رأسمالية الكوارث: كيف نقرأ أزمة كورونا بالمقارنة مع كوليرا هاييتي 2010؟

كورونا

رأسمالية الكوارث: كيف نقرأ أزمة كورونا بالمقارنة مع كوليرا هاييتي 2010؟

مشاهدة

02/04/2020

في مستهل عام 2010؛ ضرب زلزال قوي، لمدة 35 ثانية فقط، دولة هاييتي، لكنّه استطاع قتل 316 ألف من المواطنين، وإصابة ما يزيد عن نصف مليون، وتدمير العاصمة "بورت أو برنس" بأكملها، والتي لم يتبقَّ منها سوى هياكل لمنازل متهاوية، وانهارت البنية التحتية الرديئة، ولم يمضِ سوى شهر واحد حتى بدأت شركات التعدين، في البحث عن الذهب الذي يملأ البلاد، كما تسارعت شركات العقارات الأمريكية إلى إعادة الإعمار، وتحقيق مكاسب خيالية من تلك الكارثة، بينما غضّت الطرف عن وباء الكوليرا الذي ضرب البلاد، وتركت الآلاف يموتون بسبب تراخي الأمم المتحدة عن إمداد المدينة بشبكة صرف صحي.

لمصلحة من؟
عام 2012، وقف رئيس الوزراء الهاييتي السابق، لوران لاموث، في مؤتمر صحفيّ قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تصنع الكثير من الأشياء الجيدة لأجل هاييتي"، وهو ما أثار استنكار  الصحفي  الاستقصائي الأسترالي، أنتوني لوينشتاين، الذي سافر بنفسه إلى البلاد ليرى ما الجيد الذي تفعله الولايات المتحدة، وليضع ما قدّمته لهاييتي ضمن أحدث كتبه، الصادر عام 2019، بعنوان "رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات أرباحاً طائلة من ويلات الحرب ومصائب البشرية"، والذي حاول من خلاله تشريح الرأسمالية التي تتربح على كوارث البشر، وتختلق الأزمات، وتتسبب في انعدام الانسجام الاجتماعي، وكيف تجلّى هذا الأمر بعد الأزمة المالية العالمية، والتي لم يدفع ضريبتها سوى الفقراء والطبقة الوسطى؛ فبعد انهيار بنك أمريكا، عام 2008، منح الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، البنك 45 مليار جنيه إسترليني، ليتمكنّ من الصمود أمام الأزمة، في حين أنّ البنك كان مرتكباً لجرائم جماعية بدءاً من تزوير الأوراق الرسمية لعملائه، ومثول الآلاف من المواطنين أمام محكمة الرهونات العقارية، باستخدام أدلة تحمل توقيعات تمّ تزويرها آلياً.

أستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية أمينة كامل لـ "حفريات": في ضوء النيوليبرالية لن يرى الرأسماليون سوى المزيد من الأرباح

وعام 2013؛ نشر موقع "ويكيليكس" وثائق يشرح فيها حجم المساعدات الحقيقية التي كانت تتلقاها هاييتي قبل زلزالها المدمر بأعوام، حين ترأس البلاد الديكتاتور المتوفى عام 2014، جان كلود دوفالييه، الذي حكم البلاد بداية من 1971 إلى 1986، وأطاحت به انتفاضة شعبية، بعد أن أمدته الولايات المتحدة الأمريكية بصفقات من السلاح تقدّر بمبالغ باهظة، استخدمت في قمع المعارضين، ولأنّ أسرة دوفالييه التي نصّبت أفرادها حكاماً أبديين على هاييتي، كانت تعادي الشيوعيين، فقد أنفقت عليهم الولايات المتحدة بسخاء، وبدأت في الاستفادة من الاستثمار في البلاد، بأقل ضرائب ممكنة، والمحافظة على أجور أقل من حدّ الكفاف، وإزالة أيّة قيود قانونية على إعادة تدوير الأرباح إلى الخارج، كما فرضت على النظام تطبيق برنامج "نيوليبرالي"؛ الذي يسعى لتقليص القطاع العام، وعليه فقد زاد عدد الشركات الأمريكية في هاييتي من 7 شركات إلى 51 بحلول 1979، وارتفع إلى 300 في 1986، بينما انخفض متوسط الدخل بنحو 50%، ومع إزالة القيود على التصدير، زادت قيمة الواردات الزراعية الأمريكية إلى هاييتي في الثمانينيات والتسعينيات ثلاثة أضعاف.

الكوليرا VS كورونا
في منتصف آذار (مارس) الجاري؛ أعلنت هاييتي إغلاق المجال الجوي مع أوروبا، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، هذا قبل أيام قليلة من إعلان وزارة الصحة ظهور حالتين، ما جعلها تفرض الحجر الصحي الذي يعيشه العالم أجمع، ولكن قبل عقد من الزمان، وبعد أشهر من زلزال هاييتي، ضرب وباء الكوليرا البلاد الغارقة في خراب المدينة التي فتك بها الزلزال كما لو كان قصفاً نووياً، ومن طريقة تعامل العالم والمنظمات الدولية مع وباء هاييتي، ربما نفهم كيف تدار هذه المنظومة؛ إذ بدأ مرض الكوليرا يجتاح البلاد، في تشرين الأول (أكتوبر)، وما يزال من فقدوا منازلهم مشردين في خيّام قدمتها إليهم بعثة الأمم المتحدة، ويحكي المقال، الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، في آذار (مارس) 2012، للصحفية ديبورا سونتاج، كيف انتشر الوباء في البلاد، وتقدم الصحفية أدلة دامغة على أنّ جنوداً نيباليين قدموا إلى هاييتي ضمن بعثة الأمم المتحدة لإرساء السلام في البلاد، عرات باسم بعثة "مينوستاه"؛ إذ كانوا مصابين بالكوليرا، ولوثوا نهراً بقرب قواعدهم العسكرية، يرتبط بشبكة للصرف الصحي، ومنها انتقل الوباء الذي ضرب 5% من سكان البلاد؛ حيث تجاوز تعداد المصابين 712 ألف شخص، فيما توفّي ٩ آلاف آخرون، في بلد لم يتجاوز تعداده 10 ملايين نسمة، وبالرغم من ذلك رفضت الأمم المتحدة الاعتراف بالمشكلة في البداية، حتى بدأ الأمين العام السابق للأمم المتحدّة آنذاك، بان كي مون، في التحدث عن إمداد هاييتي بشبكة من الصرف الصحي، لكنّها تركت السكان بلا معونات طبية، في حين أنّ النظام الصحي في البلاد منهار من قبل الوباء، وكان المطلوب تقديم مبلغ 38 مليون دولار، لتنقية المياه وشبكة صرف، إلّا أنّ الأمم المتحدة فشلت في تقديمه، في 2013، في الوقت نفسه الذي رفضت فيه المنظمة إلقاء اللوم عليها ودفع تعويضات للضحايا، كانت قد أقرتها المحكمة، وفي الوقت الذي عانت فيه البلاد من الزلزال والإعصار إيرين، الذي ضربها بعد أشهر، ثمّ الكوليرا، وبينما السكان يبيتون في العراء، اتجه الرئيس ميشيل مارتيلي إلى افتتاح منطقة صناعية جديدة في كاراكول، كان المساهم الرئيس فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ليصدح في المؤتمر الصحفي؛ "هايتي منفتحة للأعمال".

تواطؤ النيوليبرالية
ورغم أنّ التخطيط للمدن الصناعية هذه بدأ منذ 2008، إلّا أنّ افتتاحها تمّ وقتما كان السكان المحليون أسرى الكوارث الطبيعية والوباء الذي لم تقدّم لهم أية منظمة دولية مساعدة تذكر فيه، سوى منظمة "أطباء بلا حدود"، التي عالجت ما يقرب من 170 ألف حالة، ولم تبالغ صحيفة "نيويورك تايمز" حين كتبت على صفحاتها الأولى، في إطار الذكرى الثالثة للزلزال: "العالم خذل هاييتي، ومنطقة صناعية لم تجلب حلولاً لأزمات السكان"، لكن يتضح أنّ المستفيد من كلّ تلك الكوارث المتعاقبة على هاييتي كان الشركات التي صنعت أرباحاً طائلة من العمالة الرخيصة، في هذا الإطار تحدثت أستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية، الدكتورة أمينة كامل، لـ "حفريات": "في ضوء النيوليبرالية لن يرى الرأسماليون في الأزمة سوى المزيد من الأرباح، وهاييتي وغيرها من دول العالم الفقير أنموذجاً لذلك، حتى في أمريكا نفسها؛ فشركة "كلايتون هومز"، التي قايضت الحكومة الأمريكية لبناء عربات تحمي المواطنين من الإعصار، ربحت مبالغ طائلة، وقدمّت عربات بمستويات عالية من الفورمالدهيد، لم تحمِ أحداً".

هذه الطريقة من التفرقة الاجتماعية والطبقية والدولية، التي تتبرع لشعوب دون أخرى، وتصبّ الثروات في أيد الأقلية عالمياً، هي، في نظر كامل "النموذج الشرس من النيوليبرالية منذ أن بشّر به الأمريكيون في السبعينيات، فهو يرى الأرباح في كلّ مكان حتى بين الأنقاض، وفوق جثث الموتى".

بعد أشهر من زلزال هاييتي، ضربت الكوليرا البلاد الغارقة في الخراب الذي فتك بها الزلزال كما لو كان قصفاً نووياً

وفي الذكرى الأولى للزلزال خرج إلى التلفزيون وزير الداخلية السابق، باتريك إيلي، يتحدث عن أنّ بلاده خاضعة لسيطرة النفوذ الأجنبي، خاصة الأمريكي، وبسبب هذا اللقاء، أجرى الصحفي، أنتوني لوينشتاين، مع الرجل، الذي كان صيدلانياً سابقاً، ثم أصبح ناشطاً سياسياً، مقابلة في منزله؛ حيث عبّر الرجل بأريحية عن رؤيته لكيفية تعامل المجتمع الدولي مع بلاده، التي وصفها بالمحتلة أمريكياً، ووصف رؤساء بلاده بأنّهم "ممثلون عن واشنطن"، وأنّ العالم قد تخلّى عن ملايين السكان تحت وطأة الزلزال والإعصار والكوليرا، في انكشاف واضح لحقيقة هذه المنظمات الدولية، التي كانت، في الوقت نفسه، تساعد الحكومات والشركات على التنقيب عن الذهب فوق جثث ضحايا الوباء، بينما أخذت تتوسع في استجلاب العمالة الرخيصة، التي تقاضت أجراً أقل 50% مما كانوا يتقاضون أيام حكم الديكتاتور المخلوع دوفالييه.


الصفحة الرئيسية