حساسية المرحلة ترجئ المواجهة بين سعيد والنهضة

حساسية المرحلة ترجئ المواجهة بين سعيد والنهضة

مشاهدة

14/05/2020

صغير الحيدري

فاقمت تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد التي انتقد فيها أداء البرلمان من منسوب التوتر بينه وبين رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي، ما يعمق الخلافات بين رأسي السلطة، في وقت تدعو فيه أطراف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية في البلاد.

ويشكل توتر العلاقة بين سعيد والحركة الإسلامية مدعاة للتساؤل عن مآلات هذه التجاذبات، لاسيما بعد مهاجمة نواب عن النهضة وحلفائها للرئيس وصلت حد تهديده بسحب الثقة منه عبر عريضة برلمانية وهو ما وصفه مراقبون بهجوم مضاد.

وبالرغم من أن سعيد يمتلك قاعدة شعبية عريضة إلا أن التوجس من أن تستنسخ حركة النهضة سيناريو مواجهتها مع الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي تبقى فرضية ممكنة تقض مضجع أنصار سعيد المتحمسين لإصلاحات طال انتظارها.

ويرى مراقبون في دعوة سعيّد لرئيس البرلمان ورئيس الحكومة لاجتماع على مادة إفطار مسعى لتثبيت “هدنة وقتية” مع الحركة الإسلامية، في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة لا تتحمل الانفلات السياسي.

ويُجمع مراقبون على أن سعيد سيحاول تفادي الصراع المباشر مع الحركة الإسلامية إلى حين بالرغم من الانتقادات التي باتت تطاله هو نفسه بسبب اصطفافات الإسلاميين الإقليمية وحتى الدولية وصمته عن ذلك.

وتزامنت خلافات سعيد مع النهضة مع ظهور بوادر تفكك التحالف الحكومي الذي يجمع الحركة الإسلامية بحزب حركة الشعب (قومي) والتيار الديمقراطي (يسار اجتماعي) وتحيا تونس (ليبرالي).

وبات التقاذف بالتهم بين قيادات من الصف الأول في النهضة وحركة الشعب ينبئ ببداية انفراط عقد هذا التحالف الهش. وهذا التفكك وإن بدا للبعض بعيدا عن حسابات معركة سعيد والنهضة إلا أنه يعد صلب هذه المواجهة حيث يعقد الإسلاميون العزم على الإطاحة بحكومة إلياس الفخفاخ وبناء تحالفات جديدة ستشمل حزب قلب تونس (وسطي) وائتلاف الكرامة (إسلامي).

وتشير تصريحات لقيادات بارزة في النهضة إلى ضرورة توسيع الحزام الحكومي الحالي ليشمل قلب تونس والتمهيد لوحدة وطنية يرفضها الفخفاخ في الظرف الراهن.

والاثنين، وجه سعيد انتقادات للطبقة السياسية وعلى رأسها البرلمان مبديا إزعاجه من محاولات لتعديل نظامه الداخلي.

وقال سعيد من ولاية قبلي (جنوب) “هؤلاء (النواب) يقومون بخرق جسيم للقانون يجسد مرضا سياسيا ودستوريا”، مؤكدا أنه “لو كان النائب مسؤولا أمام ناخبيه لكان بإمكانه سحب الثقة دون الحاجة إلى هذا الخرق”. وجاء الردّ سريعا من نواب إسلاميين على تصريحات الرئيس على غرار النائب عن النهضة سيد الفرجاني.

وقال الفرجاني في تدوينة نشرها على فيسبوك  “رئيس الجمهورية رجاء توقف عن تحريضك المتواصل من الجنوب على البرلمان”.

ويبدو أن تعويل حركة النهضة على الرجل الغامض داخلها سيد فرجاني لمهاجمة الرئيس كانت خطوة محسوبة من الغنوشي الذي يدرك تماما أن لسعيد حساباته السياسية بعيدا عن تحركات الشارع التي قد لا تخدم أحدا في تونس، غير أنها قد تهدد المسار الانتقالي برمته.

ويرى متابعون أن اتهامات الفرجاني كانت تهدف لترهيب الرئيس ولفت انتباهه ليضع في حسبانه الأوراق التي تمتلكها الحركة والتي تعد الحكومة أبرزها حيث باستطاعة النهضة إلى جانب قلب تونس وائتلاف الكرامة الإطاحة بها.

وحتى إن لم تذهب النهضة في هذا المسار لأسباب مُعلنة وأخرى غير معلنة فإنها ستلجأ لإرغام رجل القصبة (مقر الحكومة) على ضرورة توسيع الحزام الحكومي وبالتالي إشراك قلب تونس الذي لا يُمانع خيارات الحركة بل صوت لصالح رئاسة زعيمها للبرلمان.

وبذلك قد تتخلص الحركة من حزبي حركة الشعب، شديد الانتقاد لها، والتيار الديمقراطي ويصبح الفخفاخ يأتمر بأوامر النهضة ليبعد بذلك عن توجهات سعيد.

وبعد مهاجمته من قبل سيد فرجاني ونجاح النهضة في إحداث شبه إجماع داخل البرلمان على “إدانة” تصريحاته تلقف سعيد هذه الإشارات التي قد تنذر باحتدام معركة يصعب التكهن بنتائجها خاصة في حال التعويل على “الأنصار” فقط، حيث استدعى الأخير رئيسي البرلمان والحكومة لمأدبة فطور الأربعاء، في مسعى لتهدئة الأوضاع وامتصاص حدة التوتر.

ورجحت أوساط تونسية أن هناك أطرافا دولية تدخلت بوساطة في هذا الصدد لوضع حد للتصعيد الحاصل بين سعيد والحركة الإسلامية في تونس.

وهذه الخلافات ليست وليدة اللحظة حيث سعى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الإسهام في التوصل إلى تفاهمات بين سعيد والغنوشي في زيارته إلى تونس في وقت سابق.

وقالت مصادر آنذاك إن هذه المساعي باءت بالفشل وهو ما جعل سعيد، الذي يرتكز على صورته لدى العامة بأنه شخص يعمل بعيدا عن اللوبيات بعد أن استأنف الأخير مهاجمته للحركة ولو ضمنيا.

ويعي الرئيس التونسي أن تحريك الشارع للضغط على البرلمان يعدّ محفوفا بمخاطر جسام، فهو يدرك أن هناك أطرافا تترصد شرعيته كما شرعية البرلمان وهو ما قد يعد “انقلابا”.

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية