
مع تصاعد وتيرة الحرب الأمريكيةـالإسرائيلية على إيران، يبرز السؤال حول مدى تأثير وتداعيات هذه العمليات العسكرية، وما سينتج عنها من واقع سياسي على أذرع إيران ووكلائها في المنطقة، لا سيّما حزب الله في لبنان. فالصراع العسكري والسياسي الراهن يضع النظام الإيراني تحت ضغط كبير، ويعيد صياغة موازين النفوذ في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل مستقبل وكلائه العسكريين والسياسيين على المحك.
في هذا السياق، التقت (حفريات) الدكتور علي خليفة، مؤسس حركة "تحرر من أجل لبنان"، لمناقشته حول جذور حزب الله العقائدية ومدى واقع ومستقبل تلك الحركات وارتفاع منسوب العمليات الميدانية على مسرح الأحداث.
قال الدكتور خليفة في حواره مع (حفريات): إنّ جذور حزب الله العقائدية تقوم على ولاية الفقيه الممتدة، التي تتجاوز الحدود الوطنية وتضع ولاء الشيعة في لبنان تحت سلطة إيران. وأضاف أنّ الحزب استثمر على مدى عقود في التعليم والاقتصاد المحلي لترسيخ الولاء والطاعة للعقيدة الإيرانية لدى الأجيال الجديدة، من خلال المدارس والحوزات الدينية والاقتصاد الموازي.
وأكد الأكاديمي اللبناني علي خليفة أنّ علاقة حزب الله بالحرس الثوري الإيراني عضوية ومباشرة، مشيرًا إلى أنّ أيّ تغيّر في مستقبل النظام الإيراني قد يؤدي إلى قطع الدعم عن الحزب وتقويض أدواره في لبنان. وبهذا تصبح مصائر الحزب والنظام الإيراني مترابطة ارتباطًا وثيقًا، ممّا يجعل الصراع الحالي مفصليًا لتحديد معالم المرحلة المقبلة في المنطقة.
كيف تقرؤون الجذور العقائدية التي تأسس عليها حزب الله منذ الثمانينيات، وإلى أيّ مدى يمثل ذلك بنية عمل الحرس الثوري، "الدولة العميقة في إيران"، نحو تصدير الثورة؟
ـ الجذور العقائدية لحزب الله هي ولاية الفقيه الممتدة التي لا تعترف بالحدود السياسية للدول الوطنية القائمة، وتستبدل ولاء الشيعة في بلدانهم بالولاء للولي الفقيه في إيران. وتقوم هذه العقيدة على اعتبار الشيعة مستضعفين في بلدانهم ويقيمون في ظل دول فاقدة للشرعية. ولكي تكتسب السلطة شرعيتها يجب أن تكون بيد الحاكم الشرعي، نائب الإمام المهدي صاحب الزمان، أي الولي الفقيه.
كل ذلك يستلزم تصدير الثورة كما يتضمن الدستور الإيراني، بهدف تعميم هذه الأفكار وربط الشيعة في بلدانهم بالولي الفقيه في إيران.
وقد دفع هذا إيران إلى تحويل هذا المعتقد الإيديولوجي إلى واقع ميداني وممارسة سياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، فيما تدفع هذه البلدان ثمن ذلك غاليًا.
وعلى أيّ حال، فإنّ الجذور العقائدية تظل مشروعًا للنفوذ والهيمنة؛ فحدود ولاية الفقيه المتمددة هي حدود مصالح إيران الاستراتيجية والاقتصادية والمالية، ولا سيّما على نوافذ البحار وحيثما امتدت خريطة نفوذها.
لذلك لا يمكن تصور تقويض هذا النفوذ إلا بسقوط هذا النظام وسقوط معتقداته التي تهدد استقرار البلدان وتعرّض حياة مواطنيها للخطر.
كيف نجحت إيران في بناء ما يمكن وصفه بـ "البيئة الوظيفية" لحزب الله داخل المجتمع اللبناني؟
ـ بالنسبة إلى لبنان، خلقت إيران بيئة مواتية لتمدّد نفوذها، قوامها أربعة عناصر: مجتمع القتل والترهيب، ومدرسة التعبئة العقائدية، والاقتصاد الموازي للاقتصاد الشرعي، والثقافة الموجّهة.
وجميع هذه العناصر تغذي فصيل حزب الله، وهو جزء من الحرس الثوري الإيراني ـ فيلق القدس. وقد عملت إيران على بناء هذه البيئة طوال أكثر من أربعة عقود، واستثمرت فيها نحو مليار دولار سنويًا، أقامت من خلالها مؤسسات تعليمية وطبية واستشفائية، إضافة إلى واجهات اقتصادية ومالية وجمعيات ومنظمات مختلفة.
إذًا، هل يُعدّ التعليم والمدارس والمصارف أبرز نماذج هذه البيئة الوظيفية؟
ـ نعم، التعليم أحد أهم الشرايين المغذية لهذه البيئة، وعماده مدارس نظامية مثل مدارس المهدي ومدارس المصطفى، إضافة إلى كشافة المهدي في إطار التربية غير النظامية.
وتسعى هذه الأطر التربوية إلى ترسيخ التعبئة العقائدية لدى الأطفال، إذ تعمل وفق التوصيات التي يصدرها المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران، وتُنشئ الأطفال على عقيدة ولاية الفقيه والطاعة لما يصدر عنه بوصفه تكليفًا شرعيًا.
وتستبعد هذه المؤسسات المهارات المتعلقة بالتفكير الذاتي والحس النقدي، وتستبدلهما بالطاعة العمياء للولي الفقيه. ويجري أيضًا تزيين فكرة الموت في أعين الناشئة عبر تصوير الاستشهاد كهدف أسمى في الحياة، والدافع إليه تكليف شرعي من الولي الفقيه.
كيف تقيّمون العلاقة التنظيمية والعملياتية بين حزب الله والحرس الثوري الإيراني؟
ـ العلاقة عضوية ومباشرة، فعدد من ضباط الحرس الثوري الإيراني يحضرون بانتظام اجتماعات المجلس الجهادي لحزب الله، ولهم أدوار قيادية وتقريرية.
ومن المعلوم أنّ الحرس الثوري الإيراني هو من درّب الكوادر المؤسسة لحزب الله في مطلع الثمانينيات، ولم ينقطع دوره منذ ذلك الحين.
وتشير المعطيات إلى دور ميداني يؤديه ضباط الحرس الثوري داخل الحزب، بدليل أنّ إطلاق الصواريخ الستة الذي أشعل حرب الإسناد الثانية جاء على غفلة من المسؤولين السياسيين والإعلاميين في حزب الله؛ إذ لم يُبلَّغوا بأمر العمليات الإيراني الذي استدعى تدخل عناصر الحرس الثوري بأنفسهم قبل إعلام القيادات السياسية والإعلامية بفتح الجبهة.
وجرى تسهيل إقامة هؤلاء في عهد المدير العام السابق للأمن العام اللبناني عباس إبراهيم، الذي منح جوازات سفر تعود إلى لبنانيين متوفين في حروب حزب الله في سوريا إلى ضباط من الحرس الثوري في لبنان. ويُذكر أنّ عددًا من هؤلاء الضباط الإيرانيين كان عرضة لاستهدافات إسرائيلية في شقق سكنية وفنادق في بيروت.
كيف استثمر الحزب في قطاع التعليم في الجنوب اللبناني، وما أثر ذلك على تشكيل الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة؟
ـ تتركز معظم مدارس المهدي والمصطفى في الجنوب اللبناني، إضافة إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. ونتحدث هنا عن آلاف الأطفال في عشرات المدارس في مراحل التعليم العام وفي الأندية الكشفية.
ويتلقّى هؤلاء تربية تقوم على عقيدة ولاية الفقيه، ويفتقد كثير منهم لعناصر الثقافة الوطنية؛ فقد لا يتعرّفون إلى صورة رئيس بلادهم أو علمها، وقد لا يحفظون نشيدها الوطني، لكنّهم يرددون أناشيد مثل "سلام يا مهدي" ودعاء الحجة.
وهناك أيضًا الحوزات الدينية التي أنشأها حزب الله لتخريج رجال دين يدينون بعقيدته وولائه، إضافة إلى ربط عدد من رجال الدين عبر مساعدات مالية وعينية تقدّمها الجمهورية الإسلامية لهم.
كيف تم توظيف الاقتصاد المحلي في الجنوب اللبناني لتعزيز نفوذ حزب الله؟
ـ أنشأ حزب الله شبكة واسعة من المؤسسات والجمعيات والمنظمات، نتج عنها اقتصاد موازٍ للاقتصاد الشرعي.
ومن أبرز هذه المؤسسات جمعية مؤسسة القرض الحسن، التي لا تُعدّ جمعية خيرية بحتة كما تعلن، ولا مؤسسة مالية مدرجة ضمن السجلات الرسمية للمؤسسات المالية في الدولة اللبنانية.
وفي هذه المنطقة الرمادية المقصودة، تعمل هذه المؤسسة على الإقراض مقابل رهن المعادن الثمينة، متجنبة قوانين المصارف والرقابة المالية للدولة. وهي تغذي أنشطة حزب الله المالية وتغطيها عبر رهونات الذهب.
وتوجد تعاونيات للسلع الغذائية تابعة للحزب، إضافة إلى جمعيات ومنظمات تعمل كواجهات لأنشطة تمويله.
بتقديرك، كيف ستؤثر الحرب الدائرة حاليًا على واقع ومستقبل النظام الإيراني؟
ـ أعتقد أنّ الحرب الدائرة حاليًا هي حرب لتحديد معالم المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط وإعادة تشكيله على إيقاع السلام والاستقرار. وفي هذه الظروف يفقد النظام الإيراني مبرر وجوده؛ لذلك أتوقع إمّا استسلام النظام الإيراني، وإمّا استبداله على خلفية الضربات العسكرية التي يتلقاها.
وبالتالي، كيف سيكون ذلك محددًا لمستقبل الوكلاء، ولا سيّما حزب الله في لبنان؟
ـ في حال استسلام النظام الإيراني أو استبداله، سيؤدي ذلك إلى قطع شريان الدعم عن أذرعه العسكرية في المنطقة، ومنها حزب الله في لبنان، ممّا يعني تراجع أدوارها، وقد يؤدي إلى انتهائها.
إلى أيّ حد يمكن وصف مساحات المعارضة لمشروع الحزب داخل البيئة الشيعية نفسها؟
ـ المعارضة الشيعية لمشروع حزب الله تمثل ما يمكن وصفه بالأكثرية الصامتة من الناس الذين نزحوا أو خسروا بيوتهم وأرزاقهم.
لكنّ تحول غضبهم إلى وعي سياسي يتطلب تأطيرًا ودعمًا لوجستيًا وظروفًا ملائمة لتوسيع تأثير الجمعيات والحركات السياسية المناهضة للحزب داخل البيئة الشيعية.
وما يزال نبيه بري في تبعيته لمشروع حزب الله، وهو ما يمنع حتى الآن انفكاك القاعدة الشيعية عن الحزب.
كيف يمكن إعادة دمج الجنوب اللبناني اقتصاديًا وسياسيًا داخل بنية الدولة؟
ـ قد نكون مقبلين على تغيرات كبيرة نتيجة هذه الحرب، لكنّ معالم هذه التغيرات لم تتضح بعد، فقد أصبح الجنوب اللبناني إلى حد كبير أرضًا محروقة وخالية من سكانها.
وقد يصل التوغل الإسرائيلي البري إلى حدود نهر الليطاني قرب مدينة صور أو نهر الزهراني قرب مدينة صيدا. ونتيجة لذلك نشأت أزمة نزوح تقترب من ربع سكان لبنان، وقد لا تكون عودتهم ميسّرة بسبب تدمير المنازل والبنية التحتية وشبكات الخدمات والجسور.
وهناك حديث عن إنشاء منطقة تجارية ومنطقة استثمارية ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة للسلام، لكنّ الأمور ما تزال في إطار الغموض، وما تزال الحرب مستمرة، كما أنّ تطوراتها مرتبطة أيضًا بمآلات الحملة العسكرية على إيران ومستقبل النظام هناك.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)