تسليم أسانج: يوم أسود في تاريخ حرية الصحافة والديمقراطية

تسليم أسانج: يوم أسود في تاريخ حرية الصحافة والديمقراطية


23/06/2022

لا يمكن إنكار أنّ حرية الإعلام والمعلومات في العالم الغربي هي الأفضل مقارنةً بحال بقية العالم، حتى بعد قرار تسليم مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج إلى الولايات المتحدة، لمحاكمته بتهمة التجسس بسبب نشر آلاف الوثائق السرية المتعلقة بحربَي أفغانستان والعراق.

وإذا كانت قضية أسانج تتعلق بدول أخرى لكان توصيف ما حدث بـ "انتكاسة" في حرية الإعلام، لكن عندما يتعلق الأمر بدول تحاضر بقية العالم عن حرية الإعلام بشكل مطلق، وتستغل ذلك في التدخل في شؤون دول أخرى، فلا يعدّ ما حدث لأسانج انتكاسة فقط، بل كشف زيف دعاوى السلطة في دول غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة حول حرية الإعلام.

ويدرك المتابعون للإعلام الغربي أنّ الحديث عن حرية الإعلام المطلق ليس سوى وهم؛ إذ إنّ هناك معايير وضوابط وعوامل مباشرة وغير مباشرة تحكم العمل الإعلامي في الدول الغربية، وربما يكون أشدّها خطراً على حرية الإعلام هي العوامل غير المباشرة.

تسليم أسانج

في 20 نيسان (أبريل) الماضي، أصدرت محكمة وستمنستر في لندن أمراً رسمياً بتسليم مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، للولايات المتحدة، بعد سنوات من الخلاف القضائي. ويواجه أسانج عقوبة بالسجن تصل إلى 175 عاماً، حال محاكمته في الولايات المتحدة، بتهمة نشر أكثر من 700 ألف وثيقة سرّية منذ 2010 تتعلق بأنشطة عسكرية ودبلوماسية أمريكية، خاصة في العراق وأفغانستان، وبحسب المحكمة؛ فإنّ تنفيذ الحكم متروكاً لوزيرة الداخلية بريتي باتيل للموافقة عليه. ورأت المحكمة ألا مخاطر على صحة أسانج من تسليمه إلى واشنطن، وذلك بعد التعهدات التي قدمتها الأخيرة، والتي تضمّنت عدم حبسه انفرادياً، ووضعه في سجن غير مشدّد الحراسة.

عبد الوهاب: لا ضمانات كافية لحصول أسانج على محاكمة عادلة في الولايات المتحدة

وصدر قرار وزيرة الداخلية بالموافقة على تسليم أسانج إلى الولايات المتحدة، في 17 حزيران (يونيو) الجاري، ولم يعد أمام أسانج إلا اللجوء إلى المحكمة العليا لاستئناف حكم تسليمه، ويمكن اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ويقول الصحفي المصري، حمادة عبد الوهاب: "يضع تسليم بريطانيا جوليان أسانج إلى الولايات المتحدة لمحاكمته حقوق الإنسان تحت محكّ الاختبار بالنسبة للدولتين؛ حيث يُتهم أسانج بتهم خطيرة في الولايات المتحدة، تشمل؛ تسريب وثائق مخلة بالأمن القومي، والإضرار بسمعة الولايات المتحدة، والتأثير بالسلب على علاقاتها بالشركاء الدوليين".

وأضاف الصحفي المصري لـ "حفريات": "كان من المفترض ألا تسلمه بريطانيا، وإذا أرادت واشنطن محاكمته فكان عليها فعل ذلك في لندن؛ لأنّه لا ضمانات كافية لحصوله على محاكمة عادلة في الولايات المتحدة. وكان الأحرى ببريطانيا، التي ترفض تسليم أيّ متهم لبلاده، إذا ما انتابها أيّ شكّ نحو أمنه أو عدم حصوله على حقّ تقاضٍ عادل، ألّا تُسلم أسانج، ولهذا يعدّ قرارها أمر مشين وغير لائق من دولة لها باع طويل في الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان بما فيها حقّ التقاضي".

انتهاك حرية الإعلام

ومن جانبه، يقول الإعلامي اللبناني، ربيع ياسين: "لا تمثّل قضية أسانج شخصه فقط، بل تتعلق بحرية الإعلام والصحافة، بالتالي، هي وصمة عار على العالم الغربي، تحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، خاصة أنّهما تتصدران كأشدّ المدافعين عن الحرية، لكن حين تعارضت مع مصالحهما تحوّلتا إلى شرستين في قمع هذه الحرية".

وأشار، لـ "حفريات"، إلى أنّ "كلّ الوثائق التي نشرها موقع ويكيليكس هي حقائق مدعومة بالبراهين والأدلة، بالتالي، لم ينشر أسانج أكاذيب وتلفيقات"، وشدّد على أنّ "أسانج رمز لحرية الإعلام والصحافة التي ندفع حياتنا ثمناً لها، بالتالي، هي قضية سياسية تستعملها الولايات المتحدة اليوم بالتنسيق مع بريطانيا".

يدرك المتابعون للإعلام الغربي أنّ الحديث عن حرية الإعلام المطلقة ليس سوى وهم؛ إذ إنّ هناك معايير وضوابط وعوامل، مباشرة وغير مباشرة، تحكم العمل الإعلامي في الدول الغربية

واستنكر الإعلامي اللبناني ما ينتظر أسانج من حكم قضائي بالسجن قد يصل إلى 175 عاماً: "باعتقادي، كشفه عن انتهاكات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان لا يعرّض الأمن القومي الأمريكي للخطر، بل هو تعرية للانتهاكات الأمريكية بحقّ شعوب حرّة؛ لهذا ندين، كإعلاميين عرب بشكل خاص، توقيفه وتسليمه للمحاكمة، ونرفض أيّ مساس بحرية الإعلام والصحافة، طالما أنّها لم تكن سبباً في الإضرار بالمصالح القومية الحقيقية للدول، وهو أمر ينظمه القانون".

ودانت المنظمات الدولية قرار وزارة الداخلية البريطانية تسليم أسانج إلى الولايات المتحدة، وحذّرت من تعرضه لسوء معاملة قد تؤدي إلى انتحاره حال تسليمه، خصوصاً من خلال تعريضه للتعذيب النفسي.

ياسين: أسانج رمز لحرية الإعلام والصحافة التي ندفع حياتنا ثمناً لها

ويقبع أسانج في أحد السجون البريطانية، منذ عام 2019، بعد أن سلّمته السفارة الإكوادورية في لندن، التي أقام فيها منذ عام 2012، بعد أن منحته الإكوادور حقّ اللجوء إليها، لكنّها عادت وسحبته عام 2019، وسلمته للشرطة البريطانية.

وقال موقع ويكيليكس؛ "إنه يوم أسود في تاريخ حرية الصحافة والديمقراطية في بريطانيا". وأضاف، في بيان نشره على حسابه على منصة تويتر: "أيّ شخص في هذه البلاد يهتم بأمر الديمقراطية والحريات ينبغي أن يشعر بالعار، بعد أن وافقت الداخلية البريطانية على تسليم جوليان أسانج للولايات المتحدة، وهي الدولة التي حاولت اغتياله".

عصر الحرية المشروطة

ويرى الباحث في التاريخ والعلاقات الدولية، أحمد دهشان؛ أنّ هناك، بلا شكّ، حريات على المستوى الفردي والاجتماعي في الغرب، لكن "العملية الديمقراطية الغربية لا تعدو كونها اتفاقاً بين مراكز قوى على كيفية تقاسم السلطة والثروة بطريقة سلمية، لتجنّب الفوضى والصراعات، ولهذا تُسمى تداول السلطة، وليس الشروط العادلة للوصول للسلطة، وشتّان بينهما؛ التداول يعني أنّ فئات محددة ستصل إلى السلطة وتتداولها بينها".

ويعود دهشان إلى حقبة الصراع السوفيتي - الغربي لبحث مفهوم الحرية الغربية، وكيف تحوّلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وما هو المستقبل الذي ينتظرها، ويرى أنّه "تمت المبالغة في الحرية الغربية وتسويقها للعالم، كجزء من الصراع الأيديولوجي والجيوسياسي مع قطب عالمي مناهض، وهو الاتحاد السوفيتي، والذي حمل قيماً وفكراً ورؤيةً بديلة للعالم، بغضّ النظر عن تقييمها، وفي ظلّ التنافس بينهما على كسب شعوب أخرى، أبرز كلّ طرف الوجه الأكثر إشراقاً وجمالاً لديه، مع المبالغة المفرطة في ذلك".

الإعلامي ربيع ياسين لـ "حفريات": كلّ الوثائق التي نشرها موقع ويكيليكس هي حقائق مدعومة بالبراهين والأدلة، بالتالي، لم ينشر أسانج أكاذيب وتلفيقات، فهو رمز لحرية الإعلام والصحافة

وذكر الباحث المصري، لـ "حفريات"؛ أنّ "البرامج الاجتماعية والاقتصادية كانت قوية في أوروبا الغربية وقت التنافس مع الاتحاد السوفيتي، كيلا تكون العدالة الاجتماعية مرتبطة بالشيوعية أو اشتراكية الفقراء فقط، كما سمّوها في الغرب، وروّجوا إلى أنّ العدالة الاجتماعية قد توجد في ظلّ الملكية الخاصة، لكن عقب انهيار الاتحاد السوفيتي تراجعت هذه البرامج بشدّة، والشيء نفسه في الحريات؛ كان التسويق لها على أنّها مطلقة في الغرب، بينما لا يتمتع بها إطلاقاً المواطن في الدول الاشتراكية، وحين سقط الاتحاد تراجعت هذه الحريات".

وبحسبه، يعيش العالم الغربي نهاية "زمن نهاية الصوابية السياسية، بعد غياب الاتحاد السوفيتي كقطب يحمل رؤية منافسة للعالم، بينما روسيا والصين لا تملكان رؤية منافسة؛ فالأولى تهتم بمصالحها الجيوسياسية والثانية بالمصالح الاقتصادية، وكلاهما ضمن منظومة السوق الحرّة بشكل ما، والديمقراطية التمثيلية في حالة روسيا".

دهشان: تمت المبالغة في الحرية الغربية وتسويقها للعالم

ويقول الباحث في التاريخ والعلاقات الدولية: "أمام غياب منافس ذي رؤية للعالم بدأت العودة إلى القواعد الأصلية الحقيقية للمجتمعات في الغرب؛ حيث الحرية محدودة ومسموح بها فيما يخدم السياسة العامة للدولة، وحين تتعارض ما تعتقده السلطة على أمن قومي يُطاح بهذه الحرية، وهو ما حدث مع روسيا بعد الحرب على أوكرانيا، حيث طال المنع والمصادرة وسائل الإعلام الروسية والثقافة ورجال الأعمال والأموال".

وحول قضية جوليان أسانج، يرى الباحث أحمد دهشان؛ أنّه "نتاج طبيعي للتحولات في الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عام 1991، والتخلي عن ترويج صورة الحرية الغربية المطلقة، بعد انتفاء الحاجة إليها، ولهذا نرى تدخّل السياسة في كلّ شيء؛ من الإعلام وصولاً إلى المصالح الاقتصادية".

وجوليان أسانج صحفي وناشط ومبرمج أسترالي، أسس موقع ويكيليكس ورأس تحريره، وحاز الموقع شهرة عالمياً عام 2010 عندما بدأ في نشر وثائق عسكرية ودبلوماسية عن الولايات المتحدة، بمساعدة شركائها في وسائل الإعلام، وحصل أسانج على العديد من الجوائز الصحفية والحقوقية، منها جائزة منظمة العفو الدولية عام 2009، وكان مرشّحاً لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2019.

مواضيع ذات صلة:

القاعدة والحوثي والإخوان.. ثالوث يفتك بالصحفيين اليمنيين

للتعتيم على الاحتجاجات.. حملة اعتقالات تطال النشطاء والصحفيين في إيران

وثيقة سرية: النظام التركي يقر بانتهاكاته بحق الصحفيين



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية