تقلص الأراضي الزراعية: هل بات أمن مصر الغذائي في خطر؟

تقلص الأراضي الزراعية: هل بات أمن مصر الغذائي في خطر؟

مشاهدة

06/01/2022

بدا العالم المصري الكبير فاروق الباز قلقاً للغاية على أمن مصر الغذائي، فقد حذّر من البناء على الأراضي الزراعية، وطالب بتطبيق "أحكام الإعدام والشنق والسجن المؤبد (25) عاماً لمن يبني على الأرض الزراعية".

حديث الباز، وهو مدير مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن الأمريكية وعضو المجلس الرئاسي الاستشاري للعلوم والتكنولوجيا، يعكس قلقاً رسمياً لا يخفيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أحاديثه المتواترة حول الزيادة السكانية التي تلتهم التنمية، فحتى إذا كانت الدولة تتوسع في المساحات الخضراء والمشاريع ووقف عملية التعدّي على الأراضي الزراعية، يظلّ الخطر قائماً. ويتجاوز عدد السكان في مصر (102) مليون شخص.

اقرأ أيضاً: الجزائر تحتل المرتبة الأولى أفريقياً في الأمن الغذائي.. وهذه الدولة الثانية

ويتعاظم هذا الخطر بالنظر إلى أزمة المياه في مصر، وكذلك أزمة سد النهضة الذي ما يزال يمثل أحد أكبر المخاطر القائمة على مصر وأمنها المائي والغذائي، خصوصاً في ظل تعقد المفاوضات وعدم التوصل إلى أي اتفاقات ملزمة إلى الآن مع إثيوبيا.

بدا العالم المصري الكبير فاروق الباز قلقاً للغاية على أمن مصر الغذائي

يقول الباز خلال تصريحات في برنامج "90 دقيقة" ليل الثلاثاء ـ الأربعاء: "هناكل بعض بعد كده... يجب أن تظلّ الأراضي الزراعية باقية لإنتاج الطعام، فهي الأمن الغذائي".

اقرأ أيضاً: هكذا تعزّز الإمارات الأمن الغذائي في اليمن

وتطرّق خلال  تصريحاته للمشروعات القومية الزراعية في توشكى ومشروع الدلتا الجديدة، مشيراً إلى أنّ العلم ودراسة الصور الفضائية ساهما في التحقق من وجود المياه الجوفية في الصحراء الغربية وشرق العوينات.

فاروق الباز يحذّر: سنأكل بعضنا.. يجب أن تظلّ الأراضي الزراعية لإنتاج الطعام فهي الأمن الغذائي

وتحتل مصر المرتبة الـ54 عالمياً في مؤشر الجوع، وفق نتائج المؤشر للعام 2020، متقدمة عدة مراكز عن العام 2019 الذي احتلت فيه المرتبة 61 عالمياً، وهو تقدّم يعكس تراجعاً في الواقع، أي أن زيادة الجوعى يشهدون زيادة في مصر، أو على الأقل تتقدم مراتبها بدلاً من أن تتراجع.

يأتي ذلك في وقت تشهد فيه الدولة إجراءات كبيرة لزيادة الرقعة الزراعية، والمحافظة على الأراضي القائمة، سواء عبر تغليظ العقوبة على المتعدّين على الأراضي الزراعية، أو اليقظة وسرعة إزالة التعديات، وتعمل جنباً إلى جنب على عقد مصالحات مقابل مبالغ مالية عن التعديات الماضية.

اقرأ أيضاً: 8 محافظات إيرانية ينعدم فيها الأمن الغذائي

وكشف تقرير رسمي عن وزارة الزراعة منتصف العام الماضي زيادة الأراضي المستصلحة بنسبة 697.9%، حيث سجلت 115.7 ألف فدان عام 2019/2020، مقارنة بـ 14.5 ألف فدان عام 2014/2015، بينما زادت المساحة المزروعة بنسبة 5.6% ووصلت إلى 9.4 مليون فدان عام 2020، مقارنة بـ 8.9 مليون فدان عام 2014.

تحتل مصر المرتبة الـ54 عالمياً في مؤشر الجوع

وقد غلّظ القانون المصري خلال الأعوام القليلة الماضية عقوبة التعدي على الأراضي الزراعية، حتى أنّ عقوبتها قد تصل إلى الحبس (5) أعوام وغرامة (5) ملايين جنيه، الدولار (15.71) جنيه، وذلك وفق المساحة التي تمّ التعدّي عليها، وتتمّ محاكمة المتهم فيها أمام القضاء العسكري.

اقرأ أيضاً: الإمارات تعزز الأمن الغذائي لتحقيق هذه الأهداف

يقول رئيس حماية الأراضي الزراعية في وزارة الزراعة الدكتور أشرف عيسى، في تصريح قبل شهور: إنّ  وزير الزراعة وجّه برفع درجة الاستعداد القصوى للحفاظ على الأراضي الزراعية، لافتاً إلى أنّ التعدي على الرقعة الزراعية جريمة تعرّض المخالف للمساءلة القانونية والإحالة إلى النيابة العسكرية.

عمرو هاشم ربيع: البناء على الأراضي الزراعية يقلل المساحة المزروعة ويجعل البديل باستصلاح غيرها أمراً مكلفاً

من جانبه، يقول نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عمرو هاشم ربيع: "إنّ البناء على الأراضي الزراعية يقلل من المساحة المزروعة، ويجعل البديل لاستصلاح أراضٍ أخرى أمراً مكلفاً، وهذا البناء يهدّد الأمن الغذائي للمجتمع؛ لأنّه ينقص من الاكتفاء الذاتي للمحاصيل".

ويستعرض ربيع، في مقال بجريدة الشروق بتاريخ 24 حزيران (يونيو) الماضي، جهود الدولة في مواجهة ذلك، قائلاً: "لكلّ ما سبق، واجهت الدولة عملية البناء على الأرض الزراعية من خلال ثلة من القوانين التي كانت في وقت سابق تنفذ ببطء شديد، بل كانت الدولة تغمض عينيها عن هذا البناء إبّان عهد مبارك، خاصة إذا كان البناء يتم وقت الانتخابات البرلمانية أو الاستفتاءات الرئاسية".

اقرأ أيضاً: %20 من سكان السودان في مواجهة خطر انعدام الأمن الغذائي

وأضاف: "عقب أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وما تبعها من غياب سلطة الدولة على الكثير من الأمور، استغلّ البعض في الريف هذا المناخ، وقاموا بالبناء على آلاف الأفدنة؛ ممّا عرّض الرقعة الزراعية للتهديد والبوار، وهذا الأمر سرعان ما عالجته الدولة عقب أحداث 30 حزيران (يونيو) 2013 تدريجياً، وذلك بإصدار تعديلات قانونية لحماية الأرض الزراعية من البناء عليها.

البناء على الأراضي الزراعية يقلل من المساحة المزروعة

ويشير نائب رئيس مركز الأهرام إلى شقٍّ آخر يتعلق بالبناء على تلك الأراضي، وهو مرتبط برغبة الفلاح في توفير "أمان أسري" لعائلته، ببناء منازل لأبنائه حوله، ويقترح لحلّ ذلك منح الفلاحين الأراضي في الظهير الصحراوي لمحافظتهم.

اقرأ أيضاً: هل يُنعش كورونا النزعة القومية في مجال الأمن الغذائي؟

يقول ربيع: لا شك أنّ الظهير الصحراوي للمحافظات النيلية كبير وواسع، وهذا الظهير إذا ما تم استغلاله، اتسعت الرقعة الزراعية، خاصة مع إجراءات معيّنة لترشيد استغلال المياه الخاصة بالزراعة فى مصر عامّة، وتلك المناطق الجديدة بالظهير.

غلّظ القانون المصري خلال الأعوام القليلة الماضية عقوبة التعدي على الأراضي الزراعية

ما يُطرح في هذا الصدد هو منح الفلاح وحده دون غيره من المواطنين أو رجال الأعمال قطعة أرض مخصصة للزراعة، وغير قابلة للتسقيع، بتقسيمات معيّنة ومخططة بكفاءة من قبل متخصصين في التخطيط العمراني والزراعي، وتلك الأرض تكون بمساحات معينة (5) أفدنة مثلاً، يزرع الفلاح 80% منها، ويخصص 10% منها لمشروعات إنتاج حيواني، و10% للبناء الرأسي والأفقي. وبالطبع تتضمن تلك المجتمعات الجديدة وجود مجمّعات خدمية تعليمية وصحية وخلافه، بحيث يكتفي الفلاح ذاتياً من الناحية المعيشية في تلك المناطق. صحيح أنّه سيكون مرتبطاً بمسقط رأسه الأصلي وسط الدلتا والوادي، لكنّه بعد عدة أعوام ستنتقل جميع مصالحه إلى تلك المناطق؛ ممّا سيجعلها بلداناً جديدة بالنسبة إليه بعد عقدين أو (3)، وبذلك تُحلّ مشكلة البناء على الأرض الزراعية، ومعها يكون هناك توسع في الرقعة المستصلحة، وتوزيع أكبر للسكان، بدلاً من الاكتظاظ المرهق للخدمات في المناطق الحالية التي تأنُّ من إرهاق شديد في الخدمات.

الصفحة الرئيسية