
من اللافت أنّه، مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، تتزايد المؤشرات على تصاعد التوترات داخل معسكر بورتسودان، الذي بات يمثل المركز السياسي والعسكري الرئيسي للسلطة المتحالفة مع الجيش السوداني، وسط تحذيرات متنامية من صراع داخلي بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق، قد يُعيد تشكيل موازين القوى داخل السودان خلال المرحلة المقبلة.
وتطرح التطورات الجارية تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش السوداني والحركة الإسلامية، وحدود النفوذ الذي تمارسه شبكات النظام السابق داخل مفاصل القرار العسكري والأمني، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة تستهدف إبعاد الإسلاميين عن أيّ تسوية سياسية مستقبلية.
ومنذ الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير عام 2019، ظل ملف تفكيك نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السوداني، خاصة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.
وتقول عدة تقارير: إنّه على مدار ثلاثة عقود من حكم نظام "الإنقاذ"، نجحت الحركة الإسلامية، عبر حزب المؤتمر الوطني، في بناء شبكة واسعة من الولاءات داخل الجيش والأمن والخدمة المدنية، مستفيدة من سياسة "التمكين" التي اعتمدها النظام السابق لترسيخ نفوذه السياسي والعسكري.
ورغم قرارات لجنة إزالة التمكين بعد الثورة، فإنّ كثيراً من القوى المدنية السودانية ترى أنّ بنية النفوذ القديمة لم تُفكك بصورة كاملة، وأنّ شبكات الإسلاميين ما تزال حاضرة داخل مؤسسات حساسة، وهو ما عاد إلى الواجهة بقوة بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023.
وقد وفّرت الحرب بيئة مواتية لعودة التيارات الإسلامية إلى المشهد السياسي والأمني، وبرزت شخصيات محسوبة على النظام السابق في الخطاب التعبوي والدعم اللوجستي والإعلامي للجيش، الأمر الذي عزز اتهامات خصومهم بأنّ الحركة الإسلامية تسعى لاستثمار الحرب من أجل استعادة نفوذها السياسي.
ومن هنا، اتهمت عدة قوى مدنية سودانية عناصر النظام السابق بمحاولة توجيه القرار العسكري بما يخدم مشروع عودتهم إلى السلطة، لكن يمكن القول إنّ تنامي حضور الإسلاميين داخل معسكر بورتسودان بات يثير حرجاً متزايداً للقيادة العسكرية، خصوصاً في ظل الضغوط الغربية والتصنيف الأمريكي للإخوان وذراعها العسكرية "البراء بن مالك" ضمن قوائم الإرهاب.
مخاوف إعادة التمكين
وتتعامل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بحذر شديد مع أيّ مؤشرات على عودة الإسلاميين إلى السلطة في السودان، خاصة في ضوء الإرث المرتبط بحقبة البشير التي شهدت عزلة دولية وعقوبات اقتصادية واتهامات بدعم جماعات متطرفة.
في حين فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على شخصيات سودانية مرتبطة بالنظام السابق، من بينها علي أحمد كرتي، متهمة إيّاها بتقويض جهود السلام والاستقرار.
وما يزال عدد من رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم أحمد هارون، مطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم دارفور.
وتتخوف أطراف دولية من أن يؤدي استمرار الحرب وتمدد نفوذ الجماعات العقائدية المسلحة إلى تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، خاصة مع تزايد الحديث عن تنامي العلاقات العسكرية بين بعض التيارات الإسلامية السودانية وإيران.
ولذلك، يقول المحلل السياسي السوداني المختار محمد: إنّ هناك تباينات متزايدة بين قيادات عسكرية تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، وبين تيارات إسلامية ترى أنّ الحرب تمثل فرصة لإعادة إنتاج نفوذها السياسي والعسكري، ويؤكد لـ (حفريات) أنّ قوى عديدة سياسية ومدنية في السودان تطالب بضرورة إعادة بناء المؤسسة العسكرية بصورة شاملة، باعتبار أنّ الأزمة الحالية تعكس فشل نموذج "الجيش المسيّس والمؤدلج" الذي تشكل خلال العقود الماضية.
وتدعو قوى مدنية وحركات سياسية إلى تأسيس جيش قومي مهني يخضع لسلطة مدنية، ويبتعد عن الانتماءات الحزبية والأنشطة الاقتصادية، باعتباره شرطاً أساسياً لمنع تكرار دوائر الانقلابات والحروب.
ويرى مراقبون أنّ مستقبل السودان بات مرتبطاً بقدرة القوى السياسية والعسكرية على إنتاج صيغة جديدة للدولة، تقوم على التوازن بين المركز والأقاليم، وتمنع احتكار السلطة من قبل أيّ تيار إيديولوجي أو عسكري.
وفي ظل استمرار الحرب، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتزايد التدخلات الإقليمية الخارجية، تبدو البلاد أمام مفترق طرق حاسم؛ فإمّا التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، وإمّا الانزلاق نحو مزيد من التفكك والصراعات الممتدة التي قد تهدد وحدة السودان واستقراره على المدى الطويل.
إقصاء ضباط معارضين لهيمنة الإسلاميين
إلى ذلك، يبدو لافتاً ما كشفه نائب رئيس هيئة الأركان السوداني السابق الفريق الركن منور عثمان نقد عمّا وصفه بعمليات إقصاء ممنهجة استهدفت عدداً من كبار الضباط داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بسبب مواقفهم الرافضة لهيمنة الحركة الإسلامية ومحاولات إعادة تمكين نظام المؤتمر الوطني المنحل داخل الجيش.
وقال نقد، في تصريحات صحفية تداولتها وسائل إعلام محلية: إنّ مجموعة من القيادات العسكرية تقدمت في آب/أغسطس 2022 بمذكرة ونصيحة مباشرة إلى القيادة العسكرية، دعت فيها إلى تسليم السلطة للشعب ووقف محاولات إعادة إنتاج النظام السابق عبر المؤسسة العسكرية.
وقد أوضح أنّ الرد على تلك المواقف جاء عبر إحالة عدد من الضباط الرافضين لما وصفه بـ "التبعية الإيديولوجية" إلى التقاعد، مقابل ترقية ضباط آخرين قال إنّهم محسوبون على الحركة الإسلامية ويتمتعون بولاءات تنظيمية داخل المؤسسة العسكرية.
وأشار نائب رئيس هيئة الأركان السابق إلى أنّ كل من عارض توجهات الإسلاميين داخل الجيش جرى إبعاده بصورة مباشرة، معتبراً أنّ المؤسسة العسكرية فقدت بذلك قيادات كانت تدفع باتجاه الحلول السياسية وتجنب انزلاق البلاد إلى الحرب.
واعتبر نقد أنّ تنامي نفوذ التيار الإسلامي داخل مراكز القرار العسكري أسهم بصورة مباشرة في تعقيد الأزمة السياسية والأمنية التي شهدها السودان خلال السنوات الأخيرة، وصولاً إلى اندلاع النزاع المسلح الحالي.
وفي واحدة من أبرز تصريحاته، حمّل نقد ما وصفه بعملية "تطهير الجيش" من الضباط الرافضين لهيمنة الإسلاميين مسؤولية تفجر الحرب، قائلاً: إنّ "السودان ما كان ليشهد هذه الحرب" لو لم تتم إحالة تلك القيادات العسكرية إلى التقاعد.
وعدّ أنّ التيار الدافع نحو المواجهة العسكرية كان يسعى إلى قطع الطريق أمام أيّ تسوية سياسية قد تحول دون عودة عناصر مع الاتهامات الموجهة إلى شخصيات محسوبة على نظام عمر البشير والحركة الإسلامية بالتغلغل داخل مؤسسات الدولة، لا سيّما المؤسسة العسكرية، واستثمار الحرب الحالية لإعادة ترتيب موازين النفوذ السياسي والأمني في البلاد.
ويرى الباحث المختص في الشؤون السياسية والإقليمية الدكتور هاني سليمان أنّ الإجراءات التي أعقبت قرارات البرهان في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021، والتي أنهت الشراكة مع المكون المدني، مثّلت نقطة تحول سمحت بإعادة تموضع شخصيات محسوبة على نظام عمر البشير داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك قطاعات القضاء والإدارة والإعلام والخدمة المدنية، لافتاً في حديثه لـ (حفريات) إلى إنّ إلغاء عدد من قرارات لجنة إزالة التمكين منح كوادر النظام السابق مساحة للعودة التدريجية إلى مؤسسات الدولة، في وقت كان البرهان يبحث فيه عن حاضنة سياسية وإدارية قادرة على دعم سلطته في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
وتابع: "الحرب التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أسهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي، إذ تحوّل الخطاب الرسمي بصورة متزايدة نحو التعبئة العسكرية والأمنية، مع تراجع حضور القوى المدنية التي قادت الحراك الشعبي بعد سقوط نظام البشير. كما أنّ استخدام مفردات مؤدلجة وتعبوية ساعد في خلق بيئة سياسية واجتماعية سمحت بعودة تيارات إسلامية إلى المجال العام تحت غطاء دعم الجيش والحفاظ على الدولة".
وتتهم قوى مدنية سودانية قيادة الجيش باستغلال ظروف الحرب لتقييد النشاط السياسي والإعلامي للمعارضة، وخلق واقع يجعل الأولوية المطلقة للمعركة العسكرية على حساب أيّ مسار ديمقراطي أو تفاوضي.
ويكشف الباحث المختص في الشؤون السياسية عن مفارقة في خطاب البرهان، لافتاً إلى أنّه يتسم بالمرونة السياسية والبراغماتية التكتيكية، إذ يبدي انفتاحاً ظاهرياً تجاه المبادرات، ويعمل في الخفاء وعلى نحو استراتيجي مباشر لجهة تقويض قوى سياسية مدنية بالعمل على إضعاف الكتل المدنية وتفكيك التحالفات المناهضة للحكم العسكري.
وعليه، تبدو مسألة العلاقة بين الجيش والتيارات الإسلامية إحدى أكثر القضايا حساسية في مستقبل التسوية المعطلة بالسودان، خصوصاً مع تنامي الاستقطابات الإيديولوجية والعسكرية بعد حرب إيران وانخراط إخوان السودان المتزايد في الصراع والتهديد بفتح جبهة إسناد محتملة وجديدة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)