"حزب الله" ونفط إيران وشركاتها: الحلقة الأخيرة من بسط النّفوذ

"حزب الله" ونفط إيران وشركاتها: الحلقة الأخيرة من بسط النّفوذ

مشاهدة

25/08/2021

سابين عويس

هل كل ما يحدث في لبنان منذ أقل من عامين، وبصورة دراماتيكية منذ بضعة أسابيع، على صعيد تفجر الأزمات الواحدة تلو الأخرى، هو فعلاً نتيجة سياسات الإهمال والفساد المتراكمة على مدى العقود، كما يحلو للمنظومة السياسية المتحكمة بالبلاد أن تقول، أم هو نتاج جهود وعمل دؤوب تم التحضير له بعناية ودقة فائقتين، بحيث جاءت النتائج بسرعة قياسية تفوق الوقت المبرمج لهذا المخطط؟ هو السؤال الذي يشغل بعض الأوساط السياسية اللبنانية المراقبة بقلق بالغ مسار التطورات الدراماتيكية التي دفعت بالبلاد الى قعر هاوية الإفلاس المالي والاقتصادي والانفجار الاجتماعي، فيما بدأت ملامح المشروع السياسي والاقتصادي لـ"حزب الله" تتبلور أكثر فأكثر على الساحة الداخلية.

فالحزب يمثل اليوم الفريق القوي الوحيد القادر على تغيير المشهد، أو على فرض المعادلات والحلول التي وإن كانت تستفز خصومه، ولكنها ترضي في شكل واسع بيئته وجمهوره، والحلفاء. في الموازاة، تبدو الساحة خالية للحزب في ظل حال التخبط والضياع التي تعيشها مؤسسات الدولة، بفعل عدم وجود سلطة تنفيذية فاعلة، قادرة على اتخاذ القرارات وإدارة الأزمات المتتالية. 

الأكيد أن ما يشهده لبنان ليس صدفة، أو نتيجة تراكمات سياسات ماضية، بل هو نتاج عملية استئصال للنموذج التقليدي الذي أبدع فيه البلد على مدى عقود طويلة، تمهيداً لانتزاع الدور والموقع اللذين اضطلع بهما في محيطه ومع الغرب. 

ولأن عملية الاستئصال لا يمكن أن تتم "على البارد"، كان لا بد من حرب وقع الخيار على أن تكون حرباً اقتصادية - تجويعية، تودي باللبنانيين الى التنازل والقبول بأي مشروع أو تسوية تبعد شبح الحرب والجوع والفقر، خصوصاً بعدما اعتاد هؤلاء في العقدين الأخيرين على نمط حياة يفوق القدرات المالية والشرائية للغالبية القصوى منهم.

ما بدأ مع إطلالات سابقة للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، على شكل إيحاءات وأفكار، تحوّل في ما بعد اقتراحات لم تكن في حينها قابلة للنقاش، لأن الأزمة لم تكن قد ضربت بكامل قوتها بعد. أما اليوم، فما كان مرفوضاً النقاش فيه نظراً الى ما يرتّبه على علاقات لبنان العربية والدولية في محيطه ومع أصدقائه، أو ما ينتج منه من عقوبات دولية، بات اليوم الملاذ لشريحة كبيرة من اللبنانيين من جمهور الحزب وحلفائه. إنه النفط الإيراني الآتي بحراً بالبواخر لدعم اللبنانيين للخروج من أزمة البنزين والمازوت!

رغم كل ما قيل عن البواخر الإيرانية، لا تزال آليات الدخول والتفريغ والدفع والتوزيع غير واضحة انطلاقاً من الأسئلة الآتية: أين ستُفرغ البواخر حمولتها؟ هل ستكون حصراً مخصصة للبنان أم أن سوريا التي تعاني بدورها أزمة ارتفاع في أسعار المحروقات ستستفيد؟ من سيدفع ثمن البضاعة المحملة، الحزب أم الدولة؟ خصوصاً أن السيد كان قد أعلن أن المفاوضات مع الجانب الإيراني أدت الى موافقة الأخير على أن يكون التسديد بالليرة اللبنانية من أجل منع استنزاف الاحتياطات بالدولار لدى المصرف المركزي. وإذا أفرغت البواخر حمولتها في مرفأ بيروت، هل سيعرّض ذلك لبنان للعقوبات طبقاً لقانون قيصر الأميركي، وهل أخذ الحزب هذا الأمر في الاعتبار؟ وماذا سيكون موقف مؤسسات الدولة المعنية إذا حصل الاستيراد مباشرة من طهران الى الحزب من دون مناقصات أو ترخيص أو أذونات؟ 

هي أسئلة مشروعة وأجوبتها واضحة، انطلاقاً من التصريحات التي أدلى بها نصر الله في هذا الشأن أو وزير الطاقة اللبناني. فالأخير كشف أن وزارة الطاقة لم تتلق أي طلب إجازة من أي جهة رسمية أو خاصة لاستيراد النفط من إيران، ما يرفع الغطاء الرسمي عن عملية الاستيراد ويخرق الحصرية التي تتمتع بها الدولة في عمليات الاستيراد لحساب الشركات المرخصة. من جهته، أكد نصر الله أن حزبه هو من يستورد وهو من سيدفع وبالليرة، ومن دون المرور بالدولة تفادياً للعقوبات. 

ولكن، وقبل أن تصل أولى البواخر، فجّر نصر الله قنبلة مدوّية من العيار الثقيل، عندما كشف عن جاهزية حزبه "إذا أتى الوقت وليس هناك شركات تريد الحفر لاستخراج النفط والغاز من المياه الإقليمية، للاستعانة بشركة إيرانية لديها خبرة كبيرة والجرأة ولا تخاف من العقوبات الأميركية". هذا الطرح الذي بدأ إيحاءً أو فكرة تماماً كما طرح استقدام النفط، سيتطور حتماً الى اقتراح فمشروع، خصوصاً إذا ما تم الأخذ في الاعتبار الكباش الحاصل اليوم على وزارة الطاقة في التشكيلة الحكومية المرتقبة، حيث يصرّ فريق العهد على أن تبقى ضمن حصته.  

في الأوساط السياسية المراقبة قلق كبير حيال ما سيحمله هذا المشروع، بقطع النظر عن مشروعيته أو عدمها، بسبب العقوبات المفروضة على إيران، على لبنان الذي استكمل انزلاقه الكامل في المشروع الإيراني، وسط غياب واضح للمحيط العربي الراعي الأول والأساسي للبنان. ما يطرح تساؤلات عما إذا كان الصمت العربي بمثابة غض طرف أو قبول ضمني بالمصير الجديد للبلد الذي فقد كل مقوّمات صموده المالية والاقتصادية، كما فقد دوره ونموذجه السياسي للتعايش والعيش المشترك والانفتاح ونظامه الاقتصادي الليبرالي والخدماتي، بعدما سقطت قطاعاته المصرفية والصحية والاستشفائية والتعليمية والطبية والخدماتية والسياحية تحت وطأة الانهيار، وآخر السقطات تجلّت في قطاع المحروقات ومنه قطاع النفط، والمعلوم أن لبنان يسبح على ثروة نفطية ضخمة، بات معروفاً من يملك مفاتيح استخراجها!

عن "النهار العربي"

الصفحة الرئيسية