جزر المالديف.. كيف استوطن التطرف جنّة الأرخبيل الهندي؟

جزر المالديف.. كيف استوطن التطرف جنّة الأرخبيل الهندي؟


05/07/2022

ربما لم يَدُرْ بخَلَد أحد، أن تصبح جزر المالديف بمنتجعاتها الخلّابة، وشهرتها العالمية الواسعة، التي منحتها لقب جنة أرخبيل جنوب غرب الهند، هدفاً لضربات الجماعات الإرهابية، ومركزاً للتخطيط وتوجيه أعمال العنف إلى مناطق متفرقة من العالم.

وجزر المالديف دولة ذات أغلبية مسلمة، يتبع غالبية مواطنيها المذهب السني، ومعظم أهالي المالديف معتدلون في ممارساتهم الدينيّة، وعلى الرغم من أنّ الدين الإسلامي يُدرّس كمادة أساسيّة في المدارس، ومعظم الشركات تغلق خمس مرات في اليوم للصلاة، إلا أنّ الإسلام ظلّ إلى حد ما، بمثابة دليل ثقافي، أكثر من كونه ممارسة فعلية، فعلى الرغم من الهوية الإسلامية للأمة، يسافر ملايين الأجانب إلى الأرخبيل كل عام، ما أدى إلى ارتفاع نشاط قطاع السياحة الصاخب الذي جعل جزر المالديف ذات أعلى ناتج محلي إجمالي في منطقة جنوب آسيا.

تحولات حادة في أنماط التديّن

يمكن رصد جملة من التحولات التي جرت في أنماط التدين الخاصّة بشعب المالديف، وخاصّة لدى شريحة من الذين تأثروا بحركة إرسال الطلاب المالديفيين إلى الخارج، للدراسة في المدارس الوهابية في باكستان والمملكة العربية السعودية، حيث قام هؤلاء في أعقاب عودتهم بتصدير الأيديولوجيا المتشددة إلى البلاد.

ويعود الفضل الأكبر في تكريس التشدّد إلى الرئيس السابق مأمون عبد القيوم، الذي تولى الرئاسة من العام 1978 حتى العام 2008، ففي العام 1994، سنّت حكومة عبد القيوم قانون حماية الوحدة الدينيّة، الذي فرض الإسلام السنّي على جزر المالديف، ومنع ممارسة الأديان والمذاهب الأخرى، وفي العام 1997، عدّل عبد القيوم دستور البلاد؛ لتعزيز وضعية الإسلام؛ باعتباره الدين الوحيد الذي يمكن ممارسته علناً، في حين مُنع الأفراد الذين يعتنقون ديانات أخرى من ممارسة عقيدتهم في الأماكن العامة.

جزر المالديف دولة ذات أغلبية مسلمة، يتبع غالبية مواطنيها المذهب السني

ومع أول انتخابات رئاسيّة ديمقراطيّة، مرت البلاد بفترة من التحول الديمقراطي، فبعد تولّيه منصبه في العام 2008، سمح الرئيس، محمد نشيد، بممارسة الحريات بلا قيود، وهنا استغلت تنظيمات الإسلام السياسي الفرصة، تحت غطاء حرية التعبير، وسرعان ما انتشر خطاب التطرف من خلال المكتبات العامة، التي ظهرت فيها كتب سيد قطب وحسن البنا، وكذا المساجد والتجمعات العامة والإذاعة.

علاوة على ذلك، تم منح الأئمة والنشطاء الوهابيين فرصة أكبر للتأثير على سياسة الدولة والمجتمع المدني. بل ودخل الحزب الديمقراطي المالديفي الحاكم، الذي ينتمي إليه نشيد، في تحالف سياسي مع الحزب الديموقراطي الإسلامي IDP))، الذي تولى في النهاية مسؤولية وزارة الشؤون الإسلامية، وبحسب تقرير مركز مكافحة الإرهاب، بالمؤسسة الأوروبية لدراسات جنوب آسيا، فإنّ وزارة الشؤون الإسلامية آنذاك، شجعت بشكل غير مباشر على انتشار التشدد، وشرعت في تدشين حملات قمع ضد وسائل الإعلام الليبرالية، بداعي حماية الوحدة الدينيّة للمجتمع.

 

يمكن رصد جملة من التحولات التي جرت في أنماط التديّن الخاصّة بشعب المالديف، وخاصّة لدى شريحة من الذين تأثروا بحركة إرسال الطلاب المالديفيين إلى الخارج، للدراسة في المدارس الوهابية

 

 بعد فترة رئاسة نشيد، تم انتخاب عبد الله يمين، الأخ غير الشقيق للرئيس السابق عبد القيوم، في العام 2013، وشغل هذا المنصب حتى العام 2018، فأعاد سيرة شقيقه، وسعى إلى بناء نظام استبدادي يقوده الإسلاميون المتشددون، وطور علاقات بلاده مع المؤسسات الوهابية خاصّة في باكستان، وأدّى التقارب الوثيق مع الجماعات الأصولية، إلى إضفاء الطابع المؤسسي على ممارسات الإسلام المتشدّد، ما أدى إلى انتهاج سياسات قمعية تجاه المعارضين الليبراليين ومؤيدي الحريات المدنية.

في العام 2018، تم استبدال، يمين، بشكل مفاجئ، بإبراهيم محمد صليح، الذي تعهد بمعالجة الفساد المستشري، ومحاربة تصاعد المشاعر المتطرفة بين الجماهير، والتعامل مع التهديد الذي تمثله عودة المالديفيين الذين قاتلوا ضمن صفوف داعش، في سوريا والعراق.

ضربات إرهابية عنيفة

بحسب تقرير الخارجية الأمريكية، الخاص بالعمليات الإرهابية في العام 2020، شهدت جزر المالديف حوادث عنف متفرقة، ففي شباط (فبراير) طعن متطرفون ثلاثة أجانب، صينيان اثنان وأسترالي، في عدة مواقع في هولهوماليه. وتبنى ثلاثة ملثمين المسؤولية عن الحادث، وأعلنوا دعمهم لداعش في مقطع فيديو. وأكد منفذ الهجوم، وهو متطرف يدعى، المستقيم، أنّ "تسمية جزر المالديف بالجنة أصبح وهماً، فمن الآن وصاعداً، الشيء الوحيد الذي سيتذوقه المسافرون الأجانب في جزر المالديف، هو النار". وذلك بحسب تعبيره.

شهدت جزر المالديف حوادث عنف متفرقة

في آذار (مارس) من العام نفسه، أضرمت النيران في زورق سريع تابع للشرطة في لامو أتول، ولم تكن هناك إصابات أو وفيات، ووجهت اتهامات لثلاثة متطرفين؛ بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وفي الشهر التالي، نيسان (أبريل) أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن حادثة حريق متعمد في جزيرة ماهيبادهو، في أليفو دالو أتول، نتج عنه تدمير سيارة إسعاف، وعدة زوارق بحرية. وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية المسؤولية عن الهجوم، عبر نشرته الإخبارية الأسبوعية الناطقة بالعربية، النبأ، زاعماً أنّ القوارب تابعة لـ "حكومة المالديف المرتدة والموالين لها".

 

في السادس من كانون الثاني 2022، ألقت الشرطة المالديفيّة، القبض على هود محمد زاهر، في فيليماله، في عملية أمنية مشتركة، شارك فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي، وعناصر أمنية من دولتين من دول الاتحاد الأوروبي

 

وشهد العام 2021، تحولاً إستراتيجياً في أنشطة الجماعات الإرهابيّة في جزر المالديف، ففي السادس من أيّار (مايو)، انفجرت عبوة ناسفة، خارج منزل الرئيس السابق، محمد نشيد، في العاصمة ماليه، وأصيب نشيد في الهجوم وأربعة آخرون، بينهم بريطاني، وفي اليوم التالي، أفادت الشرطة المالديفية، أنّ الهجوم تمّ عن طريق متطرفين إسلاميين، وأعلنت الشرطة أنّها تمكنت من ضبط ثلاثة من المشتبه بهم، بحلول التاسع من أيّار (مايو). ويُعد محمد نشيد والذي يشغل حالياً منصب رئيس البرلمان، من أشد منتقدي الإسلام السياسي، على الرغم من أنّ البعض يحمله المسؤولية؛ بسبب قيامه أثناء رئاسته، بفتح المجال السياسي أمام الأحزاب والتيارات الإسلاميّة المتشددة.

وبحسب تقارير الشرطة المالديفية، فإنّ الإرهابي محمد ثابت، كان العقل المدبر لمحاولة اغتيال محمد نشيد، كما ثبت ضلوع الإرهابي عبد الله مانيك، الذي سُجن سابقاً لمدة 10 أعوام، بعد ثبوت علاقته بتفجير في جزيرة أليف المرجانية في العام 2007، في المشاركة في التخطيط للهجوم.  

وفي السادس من كانون الثاني (يناير) العام 2022، ألقت الشرطة المالديفية (MPS)، القبض على هود محمد زاهر، في فيليماله، في عملية أمنية مشتركة، شارك فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي، وعناصر أمنية من دولتين من دول الاتحاد الأوروبي. وأفادت الأنباء أنّ زاهر، المشتبه بكونه من كبار عناصر تنظيم داعش، كان يُعد خططاً لشن عمليات نوعية داخل الأراضي الأوروبية، تستهدف كبار القادة والسياسيين.

انفجار حالة التطرف

في يوم 21 حزيران (يونيو) الماضي، شهد الاحتفال باليوم العالمي لليوغا، أعمال عنف هائلة، إثر اقتحام حشد غاضب من المتشددين، ملعب كرة القدم الوطني في العاصمة ماليه، وبحسب تقارير محليّة، نُظمت جلسة اليوغا والتأمل، التي شارك فيها أكثر من 150 شخصاً، بمبادرة من المركز الثقافي الهندي، بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة وتمكين المجتمع، في جزر المالديف؛ بمناسبة اليوم العالمي لليوغا.

وأظهر مقطع فيديو، حشداً غاضباً من الأفراد، الذين اقتحموا الملعب بصورة مفاجآة، وحاولوا مهاجمة الأشخاص الذين كانوا يؤدون تمارين اليوغا، ورفعوا لافتات وشعارات دينيّة، وطالبوا بإلغاء الاحتفالات بيوم اليوغا العالمي، وإخلاء الملعب فوراً من الحضور، بداعي أنّ ممارسة التأمل تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي. وأظهرت مقاطع الفيديو، التي نشرها تلفزيون راجي كيف، قدراً كبيراً من الدمار الذي أحدثه المهاجمون في المكان، حتى أنّهم قاموا بتحطيم أكشاك الطعام المخصّصة للمشاركين، وكذلك اللوحات الإعلانيّة، التي وضعتها وزارة الشباب والرياضة.

في أعقاب الهجوم، تدخلت شرطة جزر المالديف، واستخدمت تكتيكات مكافحة الشغب

في أعقاب الهجوم، تدخلت شرطة جزر المالديف، واستخدمت تكتيكات مكافحة الشغب، بإطلاق الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل، للتعامل مع الحشد الغاضب، وبحسب موقع Fox 5 الإخباري، تمّ اعتقال ستة أشخاص على صلة بالحادث.

ولخطورة الأمر، علّق رئيس جزر المالديف، إبراهيم محمد صليح، على الحادث الإرهابي، الذي كاد أن يتسبب في إزهاق أرواح أبرياء، وكشف أنّه أصدر أمراً بفتح تحقيق فوري، حيث قال في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر: "تم فتح تحقيق من قبل الشرطة المالديفية في الحادث، الذي وقع صباح اليوم في ملعب جالولهو، ويتم التعامل مع هذا الأمر على أنّه مصدر قلق خطير، وسيُعرض المسؤولون عنه على وجه السرعة أمام القانون".

بدورها، أصدرت شرطة جزر المالديف بياناً، بشأن الهجوم، وسلّطت الضوء على إجراء مراجعة داخلية، للوقوف على رد فعل الشرطة، ومدى استعدادها قبل الهجوم، حسبما ذكرت وسائل الإعلام المحلية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية