تونس تفكك شبكات الفوضى: كيف حوّل الإخوان الخدمات الاجتماعية إلى سلاح سياسي؟

تونس تفكك شبكات الفوضى: كيف حوّل الإخوان الخدمات الاجتماعية إلى سلاح سياسي؟

تونس تفكك شبكات الفوضى: كيف حوّل الإخوان الخدمات الاجتماعية إلى سلاح سياسي؟


31/07/2025

في تونس، ليست الخدمات الاجتماعية مجرد ملفات تقنية تديرها مؤسسات الدولة، بل أصبحت خلال السنوات الماضية ساحة صراع سياسي مفتوح، فقد استغلّت حركة الإخوان، عبر شبكاتها الموازية، نقاط ضعف هذه الخدمات لإحداث أزمات متعمدة في قطاعات حيوية كالماء والصحة والتعليم، بهدف خلق شعور عام بالعجز الحكومي.

ولم يقتصر الأمر على تقصير إداري، بل جرى تنظيم حملات ممنهجة لتأليب الرأي العام عبر التضخيم الإعلامي وتوظيف الأزمات الاجتماعية كورقة سياسية، واستُخدمت هذه الأزمات لتغذية الاحتجاجات وتحويلها إلى ضغط مباشر على الدولة، في استراتيجية متكاملة لإضعاف مؤسساتها وفرض وجود التنظيم في المشهد.

فالتنظيم استغل الخدمات الاجتماعية ليس فقط لتقديم الدعم، بل كسلاح استراتيجي لإثارة أزمات ممنهجة داخل مؤسسات الدولة، وتحريك الشارع عبر تأليب الرأي العام على الحكومات المتعاقبة، مما ساهم في تعميق الفجوة بين المواطن والدولة وزيادة حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي.

العنصر الأول: هندسة الأزمات.. حين تصبح الخدمة الاجتماعية أداة فوضى

لم يقتصر دور الإخوان على تقديم المساعدات، بل امتد إلى صناعة الأزمات داخل المرافق الحيوية، عبر شبكة من الموظفين الموالين في الإدارات والبلديات، وسُجّلت حالات تعطيل متعمّد للخدمات أو رفض تنفيذ تعليمات مركزية، بهدف خلق مناخ من التذمر الشعبي ضد الدولة.

التنظيم استغل الخدمات الاجتماعية ليس فقط لتقديم الدعم بل كسلاح استراتيجي لإثارة أزمات ممنهجة داخل مؤسسات الدولة وتحريك الشارع 

في معتمدية جنوبية بولاية القيروان، مثلاً، أبلغ مواطنون عن تأخير في توزيع المياه لمدة أيام متكررة دون مبرر واضح، مما دفع سكانًا للاحتجاج على غياب الرد الحكومي، في حين تسارعت صفحات محسوبة على النهضة لنشر أخبار عن "إهمال الدولة وتقصيرها"، قبل أن تظهر جمعيات خيرية تديرها قيادات محلية قريبة من التنظيم وتبدأ بتوزيع قوارير ماء ومساعدات غذائية، في مشهد يكرّس شعور "البديل المتوفر".

كما انتشرت إشاعات ممنهجة على وسائل التواصل بشأن نقص السلع الأساسية والأدوية، سرعان ما استُغلّت لتحريك احتجاجات محلية، خاصة في المناطق الريفية والضواحي التي تعتمد على الدعم الاجتماعي. وبالتوازي، ظهرت جمعيات خيرية تابعة للتنظيم "تتدخل" في الوقت المناسب، لتقديم حلول ظرفية تُظهرها كبديل عن مؤسسات الدولة الغائبة.

وتجلّى هذا التوظيف السياسي في توجيه الاحتجاجات نحو أهداف حزبية، حيث استُخدمت المطالب الاجتماعية كأداة لخلق صراع مفتعل مع الدولة، ضمن استراتيجية تهدف لتقويض شرعيتها وفتح المجال أمام عودة التنظيم السياسي تحت غطاء "الشارع الغاضب".

سياسة التمكين الطويل.. حين زرع الإخوان أذرعهم في قلب الدولة

ومنذ تولّيهم السلطة بعد الثورة، انتهج الإخوان سياسة تمكين إدارية تقوم على زرع الموالين داخل مفاصل الدولة، وخاصة في القطاعات الاجتماعية الحيوية، إذ تم تعيين عشرات المسؤولين في البلديات، المدارس، والمندوبيات الجهوية، وفق مبدأ الولاء لا الكفاءة.

هذه السياسة لم تقتصر على التعيين الرسمي، بل شملت بناء شبكات من الوسطاء والناشطين الذين يعملون داخل المؤسسات والخدمات لإدارة الملف الاجتماعي بما يخدم الأجندات الحزبية. وثّقت تقارير أن بعض المسؤولين استخدموا موارد الدولة لتوجيه مساعدات انتخابية، والتأثير على توجهات الناخبين من خلال ربط الخدمات بالحزب.

استُخدمت المطالب الاجتماعية كأداة لخلق صراع مفتعل مع الدولة ضمن استراتيجية تهدف لتقويض شرعيتها وفتح المجال أمام عودة التنظيم السياسي

هؤلاء لم يغادروا مواقعهم حتى بعد تراجع النهضة سياسيًا، بل استمروا كأذرع ميدانية تتحرك لتعطيل البرامج الرسمية، وتوجيه المساعدات، والتستر على خروقات مالية داخل بعض الجمعيات. وبرز دورهم بوضوح عند كل أزمة، حيث يظهر التنسيق بين ما هو إداري وما هو حزبي إعلامي.

وقد انعكس هذا التمكين على نوعية الخدمات، إذ شهدت بعض القطاعات تدهورًا ملحوظًا، وتراجعًا في الفعالية الإدارية، ما زاد من حالة الإحباط بين المواطنين ووسّع من رقعة الاحتقان الاجتماعي.

 الدولة تستعيد المبادرة.. تفكيك الشبكات واسترجاع القرار المحلي

أمام هذا الواقع، تحرّكت الدولة التونسية في السنوات الأخيرة لتفكيك البنية التي بناها الإخوان، من خلال إعفاءات إدارية، ومراجعة التعيينات، وفتح ملفات التمويل الغامض للجمعيات. وقد طالت الحملة أكثر من 200 جمعية ثبت انخراطها في أجندات حزبية أو تلقيها تمويلات أجنبية مشبوهة.

وفِي 2025، أعلن القضاء تجميد أرصدة مالية تقدر بملايين الدينارات مرتبطة بجمعيات محلية، على خلفية تحقيقات حول استخدام تلك الأموال في تمويل حملات سياسية وتحريضية. كما تم استدعاء عدد من المسؤولين المحليين للتحقيق في شبهات فساد وتعطيل خدمات عامة.

تحرّكت الدولة التونسية في السنوات الأخيرة لتفكيك البنية التي بناها الإخوان من خلال إعفاءات إدارية ومراجعة التعيينات وفتح ملفات التمويل الغامض للجمعيات

وبالتوازي، صاغت الحكومة مشروع قانون جديد يضبط مصادر تمويل الجمعيات ويمنع استخدامها لأغراض سياسية، كما شُكّلت لجان رقابة لمتابعة الأداء البلدي والخدمات الاجتماعية في الجهات، ما أتاح كشف عدة اختراقات وتجاوزات كانت تمر دون محاسبة.

من جهتها، أكدت رئاسة الجمهورية أن الحملة على شبكات التمكين ليست مجرّد تصفية حسابات سياسية، بل معركة للحفاظ على الدولة ومؤسساتها، في ظل محاولات مستمرة لنسف المجهودات التنموية وتوظيف أزمات الناس كورقة ضغط. 

وأوضح مسؤول حكومي رفيع أن "هذه الإجراءات تأتي للحفاظ على حق المواطن في خدمات ذات جودة، ولمنع أي جهة من تحويل الدولة إلى لعبة انتخابية أو أداة لإعادة إنتاج النفوذ الحزبي".

استغلال الخدمات الاجتماعية بين التمكين والفوضى السياسية

ويرى مراقبون أن استغلال الخدمات الاجتماعية من قبل تنظيم الإخوان لم يكن مجرّد ممارسات إدارية خاطئة، بل شكل جزءًا من استراتيجية منهجية للتحكم في النسيج الاجتماعي والسياسي، عبر السيطرة على الخدمات الحيوية، حيث تمكّن التنظيم من تحويل حاجيات المواطنين الأساسية إلى أدوات ضغط سياسي تُستخدم لتحقيق أهداف انتخابية أو لإضعاف الخصوم.

هذا الواقع أسهم في تراجع ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها، حيث بات يرى أن الخدمات لم تعد حقًا بل امتيازًا يُمنح بناءً على الولاء

وأفسحت سياسة التمكين الإدارية، التي استمرت لسنوات، المجال لشبكات حزبية داخل المؤسسات لترسيخ نفوذها، مما أدى إلى تعطيل البرامج التنموية وتعميق أزمات فنية حقيقية، مثل انقطاع الماء والكهرباء، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية. وهكذا، تحولت الأزمات الاجتماعية إلى أزمات سياسية تكرّس الاستقطاب والانقسام.

هذا الواقع أسهم في تراجع ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها، حيث بات يرى أن الخدمات لم تعد حقًا بل امتيازًا يُمنح بناءً على الولاء، ما أضعف الرابطة بين الدولة والمجتمع. من هنا، برزت أهمية الإجراءات الحكومية الأخيرة التي تستهدف إعادة بناء ثقة المواطن عبر مكافحة شبكات التمكين، وضمان حيادية الخدمات الاجتماعية، كخطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

 من دولة الخدمات إلى دولة الشبكات

ومنذ سقوط نظام بن علي، سعت حركة النهضة إلى بناء شبكة موازية تُسيطر على المسار الاجتماعي والاقتصادي من الأسفل، تحت غطاء "المجتمع المدني"، ولم يكن الهدف تنمية المناطق المحرومة، بل تحويلها إلى قواعد نفوذ انتخابي وأمني وسياسي.

هذا المشروع الطويل الأمد تعمّد استغلال ضعف الدولة وهشاشة الإدارة، معتمدًا على استغلال الملفات الاجتماعية كوسيلة لتعبئة الشارع

هذا المشروع الطويل الأمد تعمّد استغلال ضعف الدولة وهشاشة الإدارة، معتمدًا على استغلال الملفات الاجتماعية كوسيلة لتعبئة الشارع، وتأليب الرأي العام، وضرب ثقة المواطن في مؤسسات بلاده. وقد ساعده في ذلك التمويل الخارجي غير الشفاف الذي قُدّم لجمعيات كثيرة، ما جعلها أدوات في يد تنظيم يمتلك خطة استراتيجية لبسط سيطرته.

لكن هذه الشبكة انكشفت مع الوقت، وأصبحت تمثّل تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة وحياد مؤسساتها، ما جعل تفكيكها اليوم شرطًا مسبقًا لاستعادة مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، القائمة على القانون والعدالة لا الولاءات والتنظيمات.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية