاً أنّ "الهجوم على منشأة نطنز يعدّ كاشفاً للفجوة الموجودة في المنطقة باتجاه تسرّع الإدارة الأمريكية للعودة إلى الاتفاق من دون ضمانات جادة ومعقولة".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية