تونس: محاسبة حركة النهضة ضمن مهام ثقيلة تنتظر حكومة نجلاء بودن

تونس: محاسبة حركة النهضة ضمن مهام ثقيلة تنتظر حكومة نجلاء بودن

مشاهدة

07/10/2021

تترقب تونس مع إعلان اسم رئيسة الوزراء الجديدة، بعد الفراغ الذي أعقب قرارات 25 تموز (يوليو) الماضي، التشكيل المكون للحكومة، حتى تشرع في تنفيد التوجيه الرئاسي نحو محاكمة الفاسدين، سيما في أعقاب قرار المؤسسة القضائية بفتح تحقيقات عاجلة في ملفات فساد مالي وسياسي، وإضرار بأمن البلاد، تشمل حركة النهضة، الذراع السياسي لتنظيم الاخوان المسلمين، وكذا تهم تتصل بتلقي الحركة تمويلات أجنبية أثناء الانتخابات.

وفي تقريرها الصادر نهاية العام الماضي، كشفت محكمة المحاسبات، أعلى هيئة قضائية رقابية في تونس، أنّ حركة النهضة تتصدر قائمة الأحزاب السياسية التي ارتكبت خروقات وتجاوزات قانونية، خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية العام 2019، ما أثرّ على إرادة الناخب وعلى النتائج؛ من أجل الوصول إلى أهدافها، فيما أشار التقارير إلى أنّ قيمة التمويلات الأجنبية، التي حصلت عليها الحركة خلال الانتخابات، تجاوزت 285 ألف دولار.

إلى ذلك تواجه حركة النهضة في تونس عدة تهم أمام القضاء، أبرزها تلقي تمويلات خارجية، ودعم بعض الكيانات المتطرفة، واستغلال المؤسسة القضائية، والتورط في تصفية المعارضين؛ حيث تشير أدلة الاتهام للتنظيم السري للحركة، كفاعل رئيسي في قضية مقتل شكري بلعيد، ومحمد البراهمي.

ملفات الفساد على قائمة الأولويات

كان ملف مواجهة الفساد، أحد أبرز الملفات التي دفعت إلى المواجهة السياسية المفتوحة، بين الرئيس التونسي، قيس سعيّد، وحركة النهضة، وذلك عندما انتقد سعيّد بشدة، إقدام رئيس الوزراء السابق، هشام المشيشي، على إقالة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، القاضي عماد بوخريص، وتعيين القاضي عماد بن الطالب علي، بدلاً عنه.

 

حركة النهضة تتصدر قائمة الأحزاب السياسية التي ارتكبت خروقات وتجاوزات قانونية، خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية العام 2019

 

سعيّد خاطب رئيس الهيئة المقال قائلاً: "كان متوقعاً إعفاؤك من مهامك، لأنك قدمت ملفات، وجملة من الإثباتات المتعلقة بعدد من الأشخاص"، ومن بين هؤلاء الأشخاص من تم رفض أدائه اليمين الدستوريّة، بسبب قضايا فساد تعلّق بهم، وهناك من له قضية أمام القطب المالي، وبعض الأشخاص لهم قضايا فساد.

اقرأ أيضاً: تونس: إغلاق قناة الزيتونة بوق حركة النهضة الإخوانية

وتابع سعيّد، خلال استقباله القاضي بوخريص، بعد الإعلان عن إقالته أنّه "ومن خلال الوثائق المتوفرة، يتبين أنّهم متورطون أو يتخفون وراء عدد من الأشخاص". مضيفاً: "يرفعون شعار مقاومة الفساد، ثم يتصدون لمن يقاوم الفساد"، في إشارة لحركة النهضة.

في هذا السياق تذهب فاطمة المسدي، عضو مجلس النواب السابق، إلى أنّ حركة النهضة الإخوانيّة هي السبب الرئيسي في أزمات تونس، حيث تمثل هذه الحركة سياسيّاً، التيار الرجعي والانتهازي، منذ لحظة تقلدها الحكم في العام 2011. تتابع المسدي، حديثها لـ"حفريات" بالقول إنّ الحركة كانت تتخذ من الشرعيّة الانتخابيّة، جانباً وظيفيّاً، نحو الوصول لمرحلة التمكين الإخواني في مفاصل الدولة التونسيّة، والعمل عبر ذلك من أجل تعيين أعضائها بالولاءات في المناصب الحساسة، مما جعلها  تبرم الصفقات المشبوهة، وتختلس الأموال والهبات من الدولة، ما كشف عن ثغرة بمئات الملايين من الدينارات في الميزانية التونسيّة لسنة 2013، وكان هذا سبباً في عدم مصادقة اللجنة البرلمانيّة على هذه الميزانيّة.

اقرأ أيضاً: "النهضة" تشعل مخاوف العنف في الشارع التونسي

وتلفت عضو مجلس النواب السابق، إلى أنّ حركة النهضة عملت على تقسيم التونسيين، وكذا تعميم الفوضى؛ من خلال  النظام الأعرج الذي اختارته في كتابة دستور 2014، وبالتحكم في التوافقات السياسية والاقتصادية، مما جعل من تونس غنيمة لها.

وتقول المسدي، إنّ السياسة التي انتهجتها النهضة، كانت سبباً رئيساً في تفشي الفساد بالبلاد التونسيّة، عبر العشرية الأخيرة، وظهرت ملفات زلزلت تونس، كملف فساد رئيس محكمة التعقيب، ووكيل الجمهورية الأسبق، الذي قام بتبييض الإرهابيين.

 

اقرأ أيضاً: الغنوشي... الدرويش والسلطة

عقد بدأ فيه فساد في الإدارة، وفساد في القضاء، وفساد سياسي. تلك عناوين مرحلة حكم النهضة بتونس، والتي جعلت رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يعلن مباشرة الحرب على الفساد، الذي كان يعني بشكل مباشر الحرب على الإخوان، الذين حققوا نسبة تطور رهيبة في معدلات الفساد، بحسب الأرقام الرسميّة.

قيس سعيّد، حاول منع التوافقات التي تضر بمصالح تونس، وعطلّ مناورات الإخوان في البرلمان التونسي، حين خرج الشعب يوم  25 تموز (يوليو) الماضي، لينهي المنظومة الفاسدة، بتجميد البرلمان، ورفع الحصانة عن الإخوان ومحاسبتهم، استجابة لمطالب الشعب.

فاطمة المسدي: يعمل الإخوان على تشويه الرئيس، وتعطيل المسار الإصلاحي؛ بغية حماية مصالحهم، عبر تجنيد الإعلام وأصحاب الأموال الفاسدة

الآن وبعد مرور أكثر من شهرين على إعلان هذه القرارات، وبحسب فاطمة المسدي، يعمل الإخوان على تشويه الرئيس، وتعطيل المسار الإصلاحي؛ بغية حماية مصالحهم، عبر تجنيد الإعلام وأصحاب الأموال الفاسدة، خوفاً من المحاسبة، بيد أنّ الرئيس قيس سعيّد، لم يلتفت إلى محاولاتهم المشبوهة، وعين أول رئيسة حكومة تونسية، لتنفيذ القرارات الإصلاحية، وتغيير النظام، ومحاربة الفساد.

حكومة إنقاذ وإصلاح

كلّف الرئيس التونسي، قيس سعيّد، الأربعاء الموافق التاسع والعشرون من شهر أيلول (سبتمبر) الماضي،  نجلاء بودن، بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول سيدة تتولى رئاسة الحكومة في تونس، وطلب منها أن تكون أولوية حكومتها مكافحة الفساد، وإعادة الأمل للتونسيين، بإصلاح المسارين الاقتصادي والسياسي، حيث ساد ارتياح في الأوساط الشعبيّة والنقابية لهذا القرار.

من جهتها تعلق الكاتبة الصحفية التونسيّة، آسيا العتروس، على تطورات المشهد السياسي في تونس، وتداعيات إعلان الرئاسة تعيين السيدة نجلاء بودن، وقائمة الأولويات الخاصّة بهذه الحكومة، سواء بتفعيل الأوجه الاقتصادية للبلاد، وكذا محاربة الفساد، وتقنين الإجراءات القانونية ضد من تثبت عليه الدعاوى والاتهامات، بقولها إنّ الرئيس قيس سعيّد، بتعيينه امرأة رئيسة للحكومة، يكون وجه أكثر من رسالة لعديد الأطراف، أولها لخصومه في الداخل، أصحاب عقلية "لن يفلح قوم، ولوا أمرهم امرأة"، وأيضاً لمن يعتبرونه محافظاً، وليس من دعاة المساواة، ووجه أيضاً بهذا التعيين رسائل إلي الخارج، وإلى أطراف أخرى انتقدت قرار تجميد البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، ثم أردف ذلك كله لاحقاً، بالمرسوم الرئاسي 117، لتنظيم السلطات في هذه المرحلة الانتقاليّة.

 

آسيا العتروس: المرحلة القادمة مهمة ومصيرية في تحديد الاستحقاقات؛ للخروج من حالة الاستثناء وتحديد خريطة طريق برؤية واضحة

 

وتضيف العتروس، في تصريحاتها التي خصّت بها "حفريات"، أنّ تعيين نجلاء بودن، سيدة القصبة الجديدة، في سابقة هي الأولى في تونس والعالم العربي، في هذه المرحلة الحرجة، اعتراف بكفاءة المرأة التونسيّة، ولكن الأكيد أنّ المسؤولية ثقيلة، في ظل الصلاحيات الجديدة، والأمور لن تكون هيّنة، في بلد تتعدد فيه الأزمات؛ نتيجة عشريّة الإفلاس والدمار، لنخبة سياسيّة، امتهنت سياسة الابتزاز والمساومات وعقلية الغنيمة، التي اعتمدتها حركة النهضة، إذ هيمنت على المشهد خلال العقد الأخير، وساهمت في غياب المحكمة الدستورية، وفي المشهد الملغم بنظام سياسي هجين، ونظام انتخابي يسمح لمن هبّ ودبّ بالتواجد في البرلمان، والتربح من ورائه.

محاولات الهرب من الحساب

وتلفت آسيا العتروس، إلى أنّ تعيين رئيسة للحكومة، يتزامن مع محاولات حركة النهضة، وبعض أعضائها في مجلس النواب المجمد، العودة الي المشهد، مستفيدة من استمرار غياب المحاسبة، في مشهد واجهه المواطن التونسي بكل قوة وحزم.

وربما من الأهمية بمكان، أن يدرك الجميع أنّ السبب الأساسي الذي دفع إلي تجميد المجلس، أنّه تحول إلى حلبة مفتوحة؛ لاستعراض أسوأ ما يمكن توقّعه، من نواب يفترض أنّهم انتخبوا لخدمة الشعب.

وعلى خلفية ذلك، إذا ما تأملنا المشهد اليوم، سنجد نواباً ملاحقين في قضايا فساد مالي، وآخرين ملاحقين في قضايا عنف، وتهريب، وتواطؤ مع الإرهابيين، وغيرهم من تجاوز الحدود سراً، و ثمة من طاب له المقام في الخارج.

 

اقرأ أيضاً: حركة "النهضة" تختنق: هل انتهى الغنوشي سياسياً؟

إذن من المهام الأساسيّة، التي ينبغي للحكومة التونسيّة الجديدة أن تضطلع بها بحزم واصرار، فتح كل الملفات المتعلقة بالاغتيالات السياسية، وقضايا التسفير، والفساد المالي، والتمويلات المريبة للانتخابات الأخيرة، والتي من بينها قضايا في يد العدالة وجهاز المحاسبات، ومن هذا المنطلق، فإنّ تشكيل حكومة، نجلاء بودن، مهمة جداً، وسيتعين عليها أن تكون في حجم المسؤولية التاريخيّة، لإعادة تحديد البوصلة نحو الاتجاه الصحيح.

وتختتم الكاتبة الصحفية آسيا العتروس، تصريحاتها، بالإشارة إلى أنّ المرحلة القادمة مهمة ومصيرية، في تحديد الاستحقاقات؛ للخروج من حالة الاستثناء، وتحديد خريطة طريق برؤية واضحة.

لا ريب أنّ المسؤولية تاريخيّة، أمام الرئيس قيس سعيّد، وأمام أول رئيسة حكومة لإنقاذ الدولة الوطنية المدنية العصرية، عبر الدخول في معركة إصلاح مؤجلة.



الصفحة الرئيسية