جابر عصفور.. المعادلة الصعبة للمثقف والمسؤول

جابر عصفور.. المعادلة الصعبة للمثقف والمسؤول

مشاهدة

02/01/2022

في الساعات الأخيرة من العام 2021، فقدت الساحة العربية واحداً من أبرز المفكرين والنقاد الذين أثْروا المشهد الثقافي العربي على الصعيدين؛ الإبداعي والإداري، هو وزير الثقافة المصري الأسبق، الدكتور جابر عصفور، عن عمر يناهز 77 عاماً، بعد وعكة دخل على إثرها العناية الفائقة في أحد مستشفيات القاهرة.

ونعت الأوساط الثقافية المصرية والعربية الراحل، مشيدة بمسيرته الحافلة بالعطاء الثقافي والفكري، مؤكدين أنّ العالم العربي قد خسر أحد أهم رموز الاستنارة ورواد معركة التنوير.

اقرأ أيضاً: كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

وقالت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبد الدايم إنّ "الثقافة المصرية والعربية فقدت أحد أعمدتها الراسخة"، وأضافت أنّ "الراحل وضع بصمات بارزة في مجال التنوير، وحقق الكثير من الإنجازات الخالدة به"، مشيرة إلى "دوره الرائد في البحث الأكاديمي وإدارة المواقع الثقافية التي تولاها".

رغم أنّ آراء عصفور أثارت الكثير من الجدل إلا أنّه حظي بتقدير واسع من تلامذته وقرائه

وجابر عصفور، هو أول وزير ثقافة عقب اندلاع الثورة المصرية العام 2011؛ إذ تولى الحقيبة الوزارية في 31 كانون الثاني (يناير) من العام نفسه، ثم قدم استقالته عقب أيام لأسباب صحية، قبل أن يتولاها مجدداً بين حزيران (يونيو) 2014، وشباط (فبراير) 2015.

ولد عصفور عام 1944 بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة قسم اللغة العربية

وترك المفكر الراحل مسيرة حافلة في التأليف والترجمة والنقد، بعدما خاض معارك عديدة ضد "الفكر الظلامي" على جبهات متعددة، ليصبح بالفعل نموذجاً فريداً للمثقف العضوي، الذي يرفض الانعزال عن الواقع أو التنظير من برج عاجي، منحازاً إلى الاشتباك الحي المباشر مع قضايا أمته.

مسيرة أكاديمية حافلة 

ولد جابر أحمد السيد مصطفى عصفور في 25 آذار (مارس) من العام 1944، بمدينة المحلة الكبرى في محافظة الغربية وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة قسم اللغة العربية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف عام 1965، وفي العام التالي لتخرجه عُيّن معيداً بكلية الآداب.

اقرأ أيضاً: جابر عصفور: مناهج الأزهر سبب الإرهاب

كما حصل المُفكر الراحل على درجة الماجستير من قسم اللغة العربية بكلية آداب جامعة القاهرة بتقدير ممتاز عام 1969، ثم  درجة الدكتوراه من القسم نفسه في جامعة القاهرة أيضاً، بمرتبة الشرف الأولى وذلك في العام 1973، وفقاً لموقع مصراوي.

وشغل الراحل الكثير من المناصب الأكاديمية لدى عدد من الجامعات المصرية والعربية، منها؛ أستاذاً للنقد العربي بكلية الآداب جامعة صنعاء، وأستاذ للنقد الأدبي بكلية الآداب جامعة الكويت.

مفكر تنويري صاحب مسيرة حافلة في التأليف والترجمة والنقد بعدما خاض معارك عديدة ضد الفكر الظلامي

كما وعمل أيضاً في تدريس النقد العربي لدى كبرى الجامعات العالمية، مثل هارفارد، وويسكونسن-ماديسون في الولايات المتحدة، وجامعة ستوكهولم في السويد.

وتُوجت مسيرته الأكاديمية المميزة، في شغله منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، كما أسهمت جهوده في تأسيس المركز القومي للترجمة الذي أصبح مديراً له من 2007 وحتى 2011.

حاز على العديد من الأوسمة والجوائز العلمية منها الوسام الثقافي التونسي ووسام المكافأة الوطنية من درجة قائد من ملك المغرب

ولم يكتفِ الراحل بالجهود الأكاديمية التي كان يبذلها، إذ إنّه انخرط أيضاً بالعمل في المؤسسات المدنية والصحف والمجلات الأدبية، وكان ضمن عضوية المجلس القومي للمرأة ومقرر لجنة الثقافة والإعلام فيه.

وشغل أيضاً عضوية لجنة الآداب والدراسات اللغوية بمكتبة الإسكندرية.

وأسهم أيضاً في النشاط الثقافي العام، بعضويته في الجمعيات الأدبية المصرية، واتحاد الكتاب، والمجلس الأعلى لرعاية الآداب، و سكرتير عام الرابطة المصرية لاتحاد كتاب آسيا وأفريقيا.

اقرأ أيضاً: الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد يرحل قابضاً على قلم وبندقية

وكان عضواً في لجان تحكيم الجوائز القومية: جوائز الدولة التشجيعية، مصر، وجائزة مؤسسة التقدم العلمي، الكويت، وجائزة سلطان العويس، الإمارات.

وشغل مناصب مرموقة في الدوريات الأدبية العربية المتخصصة؛ منها رئيس تحرير مجلة "فصول" المصرية، وعضو هيئة تحرير مجلة "قضايا وشهادات"، وغيرها الكثير. 

 مؤلفات متنوعة

وخلال مسيرته الحافلة قدم جابر عشرات الإنتاجات العلمية والأدبية، منها؛ "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي" العام 1974، و"مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي" 1978، و"المرايا المتجاورة، دراسة في نقد طه حسين" 1983، و"قراءة التراث النقدي" 1991.

شغل أيضاً عضوية لجنة الآداب والدراسات اللغوية بمكتبة الإسكندرية

كما وأخذ الراحل على عاتقه مهمة الدفاع عن التنوير في إنتاجات عديدة منها؛ "التنوير يواجه الظلام" عام 1992، و"محنة التنوير" 1992، و"دفاعاً عن التنوير" 1993، و"هوامش على دفتر التنوير" 1993، و"أنوار العقل"، 1996، وغيرها الكثير.

وكان عصفور من السبّاقين إلى نقد الفكر الظلامي وكشف زيفه بالاشتباك معه بشكل مباشر في إنتاجات نذكر منها؛ "استعادة الماضي" عام 2001، و"مواجهة الإرهاب - قراءة في الأدب الروائي" 2003، و"نقد ثقافة التخلف" 2008.

 

اقرأ أيضاً: محمد المهدي المجذوب.. جنون شاعر وزهد صوفيّ

كما ترجم الكثير من الكتب الأجنبية المهمة منها؛ "عصر البنيوية"، و"الماركسية والنقد الأدبي"، و "النظرية الأدبية المعاصرة"، و"اتجاهات النقد المعاصر، والخيال، الأسلوب، الحداثة".

3 ملامح أساسية

وعاش وزير الثقافة المصرية الأسبق، حياة حافلة، خاض خلالها معارك فكرية عدة، فالبرغم من أنّ آراءه أثارت من الجدل الكثير، كونها وقعت في دائرة الاستقطاب بين الحداثة والمحافظة، فإنّ الرجل حظي بتقدير واسع من تلامذته وقرائه، حتى أنّ البعض وصفه بالحفيد الشرعي لطه حسين، كونه تتلمذ على يد الدكتورة سهير القلماوي تلميذة الدكتور طه حسين.

لكن على الطرف الآخر وجه البعض سهام النقد لبعض منجزات عصفور، ومنهم الناقد الراحل عبد العزيز حمودة أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة.

اقرأ أيضاً: "الأسقف الثائر" يرحل بعدما قاوم الظلم وأبصر جنوب أفريقيا حرة

وتحدث لموقع "سكاي نيوز عربية"، وزير الثقافة المصري الأسبق، حلمي النمنم، بالقول إنّ "مسيرة عصفور تتلخص في 3 ملامح أساسية، الملمح الأول: الأستاذ الجامعي، والثاني: المثقف العام، أمَّا الثالث هو ملمح المسؤول في المؤسسات الثقافية".

اقرأ أيضاً: الشيخ رائد صلاح: مطارَد مع سبق الإصرار

ويشرح النمنم: "في الملمح الأول، نرى أنّ الدكتور جابر عصفور ترك لنا مجموعة كبيرة من التلاميذ لهم قدرات متميزة، وتحفل بهم الجامعات المصرية والعربية الآن، مثل: حسين حمودة، وطارق نعمان وغيرهما العشرات"، لافتاً إلى أنّ تلاميذه لم يكونوا فقط في قسم اللغة العربية الذي ترأسه، بل انتشروا إلى جميع أقسام الدراسات الإنسانية".

الدكتور جابر عصفور ترك لنا مجموعة كبيرة من التلاميذ لهم قدرات متميزة

وعن دور جابر عصفور كمثقف يبين النمنم أنّ "كتابات عصفور في كبرى المجلات والصحف المصرية والعربية لم تكن مجرد تعبئة أوراق، لكن كان يشتبك مع الواقع الثقافي، وخاض خلالها معارك ضارية مع قوى الظلام في المنطقة العربية".

ويستطرد: "جزء من فشل مشروع الإخوان في مصر والمنطقة العربية، يعود للموقف النقدي الذي اتخذه فريق من المثقفين ضد هذا التيار، وهذا الموقف الفكري الذي تبناه الدكتور جابر عصفور ورفاقه من المثقفين كان أسبق من حكومات بعض الدول العربية التي لم تواجه الإسلاميين".

أسهمت جهوده في تأسيس المركز القومي للترجمة الذي أصبح مديراً له بين عامي 2007 و2011

أمَّا عن دور عصفور كمسؤول ثقافي يقول النمنم إنّ الفضل الأكبر لتأسيس المجلس القومي للترجمة يعود لجابر عصفور، "لولا جابر عصفور لما كان المركز القومي للترجمة، فعندما كان أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، قدّم بمبادرة شخصية منه المشروع القومي للترجمة، إلى أن تحول للمركز القومي للترجمة".

ويؤكد أنّ عصفور حول المجلس الأعلى للثقافة من مجرد مؤسسة لا تفعل شيئاً غير منح جوائز الدولة التقديرية التشجيعية إلى مؤسسة ثقافية بالمعنى الكامل للكلمة، واستقبل المجلس عدد من كبار مثقفي العالم، ومعظم مثقفي العرب".

جوائز وأوسمة

وحاز عصفور على العديد من الأوسمة والجوائز العلمية، نذكر منها؛ الوسام الثقافي التونسي، من الرئيس التونسي عام 1995، ووسام المكافأة الوطنية من درجة قائد من ملك المغرب، العام 2010.

اقرأ أيضاً: الطاهر الحداد: مجتهد توفي في عزلته بعد مواجهة مع فقهاء التقليد

كما حاز الراحل على جوائز عديدة منها؛ جائزة أفضل كتاب في الدراسة النقدية، من وزارة الثقافة المصرية، وجائزة أفضل كتاب في الدراسات الأدبية، من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وأفضل كتاب في الدراسات الإنسانية، من معرض الكتاب الدولي في القاهرة، وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، وجائزة اليونسكو للثقافة العربية، وغيرها.

الصفحة الرئيسية