
ما زلت أتذكر، ونحن تلاميذ في المرحلة الثانوية، تلك المنشورات البسيطة التي كان يوزعها بعض الملتحين بجانب المساجد، وفحواها النهي عن الاحتفال بالسنة الميلادية؛ بدعوى أنّها تشبُّه بالغرب. كنت حينها أرى في "رأس السنة" عيداً تجتمع فيه الأسر على حلوى آخر الليل، لا أقلّ ولا أكثر؛ فكانت حكمتنا نحن التلاميذ آنذاك أننا نأكل الحلوى كلما سمحت الظروف بذلك، سواء في أعياد الميلاد أو غيرها؛ أمّا الاحتفال فلا يهمنا في شيء.
وبعد سنوات صادفتُ نقاشات فارغة تدّعي أنّ في الاحتفال تشبّهاً بالغرب. كنت أظن أنّ هذه الظاهرة ستختفي مع الوقت، لكنّها ما تزال مستمرة حتى هذه اللحظة، والغريب هو تحويل هذه المسألة الهامشية إلى قضية جوهرية وذات بُعد مصيري. بعدها أدركتُ أنّ الذين ينهون عن الاحتفال يستغلون هذه المناسبة للاستقطاب، والدعوة لصفوفهم، وتوسيع قواعدهم الشعبية. فمشهد كل عام جديد يتحول إلى ما يشبه المناسك الدعوية المتكررة، حيث يستدعي التيار الإسلامي بمختلف أطيافه - من السلفية التقليدية إلى مختلف التنظيمات الإسلامية- ترسانته من الفتاوى والتحذيرات، ليخلق حالة من الاستقطاب الحاد حول مسألة تبدو في ظاهرها احتفالاً زمنياً، وفي باطنها معركة على الوصاية الثقافية. إذ تتحول ظاهرة الجدل الموسمي حول رأس السنة إلى ما يمكن وصفه بالاجترار الدعوي الرتيب، حيث يسقط العقل الجمعي لتيارات معينة في فخ التكرار العقيم الذي لا يضيف لبنة واحدة في بناء المعرفة أو التطور الحضاري.
إنّ استدعاء فتاوى ونصوص تراثية صِيغت في سياقات تاريخية كانت فيها التمايزات الدينية تعني صراعات سياسية ووجودية، وإسقاطها قسراً على واقع معاصر، يعكس عجزاً عن إدراك التحولات البنيوية في مفهوم الاحتفال؛ فقد انسلخت هذه المناسبة في الوعي العالمي عن صبغتها الطقسية الضيقة لتصبح ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية تربط سكان الكوكب بتوقيت إداري وزمني موحد.
وعوضاً عن الاشتباك مع قضايا العصر الراهنة، يندفع هذا الخطاب نحو معارك هامشية تجعل من "قطعة حلوى" أو "عبارة تهنئة" قضية وجودية، وهو ما يؤدي إلى عملية إلهاء ممنهج وصرف للأنظار عن الاستحقاقات الجوهرية التي تمسّ صلب حياة الإنسان. إنّ الاستغراق في تحريم المظاهر الاحتفالية البسيطة يمثل هروباً إلى الأمام واختزالاً مريحاً للدين في قشور شكلية، كونه معركة سهلة الحسم عاطفياً، وتمنح أصحابها شعوراً زائفاً بالانتصار العقدي، بينما تظل الأسئلة الكبرى حول الفشل الحضاري والتبعية العلمية دون إجابات، ممّا يكرس حالة من الانفصال عن روح العصر، ويجعل من هذا الجدل مجرد ضجيج سنوي يتبدد مع بزوغ فجر الأول من كانون الثاني (يناير) دون إحداث أيّ تغيير حقيقي.
ويتجلى في التعاطي مع رأس السنة الميلادية مشهدٌ تتوزع فيه الأدوار بين مختلف أطياف التيار الإسلامي، حيث يبرز تباينٌ واضح في الأساليب الإجرائية مع وحدةٍ صلبة في الموقف المبدئي المتوجس من المناسبة. فبينما يندفع التيار السلفي نحو معالجة القضية من منظور عقدي راديكالي، مستنداً إلى أدبيات الولاء والبراء التي لا ترى في الاحتفال مجرد لهوٍ عابر، بل تراه اختراقاً لصفاء العقيدة ووقوعاً في فخ التشبه بالغير -الذي قد يصل في أدبياتهم إلى حد المروق من الثوابت- تجد أنّ مجرد إبداء مظاهر السرور أو الابتسام في وجه المحتفلين يُصنَّف كنوع من المداهنة الدينية.
في المقابل، يتبنّى الإسلام السياسي استراتيجية أكثر براغماتية وذكاءً اجتماعياً؛ فهو قد لا يغرق في لغة التحريم المطلق أو التصادم الفج، لكنّه يستثمر هذه المناسبة كفرصة تعبوية لإعادة شحن الوعي بالهوية الإسلامية وتكريس شعور التمايز عن الآخر الغربي. إنّ الهدف هنا ليس مجرد المنع، بل استغلال الزخم السنوي لمنع الذوبان الثقافي وضبط صفوف الأتباع خلف سياج من الخصوصية الحضارية، وهو ما يحوّل ليلة رأس السنة من توقيت زمني إلى أداة لترسيم الحدود الهوياتية، ليجتمع الطرفان في نهاية المطاف على جعل هذه الليلة منصة لإعلان القطيعة الوجدانية مع ثقافة العولمة، كلٌّ حسب أدواته وخطابه.
وتتجسد في هذه الليلة معضلة فكرية عميقة تتجاوز مجرد الخلاف الفقهي، حيث تُختزل الهوية لدى هذه التيارات في فلسفة المخالفة بدلاً من فلسفة الإنجاز؛ فالهوية هنا لا تُبنى على تقديم نموذج حضاري منافس أو عطاء إنساني ملموس، بل تقتات على فعل الامتناع والتميز السلبي عمّا يفعله الآخرون. وضمن هذا المنطق يتحول التحريم الموسمي والامتناع عن شراء شجرة الميلاد أو الحلوى إلى ما يشبه صك الغفران الرقمي، الذي يثبت من خلاله الفرد لنفسه ولجماعته نقاءه العقدي وتماسكه أمام الأغيار، ممّا يكرس نوعاً من التدين الشكلي الذي يكتفي بالمقاطعة الظاهرية كبديل عن الفاعلية الحضارية الحقيقية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5yU73-8ndXvkixaA3c0ONZeCbnxvmHeu7SphNKVHarvQkdEytdegUPDV9Je2USEGtGAR59JOT2JMxLV69dJ19nai0rtIFqUVQlari8I-M2baG-mLDrHhEtrk93ianT5bxQA2nGCpYJpPtYQ5WOtj066UX6lV74wZYrUUC8hUZmXzhZFdTbLqAkjKWIBrD729.jpg.webp?itok=6S0OKVWK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/XMsJz2mlV2MDbTTHM-39C6F3OV5Xionb6T4ZiiSqQXOkzXXicSM-k6qXiTi2tksDGRgl1W2PjuBaOYtyZttipkPCoCylc2lXAyTvS3dN1BQGcu5bNj8D16aJ1KhnQ7VPXo4Gdzc9uBozhFFaye9TiNygPvpaF3-9OwOD1H_rn4YMdPbuaEZux6kcf4NsimTJ_0.jpg.webp?itok=h1lHdffV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gVzdl2uVJ-yYJ5YhptNRIP9h19mku-ry0iY9zBsS61mTENsoUJCUDZ7IelA_6jeeklJjdOffwluzL0o8awDujBzr4F4_JnqoFpLQu3rD94ikkjpYTPkMeX9cjYPpq24eEJFhW9cs0mW3J6531Vmjozt5hX-icMJChobgb7E35I_HAien9iDZH8_WgG_vJsLn.jpg.webp?itok=11mi8v6r)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/uOAZO93HrNAmgl6fQmjuFFg7IVwAXElbOPGfF1S38cRNtXzaCXRiH9qh88-Jbv0UeJMutwYKO3j12gd7ut_Q_dY8ShDpMKItMRrhAsWwaR8y03NEqE6kXVPWo9mqZ_r2_RG5fKqlM8qyTQSEJsOn72DOSbfA3bI34bVougz742Q5mE3UivTRU8ix-d-CCzG4.jpg.webp?itok=gnCOG0LF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_2_2_0.jpg.webp?itok=qqnlsSE8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_132_0_0.jpg.webp?itok=5ZsfnmFb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Anasaltikriti.jpg.webp?itok=IQeqbbI2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%AF%2022_1_0.jpeg.webp?itok=vKSlcpGF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_6_0_0.jpg.webp?itok=5xBHwzOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_0.jpg.webp?itok=jEJJb5LN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=qCize2ZA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_117_1.jpg.webp?itok=jVAkyp0D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_3_0_0_0.jpg.webp?itok=hf_LUJ34)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=wWhYK1E0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0_0.jpg.webp?itok=N5QmyRc4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5_0.jpg.webp?itok=0dj98rvZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=GlM2AIN3)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

