تمدد الإخوان في فرنسا واستراتيجية "الاختراق الناعم": التحدي الأمني والسياسي ومعضلة الحريات

تمدد الإخوان في فرنسا واستراتيجية "الاختراق الناعم": التحدي الأمني والسياسي ومعضلة الحريات

تمدد الإخوان في فرنسا واستراتيجية "الاختراق الناعم": التحدي الأمني والسياسي ومعضلة الحريات


13/11/2025

كشفت دراسة حديثة أجراها معهد (أيفوب) الفرنسي، ونشرتها مجلة (لا ريفيو بوليتيك)، عن حالة قلق واسعة بين الفرنسيين إزاء صعود الإسلام السياسي في البلاد، فقد كشف 70% من الفرنسيين عن اعتقادهم بأنّ هذا التيار يتقدم بشكل ملحوظ داخل المجتمع الفرنسي. هذه النتائج تعكس شعوراً متزايداً بعدم الأمان السياسي والاجتماعي، وهو شعور يدعمه السياق الحالي المتأزم بفعل التوترات الأمنية وارتفاع معدلات العنف، وفقاً لما أشارت إليه الدراسة، حيث يرى 80% من الفرنسيين أنّ مستوى العنف قد ازداد في الأعوام الأخيرة.

الدراسة ربطت صعود الإسلام السياسي بأنشطة جماعات مرتبطة بفكر تنظيم الإخوان المسلمين المصنف على قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العربية، وهو ما أكدته التحقيقات الحكومية الفرنسية الأخيرة في أيار (مايو) الماضي. ويشير هذا التحقيق إلى اعتماد الإخوان على ما يُسمّى "استراتيجية الشبكة الناعمة"، التي تهدف إلى نشر نفوذهم عبر الجمعيات الثقافية والدينية والتعليمية، وخلق نوع من "التمكين الاجتماعي" تحت غطاء العمل المدني، بعيداً عن المواجهة المباشرة مع الدولة. هذه الاستراتيجية تعكس وعي التنظيم بأهمية التغلغل في المجتمع بطرق غير مباشرة، وهو ما يفسر المخاوف الشعبية من توسع تأثيره.

توتر عام

تظهر الدراسة أنّ القلق من الإسلام السياسي لا ينفصل عن التوتر العام في المجتمع الفرنسي حول مسألة الهوية، والعنف، والاندماج الثقافي. إذ يرتبط مفهوم "الراديكالية في أذهان المواطنين مباشرة بالعنف والإرهاب، وهو ما يعكس إحساساً متزايداً بتهديد محتمل على الأمن الداخلي. وقد ظهر في الدراسة تفضيل الفرنسيين السياسات الأمنية الحازمة، حيث تصدرت مارين لوبان، زعيمة التجمع الوطني، نسب الثقة في مواجهة الإسلام السياسي، تلاها وزير العدل جيرالد دارمانان، بينما سجل الرئيس إيمانويل ماكرون مستوى ثقة أقلّ من المتوقع، ممّا يعكس تحدياً سياسياً للحكومة في إقناع الرأي العام بكفاءتها في إدارة هذه الملفات.

ويمكن قراءة هذه النتائج على أنّها مؤشر مزدوج، وفق الباحث المختص في العلوم السياسية والأمن الإقليمي الدكتور مصطفى صلاح، إذ إنّه على المستوى الاجتماعي، هناك شعور متزايد بالقلق من انتشار التطرف الديني، ممّا يخلق بيئة خصبة لتبنّي مواقف أكثر تشدداً تجاه الأقليات المسلمة والجماعات الدينية، وقد يؤدي إلى تزايد الاستقطاب الاجتماعي. أمّا على المستوى السياسي، فهناك ضغوط متزايدة على الحكومة الفرنسية لإظهار قدرة على ضبط ملف الإسلام السياسي، والتعامل مع الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين. 

ويشير صلاح في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ ضعف الثقة في القيادة التنفيذية الحالية يُشكّل تحدياً كبيراً في إدارة هذه القضية من دون أن تتسبب في تعزيز الاستقطاب السياسي أو توتر العلاقات المجتمعية. ويقول إنّ هناك ضرورة لنشر نتائج التحقيقات الحكومية حول جماعات الإسلام السياسي بشكل واضح وموضوعي بما يعزز "التواصل المجتمعي وتشجيع الحوار بين النخب السياسية والقوى المدنية، وتخفيف وطأة الشائعات التي تروّجها أطراف عديدة منها الإسلاموية، بأنّ الإجراءات الموجهة ضد الأخيرة تعني الاستهداف المباشر للمجتمعات المسلمة".

ويختتم الباحث المختص في العلوم السياسية والأمن الإقليمي حديثه قائلاً: "العمل على موازنة الإجراءات الأمنية مع احترام الحريات المدنية، هو أمر ضروري ومُلح لضمان عدم تفاقم الاستقطاب السياسي أو الاجتماعي، وذلك يبدأ بمراقبة الأنشطة المدنية، ومنع مساحات التأثير التي تستغل الثغرات القانونية وهامش الحريات، ومن ثم متابعة أيّ محاولات للتأثير السياسي أو النفوذ الخفي عبر الجمعيات الثقافية والدينية بشكل قانوني ومنهجي.

وتؤكد دراسة (أيفوب) أنّ القلق الفرنسي من الإسلام السياسي ليس مجرد شعور عابر، بل يرتبط بتجارب ملموسة على الأرض وباستراتيجية جماعات محددة مثل الإخوان المسلمين. ومع تزايد المخاطر الأمنية والاجتماعية يبرز التحدي الكبير للحكومة الفرنسية في تحقيق التوازن بين الأمن وحماية الحريات، وبين مواجهة النفوذ السياسي والديني وإدارة التوتر الاجتماعي بطريقة فعالة ومستدامة".

صراع استراتيجيات

إلى ذلك، فإنّ مواجهة الإسلام السياسي تتطلب استراتيجية أكثر دقة وشمولية، توازن بين مكافحة التطرف وحماية الحقوق، مع معالجة التيارات النشطة بالفعل، سواء الإخوان أو التيارات السلفية على تنوعها. وتشير تقارير فرنسية رسمية وحقوقية إلى أنّ جماعة الإخوان في فرنسا تمارس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز نفوذها داخل المجتمع الفرنسي من خلال الجمعيات الدينية والثقافية والتعليمية تحت غطاء العمل المدني، وهو ما يُعرف بـ "الشبكة الناعمة". 

وفق التقرير الحكومي الصادر في أيار (مايو) الماضي، فإنّ عدد الأعضاء المنخرطين فعلياً بالجماعة يُقدّر بين (400 إلى 1000) شخص، فضلاً عن حوالي (139) مسجداً في البلاد، وهو ما يمثل نحو 7 % من إجمالي أماكن العبادة الإسلامية. هذه التحركات، بحسب التقرير، تُستغل لإحداث حالة انفصالية تعادي قيم "الجمهورية" وتُشكّل مجتمعات موازية، الأمر الذي يثير قلق الدولة الفرنسية من احتمال تقويض مبادئ الجمهورية، خاصة الديمقراطية والعلمانية والمساواة.

وكان تقرير "سرّي" قدّمه وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو ريتايو، في مجلس الدفاع الوطني، في 21 أيار (مايو) 2025، قد كشف عن تفاصيل حول النفوذ المتنامي للإخوان المسلمين في فرنسا، ووصفه بأنّه "مُدمّر" و"مقلق". ووثق التقرير هيكلية الحركة، وأساليب عملها، وتمويلاتها، وأهدافها، وعلاقاتها في أوروبا.   وذكر أنّ (130 إلى 140) مسجداً، وما يقارب (20) مؤسسة خيرية مرتبطة مباشرة بالإخوان، إضافة إلى (50 إلى 60) من أماكن العبادة القريبة منهم، تخضع لمراقبة السلطات. وأشار التقرير إلى تمويلات خارجية، من دول مثل تركيا وقطر، واستهداف المؤسسات الأوروبية من خلال شبكات محددة، مؤكداً أنّ الإخوان يسعون لإعادة توجيه نشاطهم إلى أوروبا بعد تضييق الخناق عليهم في مصر وتونس. رغم ذلك، لم يتم تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية لعدم توفر أدلة كافية، لكنّ الحكومة تعكف على خطة لمواجهة النفوذ الإسلاموي من خلال مراقبة المؤسسات والجمعيات، وتعزيز قدرة الدولة على التصدي للتأثيرات التي تهدد النسيج الاجتماعي الفرنسي.

وقبل أيام باشر الوزير السابق وزعيم حزب الجمهوريين نشاطه التحذيري من تغلغل نفوذ الإخوان وتداعياته المجتمعية والسياسية والأمنية، وصرّح في لقاء تلفزيوني على قناة (بي إف إم) الفرنسية بأنّ الجماعة الأم للإسلام السياسي تمثل "تهديداً فادحاً"، وقد ألمح إلى قدرتها على "التخفي خلف القيم الفرنسية" والعمل من دون صخب لوضع المجتمع الفرنسي على الحافة نحو التطرف.

وأوضح الوزير السابق وزعيم حزب الجمهوريين الفرنسي أنّ الاستراتيجية التي تعتمدها جماعة الإخوان تعتمد على وسائل تكتيكية مرنة، ومن دون تصعيد أو صدام عنيف وخشن، لأنّ هدفها هو إعادة تشكيل المجتمع على المستويين القيمي والثقافي، الأمر الذي يجعلها تمضي نحو حلحلة القيم الفرنسية و"الاختراق التدريجي" لمؤسسات قانونية تعمل داخل إطار "الجمهورية"، وتعيين "المرجعية الدينية والإيديولوجية". 

وقال: إنّ الإخوان يتلقون التمويل الخارجي من دول أخرى عبر جمعيات محلية تُستخدم كغطاء مالي، موضحاً أنّ السلطات الفرنسية تراقب المساجد والمراكز التعليمية التي قد تتهم بنشر "خطاب انفصالي" أو "تكفيري". وتابع: "الهدف ليس الإرهاب المباشر، بل تغيير المجتمع الفرنسي من الداخل ودفعه تدريجياً نحو قيم تتعارض مع العلمانية". وعليه، تباشر أجهزة الاستخبارات متابعة التقارير بخصوص الشبكات المختلفة التنموية والثقافية والخيرية المرتبطة بالجماعة التي تعمل داخل فرنسا منذ أعوام. ثم شنَّ هجومه على الحكومات السابقة لأنّها "تساهلت باسم الحرية الدينية، وتركت الفراغ الذي استغلته الجماعات الإيديولوجية".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية