خطبة الجمعة... بين الانصراف المادي والمعنوي عنها

خطبة الجمعة... بين الانصراف المادي والمعنوي عنها

خطبة الجمعة... بين الانصراف المادي والمعنوي عنها


10/09/2025

الخطاب المنبري هو أحد صور الخطاب الديني المتنوعة التي تتعدد وتختلف بتعدد الفاعلين، وخطبة الجمعة أحد أهم الشعائر الدينية التي عرفها المسلمون منذ عصر النبوة، وهي طقس أسبوعي يحرص عليه الغالبية من المسلمين على اختلاف درجة تدينهم، وهي مصدر أساسي للمعرفة الدينية وفي تشكيل رأس المال الديني في المجتمع.

لكنّ العديد من العيوب تصيب هذا الخطاب، وتقلل من آثاره، بل ربما تُسهم في إنتاج آثار سلبية، ومع الوقت، وبجانب عدد من المتغيرات الأخرى، بات هناك نوع من التململ من هذا الخطاب، والانصراف عنه بشكل أو بآخر، وإبداء بعض أوجه النقد تجاهه. فما أبرز العيوب، ولماذا ينصرف البعض عن خطبة الجمعة ماديًا أو معنويًا؟

الجمعة... أكثر من مجرد وعظ 

فُرضت صلاة الجمعة على المسلمين في السنة الأولى من الهجرة النبوية، وكان الهدف منها ليس الصلاة فحسب، ولكنّها أداة تعمل على تجميع المسلمين وإحداث نوع من التعارف والألفة بينهم، وتزيد من الروابط الاجتماعية والتماسك بين أفراد المجتمع، وهي مصدر مهم لتلقي المعرفة الدينية وتشكيل الوعي ونقل الأفكار الدينية السائدة في المجتمع إلى الأفراد كمصدر للتنشئة الاجتماعية وأداة للتذكير بالتعاليم الدينية وترسيخ الأخلاق، والحفاظ على الرابط الذي يربط بين المسلمين ودينهم.

والخطابة بشكل عام أداة مهمة للتأثير في الجمهور، وهي أداة لمخاطبة العاطفة بشكل أساسي، حيث تعمل على إثارة المشاعر وتحريك القلوب، وهي قادرة على توجيه الجمهور وتحريكه في اتجاهات ومسارات مختلفة، لذا تأتي أهمية خطبة الجمعة كإحدى صور الخطابة، ولم يقتصر دور خطبة الجمعة، خلال المراحل التاريخية المختلفة، على الوعظ الديني فحسب، لكن كانت لها أدوار ووظائف متعددة، وكانت أداة للتوظيف السياسي في أغلب الأوقات، فقديمًا كانت خطبة الجمعة بمثابة إعلام رسمي للدولة، يتم من خلالها التأكيد على شرعية الحاكم في صورة الدعاء له على المنبر بشكل ثابت، وكان يتم من خلالها إيصال رسائل سياسية معينة أو توجيهات من الحاكم، وقد أعلن أبو بكر الصديق رؤيته للحكم من خلالها حين قال: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته، فلا طاعة لي عليكم"، وعن طريقها كان يتم الإعلان عن الحروب والحشد لها.

فُرضت صلاة الجمعة على المسلمين في السنة الأولى من الهجرة النبوية، وكان الهدف منها ليس الصلاة فحسب، ولكنّها أداة تعمل على تجميع المسلمين وإحداث نوع من التعارف والألفة بينهم

وفي العصر الحديث كان الدين من أهمّ الأدوات التي تستخدمها السلطة من أجل اكتساب الشرعية والحصول على التأييد الشعبي، وتبرير العديد من السياسات المختلفة، والتخفيف من آثار الأزمات الناتجة عن سوء الإدارة، وقد كانت خطبة الجمعة في العهد الناصري من بين الأدوات التي يتم توظيفها من جانب السلطة السياسية، حيث تم استخدامها كأداة لتشكيل الوعي تجاه العديد من القضايا، فمن خلالها كان يتم شرح المفاهيم الاشتراكية وتقديمها للناس وتوضيح مدى توافقها مع الإسلام ومع مبادئه ومقاصده، وكذلك الترويج لفكرة القومية العربية وأهميتها، والتحريض ضد الاستعمار وضرورة التخلص منه، وقد وقف عبد الناصر خطيبًا على منبر الجامع الأزهر بعد العداون الثلاثي في العام 1956 مهاجمًا الاستعمار ومعلنًا استمرار المقاومة، ومن خلالها كانت تتمّ مواجهة الإسلام السياسي، ممثلًا في جماعة الإخوان، وتوضيح بعض المغالطات في أفكارها وضررها على الدولة. ووفقًا للدكتور رفعت سيد أحمد في مقالة له حول عبد الناصر والمؤسسات الدينية التي أنشأها، فإنّ اهتمام الدولة بإنشاء المساجد قد ازداد بعد ثورة (يوليو)، وبلغ عدد المساجد التي بُنيت بعد الثورة (1500) مسجد، وكان يتم إرسال نماذج للخطب إلى أئمة المساجد من خلال وزارة الأوقاف، في إطار الإشراف الفكري على دور العبادة بحكم تأثيرها المباشر على قطاعات عريضة من المواطنين.

وفي مرحلة حكم السادات ازداد التوظيف السياسي للدين، سواء من جانب النظام الحاكم الذي عمل على تأسيس شرعيته، في جانب منها، على الدين، أو من جانب التيار الديني، بمكوناته المختلفة، الذي وظف المساجد والخطب الدينية من أجل نشر نمط التدين الخاص به وزيادة تأثيره في المجتمع، ووظفه كذلك كأداة للمعارضة السياسية ومهاجمة النظام في العديد من سياساته. وقد استمر التوظيف السياسي للدين واستخدام خطبة الجمعة حتى ثورة كانون الثاني (يناير) وبعدها من جانب التيار الديني، حتى اتخذت الدولة بعد 2013 العديد من الإجراءات التي تهدف إلى ضبط المجال الديني ومواجهة تمدد التيار الإسلامي المسيطر على العديد من المساجد آنذاك. ومن الأدوات التي استخدمتها الدولة في هذه المرحلة خطبة الجمعة، وفعّلت الخطبة الموحدة حتى لا يتم الخروج عن الإطار بالشكل الذي يُسهم في تمدد الأفكار السلفية والإخوانية ويمثل تهديدًا للدولة.

لماذا ينصرف الناس عن الخطبة؟

العديد من العيوب ومواطن القصور التي توجد في خطبة الجمعة رتبت آثارًا سلبية، وأدت إلى انصراف الناس عنها، سواء كان انصرافًا ماديًا بعدم الحضور أو الحضور بشكل متقطع، أو انصرافًا معنويًا بعدم الانتباه لما يُقال ومرورها دون تأثير، الأمر الذي أصبحت معه الخطبة مجرد طقس ثابت أو عمل روتيني يتم أداؤه دون أثر على واقع الناس وحياتهم، ولذلك نجد المفارقة وهي وجود كمّ كبير من مظاهر الفساد في المجتمع وتراجع الأخلاق، على الرغم من هذا الخطاب الأسبوعي الذي لا يكفّ عن التذكير بالآخرة والحث على الأخلاق! 

ومن أبرز العيوب التي تصيب خطبة الجمعة أنّها تتسم بالنمطية والتكرار، فقد أصبحت خطبة الجمعة، سواء قبل توحيدها من جانب وزارة الأوقاف أو بعدها، تتصف بالرتابة والملل، ولا يوجد، في الغالب، أيّ صورة من صور التجديد لا في مضمون الخطبة ولا في زاوية التناول ولا في أداء الخطيب، فالموضوعات نفسها التي يتم تناولها منذ سنوات طويلة لا تتغير، والنصوص والروايات الدينية نفسها يتم ترديدها بالطريقة نفسها وبالأداء ذاته، حتى أصبح ذهن المتلقي وانتباهه منصرفًا بشكل لا إرادي عمّا يقوله الخطيب. وحتى مع تطبيق فكرة الخطبة الموحدة فإنّ الأمر قد ازداد سوءًا، لأنّ الخطيب، في الغالب، بدأ يعتمد على الخطبة المعدة من جانب الوزارة، وإلقاء الأفكار الرئيسية الواردة فيها دون أيّ قدر من الإبداع، ودون إعداد من جانبه لطريقة تناولها أو إضافة بعض التفاصيل، وفي هذا السياق كتب أحد الأفراد على وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي نقدًا للخطبة ولأداء الأئمة يقول: "ليه خطبة الجمعة مش مؤثرة؟  ليه بتدخل الخطبة زي ما بتخرج مفيش تغيير؟ السبب هو أسلوب الخطيب غير الواقعي ومواضيع الخطبة، فأسلوب معظم الخطباء والشيوخ في خطبة الجمعة مش مؤثر ولا جذاب خالص، هو إمّا أسلوب كلامه بطيء جدًا، وإمّا بيعلّي صوته جدًا لدرجة الإزعاج في الجامع نفسه أو في الشوارع، تحسّ إنّه الخطيب بيزعق جامد عشان تتأثر بالعافية، وده تأثيره سلبي على المسلمين وغير المسلمين، تعال نفترض إنّه فيه شخص غير مسلم كان ماشي جنب الجامع وقت الخطبة وسمع الخطبة، هل تفتكر بأيّ حال من الأحوال أنّه هيكون عنده فضول يبحث عن دين الإسلام، ولّا كل يلّي هيفكر فيه أنّه يبعد بسرعة عن الجامع عشان صوت الزعيق ده؟".

من عيوب الخطبة النزعة الماضوية التي تتسم بها، ويشير إلى هذه السمة الدكتور أحمد زايد حيث يرى من خلال الدراسة الميدانية وتحليل مجموعة من الخطب المنبرية أنّها تميل إلى التركيز على موضوعات لا تتصل بحياة الناس وهمومهم أو أسلوب تحسينها للأفضل

ومن عيوب الخطبة أنّها تبتعد بشكل كبير عن واقع الناس وعن المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع، وتنحصر في موضوعات معينة لا تخرج عنها إلا قليلًا، وهذا الانعزال للخطاب الديني عن أزمات المجتمع ومشكلاته ينتج حاجزًا بينه وبين الناس، ويجعلهم ينصرفون عنه ولا يتأثرون به بشكل كبير. يقول شخص آخر حول هذا الموضوع:  معظم أو كل خطب الجمعة مكررة جدًا، الخطبة غالبًا ما بتكون عن الصلاة والصوم والمواسم الدينية وبديهات الإسلام (ودا شيء ضروري طبعًا)، لكن ليه مفيش طرح لمشاكل الناس الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأحداث يلّي بتحصل في حياة المسلمين، هي ليه الخطبة بقت كدا منفصلة عن واقع المسلمين الحالي، الموضوعات يلّي كنت بسمعها وأنا عندي 7 سنين لسّه بسمعها دلوقت وأنا داخل على 21 سنة! يا جماعة، الدين الاسلامي دين واقعي وعملي جدًا، فأكيد مينفعش دا يبقى شكل خطبة الجمعة".

أيضًا من عيوب الخطبة النزعة الماضوية التي تتسم بها، ويشير إلى هذه السمة الدكتور أحمد زايد في كتابه "صوت الإمام"، ويرى من خلال الدراسة الميدانية وتحليل مجموعة من الخطب المنبرية أنّها تميل إلى التركيز على موضوعات لا تتصل بحياة الناس وهمومهم أو أسلوب تحسينها للأفضل، وتهتم أكثر بالنصوص الخاصة بالعبادات، وتعمل على حشد الاستشهادات التاريخية التي تصور الماضي على أنّه أفضل من الحاضر، وتدفع المتلقي إلى أن ينظر إلى الماضي نظرة تقديس وإجلال، وإلى الحاضر نظرة سخط وازدراء، ويؤدي هذا الخطاب إلى مزيد من التجافي مع الواقع وهجره، والارتماء في أحضان الماضي لاستعادته في عملية تشكيل المستقبل، ويترتب على ذلك ضعف العلاقة بين الفرد وبين واقعه، بل إنّ الواقع يصبح عبئًا لا يُطاق. ويتسم الخطاب المنبري بأنّه يغلب عليه الطابع الأخروي، ويركز على الموضوعات المتعلقة بالآخرة ويُحذّر في الوقت ذاته من الدنيا والاهتمام أو التعلق بها، ممّا يزيد من تلك الفجوة أو الجفاء بين الفرد وواقعه، ويجعله غير مهتم بقضايا التنمية، وما يُسهم في تحسين أحوال الحياة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية